قوة الرؤية التجريدية المرتبطة هندسيا بجمال الشكل.

ضحى عبدالرؤوف المل

يثير " جون تي اكستون التالت" "Artist John T. Axton 111"مزاجية اللون وذوبان الضوء المهيمن على المربعات والمستطيلات والخطوط المتعرجة، وعلى الأشكال الهندسية المترائية ببساطة تتعلق باللاوعي، وبأشكال التعبير التجريدية التي نجد فيها تفاصيل اختلافات وانسجامات، وتوافقات ذات تأثير إيجابي. نلمس من خلاله قوة الرؤية التجريدية المرتبطة هندسياً بجمال الشكل، وتألق اللون الميلودرامي المتداخل بين هذا وذاك . مما يسبب السطوع والتماوجات الضوئية المضيئة التي تعكس إدراكاً حسياً للشكل الرياضي. غير الموضوعي والعشوائي بصرياً ، لكنه يعتمد بث مفاهيم جيومترية بلغة تجريدية عميقة التكوين ، والانسجام الحركي الأنيق هندسياً والانفعالي بصرياً. متخذاً من الألوان الأساسية كياناً متعدد المربعات أو المستطيلات بمختلف أحجامها وألوانها المركبة، لكنه يمثل لغة رمزية محكمة التشابك ، ومنفردة في نسيجها المتسق مع الإيحاء الخلفي للحركة التصويرية القابلة للاختزال ، ولخلق نشاط ذهني باطني شديد الحركة، ومرتبط بلعبة الأشكال البصرية التي يتقنها " جون تي اكستون" ، ليوحي بالتلاقي والانفصال ، والواقع والخيال والتجريد والهندسي في مفاهيم مبنية على الترابط الفني والعلاقات المتخيلة بين الاشكال الهندسية. لأن اللوحة تثير الانفعال الحسي والإدراكي من خلال خطوطها الداخلية، وتصميماتها الإيمائية المتفاعلة مع الرؤى والملامح والأفكار الدقيقة، لمفهوم التناسق أو التجريد الهندسي الإيحائي، وكأنه يبحث عن واقعية الحياة داخل الحلم أو عن ابتكار مغامرة مشحونة هندسياً بالأشكال الجمالية، بمختلف أحجامها ومقاييسها الرومانتيكية إذ يكتفي بتصوير مسرحي. يصف المضمون من خلال سرد لوني له صياغة ساكنة ومتماسكة، وكأنما هي تعبير تلقائي موسيقي يمنح المساحة المبسوطة تسطحات مختلفة بسطوحها وألوانها وأشكالها، وأبعادها الغنية بالتوازنات الضوئية المتدفقة بحيوية لها توتراتها الانفعالية ، وقياساتها المتناقضة والمساوية، لديناميكية كل مشهد بصري داخل لوحة تفردت بمحاكاة الرائي ، وفضاءاته الخيالية المتقيدة مرئيا بتوهج الضوء واختلاف نسبة الظل بين المربعات والمستطيلات اللامتناهية بحركتها ، وظلالها ، وإيحاءاتها وبقدرة " جون تي اكستون" على الالتزام المباشر بالأشكال وخاصة المستطيل والمربع، ليضفي بذلك المزيد من الحيوية والتجرد.

يجمع " جون تي اكستون " بين الألوان الحارة والباردة ضمن تقنية تكنيكية سينوغرافية متقاربة سيمترياً من حيث التماثل ، والتشابه، والتوازن، وهي مستوحاة من تداخل الأشكال والألوان في الطبيعة، والوجوه البشرية المتوافقة والمتناقضة بتسلسلها المتميز بالانتظام والقدرة على السيطرة. لترتيب الأشكال الرياضية. وفق نظام أفقي يتناقض مع الخلفية، وكأن اللوحة تتباهي بطبقاتها اللونية، وبتلاشي الأبعاد المرئية حين يزيغ البصر. لأنها شديدة الانضباط مع الرؤية الإيقاعية أو المعادلة الهندسية، وأبعادها المفتوحة والمغلقة، وكأن أشكاله الهندسية كائنات حقيقية استولدها من باطن الوعي الفني التجريدي المتأثر بتنظيم الفضاءات الحرة.

