فيتو" "ثائر معروف" وقوة رسالة يحملها في أعماله
ضحى عبدالرؤوف المل
ينفي ثائر معروف فواتح الألوان، ويتركها معتمة ليمنح حق الرفض موافقة فرشاة تنقل الواقع فنيا. لتتجلى رؤية إنسانية حقيقية قادرة على التعبير عن أوجاع الإنسان من خلال كثافة لون أزرق داكن، وخطوط طول شفافة كستائر بيضاء نقف من ورائها. نشاهد الانتهاكات الاجتماعية وحرائق حروب يشنها الإنسان على أخيه الإنسان، في لوحات تتضمن رسالة لها أطرها التشكيلي والإيحائي من سماكة لون أساسي، وشفافية ألوان مركبة إيمائية مع لون أحمر سال في مساحات لوحات تعزز مفاهيم قوة رسالة يحملها في أعمال فنية تبرز المشكلات الإنسانية، ويهيمن عليها اللون الأبيض المحايد . كأنه ينتفد المتفرج السلبي على أحداث يمر فيها المجتمع بشكل عام .
نقرأ في كل لوحة تقريبا تهديداً لحقوق الإنسان المعلنة وانتهاكات الجهر بالقول أنكرها في لوحة تعالج معايير إنسانية تخاف الكلام ، واضعا اللسان على حد سكين سالت عليها دماء مطالب. ربما بالحرية أو بالحفاظ على البيئة أو لرفع الانتهاكات عن مجتمع يعيش فيه" ثائر معروف". فلإلهام البصري تعلق بحواس تفتش عن الجمال والسلام من خلال رؤية أوجاع استنكرناها معه، وتألمنا لرؤيتها فمخيلة المتلقي تغلغلت في نسيجه الفني الحزين. لأنه يعيد تشكيل كل لوحة كأنها رسالة لونية تحمل جزئيات خطوط دقيقة لا ارتجاف فيها ، وحركية عيون صامتة تجعلنا نتحسس الألم الإنساني من خلال كتل سميكة جامدة لكنها ناطقة بالمقاومة، وتنادي بحقوق الإنسان المسلوبة. ليمنح الدخان فقط حرية الصعود .
يقول روجيه غارودي:" لا يمكن لنا أن نسمي فناً إلا ما هو إنساني حقا، أي ما هو ليس طبيعة، بل ينفصل بالذات عن الطبيعة" في معرض " ثائر معروف" تشعر بالفيتو فعلا لأن كل لوحة لا ترفض الواقع فقط. بل تدخل إلى عمقه وتتحسس الحقيقة، فتبتعد عنها لتراها بعين مشاهد يبحث في أعماق نفسه عن حقوق ضاعت، ومطالب تاهت، وثورة مخنوقة وكلمة مجروحة، وفواصل رمادية تحمل المواقف المترددة أو التذبذب بين الأبيض والأسود.
أحمر حياتي متوهج غامق بلون دماء لزجة تسيل، ليجعلنا نتنقل بين مفردات درجات لون ولون، ونحن نمسك بأنف ممنوع حتى من حاسة شم نفتقدها بإرادة منا، فالاستسلام للواقع الملوث بيئياً واجتماعياً تفصح عنه العيون الحمراء عن كل انتهاك حق بدءاً من الطفل حتى الحيوان، فاللحية البيضاء والوجه الأزرق، وفأس يمتد ظله كأنه فريسة تستعد التهام ضحيتها في لوحة حكى فراغها قصة الظل والطفل، والتشدد الديني، فالضوء يختبئ والظل يظهر معاكسا لرؤية حقيقة تظهر علينا، فما نراه في المجتمعات أشبه برواية سوداء.
قدم" ثائر معروف" الفن وارتباطه بحقوق الإنسان ما جعلني أشعر بقوة المفاهيم الفنية القادرة على توصيل مفاهيم يصعب تحقيقها بالكلمة، فالفكرة تحتاج لفعل وعمل يعيد الحقائق لأصحابها، لنحيا في مجتمع لا صراع فيه، كما تتصارع الألوان في لوحات" ثائر معروف"، لأن الطفلة ذات العيون البيضاء الصافية والمقيدة بلفائف تحتاج لضوء، للون فاتح لإشراقة شمس تمحو عذابات كل نفس لا تستطيع الصراخ والمناداة بحقوقها، فثائر يؤسلب معاناة الطفولة وتشردها كما يجرد اللوحة من الطبيعة والزهور ،فنرى جمال رسالة في قبح ووحشية معاناة تدمع لها الروح والقلب قبل العين.
انفصال تام عن كل ما هو جمالي أو تزييني مع غموض لون أسود يتحلل كدخان يذوي في مخيلة لا تنأى عن الاعتراف بالواقع والثيمات اللونية الأساسية لكل خلفية تشبه مسرح الظل، ومن شرور أنفس لها رمزية خاصة في أعمال" ثائر معروف" الدراماتيكية والغريبة الأشكال والأحجام والألوان، فهي لا ترتبط بطبيعة خضراء أخفى لونها، وفن إيمائي تشكيلي يروي حكاية عصر يتألم .
ما من تكرار موسيقي في لوحاته بل تشعر بتنفس الألوان من شدة كثافتها، فالرعب وخفقان القلوب كقرع طبول الحرب أو ضربة فأس من يد رجل مخادع يهوي على رأس طفلة، أو دوي انفجارات وهذا ما أثبت صدق الثيمة المشهدية التي قدمها تصويريا في رمزية جردها من الصوت الموسيقي، وأعطاها حداثة تكشف مرارة الألم والصمت ، كأن ريشته مصابة بالتوحد، وترفض التوهج او توزيع الضوء بشكل متواز بين الكتل ليقول" فيتو "على كل حق مغتصب في مجتمع أعيش فيه حياتي.
سلاسة ووضوح وإبداع حققه ثائر في فيتو رسمه وثقل ألوان وكتل غريبة لا أرضية لها ما جعلنا نشعر به من خلال كل كتلة وضعها وفق مقاييسه الفنية، ومفهوم آحادي عززه بقوة اللون ، فوصل إلى ذهن المتلقي كريكاتورياً. لكن بأسلوب تشكيلي أعطى الأولوية للإنسان الموجوع في مجتمع ينظر بعين حمراء على كل لسان يحاول البوح بما يتعبه.
Doha El Mol