ألوان زيتية زاهية لها ضوء الطبيعة المتجددة.

ضحى عبدالرؤوف المل

بداية لا نهاية لها ، وألوان زيتية زاهية لها ضوء الطبيعة المتجددة ، مع لمسات فرشاة تدور حول ذاتها في حركة دائرية لا تنتهي، ولون أبيض له إيحاء الولادة والموت، كأن " جنى عيد " تفتح النوافذ لفن روحي كي ينطلق مع الدوائر الموسيقية نحو إشراقة نفس تتحرر بعد دورانها حول ذاتها. أو في طواف دائري يتعاطف معه اللون، فيستحوذ على موجات لها سحر حركة تأثيرية تعبيرية غارقة بالإيحاء والأبعاد الروحية التي تنساب مع التنورة الإيقاعية، لرقصة صوفية تشبه دائرة حركية لا تهدأ، فهي توزع شحنات الحركة المرتبطة مع اللون بشكل دوائر راقصة في كونية لا اتصال فيها. بل ضمن جزئيات لها أبعادها ورؤيتها، وفراغها الوميضي لتوحي بأبعاد تتنوع بين ثنائي وثلاثي ورابع مع ومض لوني يختزل النهاية، فنتوقف عن التناغم معها. لنستريح في فسحة صافية شديدة النبض والحياة.

يرى البسيوني" بأن التذوق الفني هو نوع من التعاطف والاستجابات الوجدانية، وبأن التذوق عملية تعبر عن علاقة تعاطف بين الفرد وبين الشيء الذي يستحوذ على مشاعره، بما يحمله من سمات جمالية تجعل الإنسان يحس بالمتعة والارتياح، مما يعني أن إعجاب المتذوق بجمال الفن ينتج عن التأثر الوجداني.

تأثيرات وجدانية عاطفية تحقق من خلالها التكامل بين الخط واللون والمتلقي، ، فهي ممتلئة بحيوية لون صاخب يختزل المساحة وبولد إعصارات تعصف بالألوان الأخرى، فتجعل الداكن مع الغامق في امتصاص لوني عميق يتناغم مع القماش تاركة سطح اللوح يشع بهجة . كأنها تنتقل من حياة إلى حيوات متعددة كشرنقة راقصة تجيد الرقص بين فسحات بيضاء إيحائية، فهي تضرب بريشتها القماش كأنها تنقر الدفوف أو الطبول ، فتنفي مادية الأجسام رغم وجودها، وتوازن دوران حركة الكتلة مع جاذبية الضوء، فتلتقطك وتقذف بك نحو تجليات إشراقية فنية تشكيلية تجسدها بصريا من خلال مساحات لونية متناسقة ، وشديدة الخيال رغم ارتباطها بواقعية الراقص الصوفي إلا أنها توحي بدوامة لها منظورها المتحرر روحياً من الشكل واللون، والكتلة البنائية تاركة للتعبير النفسي تقنيات خاصة تعتمد على اللف والدوران حول الذات، مما جعلني أشعر بقوة تيارات اللون المتدفقة، وهي تدور مع موسيقى حركية تعتمد على صفاء الصورة الذهنية وارتباطها بفلسفة الدوران المتلازم الشبيه بدوران الأفلاك والحياة أو الحيوات المتعاقبة حتى الآن.

إطلاق لوني في حالة أثيرية تشبه رحلة النطفة داخل الرحم، كما تشبه فروج السماء، وهي تتراءى بجلبابها الراقص تاركة بقعة حمراء مشتعلة تعبيراً عن الحضور الحياتي، أو الواقع الأقوى ليبقى العالم الدنيوي له وجوده الخاص في لوحاتها ، فيتخلى قوس قزح عن دائريته ويشتد صراع الألوان، فيثبت الأبيض قوة في لوحاتها كأنه طيف روح تحرك الفرشاة، فنسأل معها كما سألت هي أين هو الحبيب؟.

لوحة تشبه حركة الذرة في تناغمها، وتنورة لون تعايشنا مع حالتها الدورانية التعبيرية ضمن إيقاع بصري قوي واحتفال ألوان تجاوزت الأنا، واندمجت داخلياً وخارجياً في صفاء أخاذ ، فاتجهت رمزياً نحو حركة القمر المشابهة للأنسان، فمولوياتها تتوافق وتتنافر مع التضاد اللوني في آن، فتتحول لوحة " أين الحبيب" إلى سمفونية بيتهوفن ضوء القمر، فيصبح المشهد اللوني في بعض اللوحات قصيدة من خط ولون، وحالة انفعالية كامنة في اللاوعي الإنساني، وفي لحظات التجلي أو الإشراق الروحي لانطلاقة اللون أو لانطلاقة الحركة الصوفية التأملية، فتلتحم أجزاء اللوحة بصرياً مع فكر المتلقي، وضمن تفاعلات اللون الأحمر والأزرق، والأخضر في لوحة الرقص في الهواء.

رقص وإيقاع، وشحنات ضوئية لها شفافية موجة دائرية تتوحد مع المقاييس والمساحة، فتتغاير الألوان تبعا لتدرجات تؤثر على العين مما ينعكس على المخيلة، فنتوحد مع فوتونات ضوئية تطوف فيزيائيا مع اللون قبل أن تبدأ رقصة الدوران حول الذات والتي تشبه حركة الدراويش في الرقصة المولوية.

انطلقت " جنى عيد " في لوحاتها نحو منهج تعبيري تجريدي له فلسفة تحررية أظهرتها براعة ريشة، ومخيلة غنية بإرث شعري يحمل وجدانيات " طاغور" وصمت " كارل يونغ" في تأملاته، وتوهج دوراني داخل اللوحة مما يجعل بانوراما اللون أكثر زخماً من الخطوط وأوسع من مساحة لوحة، فرؤية " جنى عيد " لها صيغة إبداعية وبساطة روحانية تجعلنا نشعر بالسلام الداخلي والتماهي الكوني ، فالتباين وشدة توهج اللون يبرز جرأتها كما يبرز اللون الأبيض طفولتها الحالمة، فاللوحة الخالدة هي لوحة " زهير غانم " لأنها تعبير عن عبور الروح نحو مسارها الكوني أو نحو جاذبية كوة الخلود.

في هذا المعرض تعكس" جنى عيد " رؤيتها الانفعالية لفلسفات متعددة كلها تتخذ منحى التحرر الذاتي، والانطلاقة منها وإليها. فتناغمت العناوين كما تناغمت اللوحات مع الألوان الممزوجة بالحزن والفرح، وجموح حركة لها ضوابط متزنة لونيا، وهادئة تعبيريا لأنها تنشد الجمال. باحثة عن مضامين إنسانية تعج بالإيحاء النفسي ، كأنها تكتب القصائد بلغة لونية تعبيرية، وتجانس فني مرتبط بالتأثيرية وفق بنية جذابة تحلق في فضاء كل مشهد حسي حركي لوني له أبعاده الوجدانية والجمالية ، مما يجعلنا نخضع لفكرة " الدوران حول الذات"

Doha El Mol