يحاول " جون تي اكستون" فتح حوارات بين الشكل والفراغ، وبين اللون والضوء، بين كل ما هو سلبي وإيجابي، وكأن اللوحة هي مسرح حياتي نمارس عليه لعبة الحرب والسلام ، فالتضاد والتوافق يرفع من قيمة الإحساس بالمتناقضات، وخصوصيتها التكنيكية التي تعتمل في ذهن المتلقي. لأن الحوارات المتكررة بشكل إيقاعي وبموضوعية تجريدية تخفي الواقع المتصور إيحائيا من خلال الحركة والسكون، والملامح الضوئية المسطحة والنابعة من تبلور المؤثرات الداخلية والخارجية. المتأتية من داخل التصميم وخارجه، وكأنه يقدم عرضاً عسكرياً منضبطاً مع الحواس أو رقصة فلكلورية تجمع الحركة مع الإيقاع ونصاعة اللون البرتقالي خاصة والأحمر عامة ، فالرمادي المركب والحيادي بسلاسته، وتواجده إلى جانب الألوان الأساسية النارية منها. يسبب منظوراً ايهامياً يجعلنا نستكشف فوارق كل لون تنافر مع الأبيض أو تآلف معه، ليبقى الرمادي محايدا أو مساعدا على خلق شحنات بصرية جديدة كلما ابتعدنا أو اقتربنا من اللوحة .

أسلوب حيوي يكمن في دور الحركة البصرية داخل الفراغات المرتبطة بإيحاءات متخيلة من الخارج، ومن عمق المساحة والظل المعتمد على نسبية الضوء المنسجم مع الموتيفات، وكيفية الخصائص المنطقية المنظمة عقلانياً وعاطفيا ،وفق قدرات الريشة وليونتها في إظهار التوافق بين المعنى والمبنى أو بين المضمون والأسلوب، وسيميائية العمل الفني التجريدي بشكل عام.حيث تتسع مساحة اللوحة في أعمال" جون تي اكستون" لخلق تصورات فانتازية تتمادى بإيجابية ومهارة ينصهر الوجدان معها، لتنشأ نبرات موسيقية متجددة كلما أمعن المتلقي النظر إليها ، مما يتيح للحواس التقاط الخطوات المتدفقة شعورياً من جوهر الرؤية الفنية عند اكستون، ومن الخطوط المتعرجة والبارزة أحيانا في خلفية ساعدت على تنوع الرؤية، وصياغة مرئيات اتخذت من الوحدات الفنية والعناصر الدلالية، ما يسبب في تحفيز اللاوعي على اكتشاف الانفعالات البصرية التي تتفق مع المحاكاة والنظرة المجردة من التفاصيل الواقعية . غير المقيدة تجريدياً من خطوط، وتكرار، وتوازن، وتدرجات وتناقضات، وظلال، وألوان، وأحجام، وتراكيب، ونسب...

يقول مارتن هيدجر:" إن مسألة التقنية هي مسألة الترابط الذي يحدث فيه الانكشاف والاختفاء، وحتى كينونة الحقيقة ذاتها" كينونة جوهرية منطقية ذات بناءات إيحائية تجريدية. تخفي في طياتها حقيقة وعي تأليفي مؤثر حسيا بتنويعاته السردية، والهندسية، لتتقاطع الأشكال وتتشابك وفق اختزالات منظمة فضائيا تهدف إلى توليد أفكار موسيقية ذات أنماط ملموسة حسياً، وغامضة تصويرياً، وهي تمثل جزءاً كبيراً من الأشكال الرياضية المنسجمة هارمونيا التي تستحوذ على فكر الرائي، وكأنه يكتشف لعبة هندسية. يمارس اللعب فيها بصرياً متناسياً اكتظاظ المساحة بالمستطيلات والمربعات التي تمزج التعرجات في الخلفية مع السلم الموسيقي. الناشئ من الخطوط، والفراغات، والفواصل، والضوء، ومن التعتيم والتفتيح ، ومن قدرة الظل على رسم خارطة مرئية لها تصميماتها الفنية الثنائية الأبعاد، المبنية على تلونات يتضح من خلالها قوة العلاقات الفنية ، وتشابكها مع المفهوم والرؤية والخط والمستطيل، والمربع، والألوان، ودرجاتها خصوصا الأصفر، والاحمر، والأسود والأبيض.

اللوحة من مجموعة متحف فرحات

Doha El Mol