أسلوبية قادرة على الايحاء الكلاسيكي لمفهوم اللون والشكل

ضحى عبدالرؤوف المل

تكيفت الألوان في لوحات الفنان " محمد البندوري" من خلال تضادها وتماسكها، انبساطها وتمددها في مساحة اللوحة كتعبير حي عن جمال الفن العربي بشكل عام، والمغربي بشكل خاص.فالمرونة في الخطوط المتشابكة تمنح البصر الاستمتاع بزركشات ترتبط بالشكل الهندسي والعمق الفلسفي، فيسترسل بنقوشه اللونية المهيمنة على اللوحة .كما يمنحها نسيجاً شفافاً وسماكة دقيقة من خلال أسلوبية قادرة على الإيحاء الكلاسيكي لمفهوم اللون والشكل والحجم والمساحة، فاختلاط ألوانه المتنافرة والمنسجمة بصرياً في أن تضعك في حيرة، فتسأل ما الذي يجذبني لهذه اللوحة؟.

حركة أساسية لها رونقها الخاص وحرفها النابض السابح في لزوجة اللون مع انعكاس الضوء على سطح اللوحة ما يزيدها جمالا بالإضافة إلى اختلاف كل كتلة وتضادها، توازنها وتحررها، وتعدد الخطوط، وتكرار الأشكال الهندسية داخل اللوحة الواحدة الثرية بعوالم تجمع الأزمنة الفنية التشكيلية في بوتقة حداثة نتذوق من خلالها نغم الموسيقى العربية، وإيقاعاً مغربياً خاصا تنشط معه الحواس، وتنحني معه الخطوط، فتشعر بالليونة مع كل خط منحن. كما تشعر بالقساوة مع كل خط مائل أو أفقي أو عامودي، وكأنه يعزف نوتة شرقية يوظفها جمالياً. لنستمتع بالحرف واستدارته والكلمة المسترسلة مع اللون والحوار التقني الخلاق، المتنوع سكونا وصخبا " فمحمد البندوري" يمتلك قوة سيطرة (ترويضية ) على اللوحة، فيهذبها ويبسط سلطته على الفكرة والرؤية، ليقوم بإخراجها سينوغرافياً، مما يولد الدهشة عند المتلقي فيقول ..الله

تعزف أنامل محمد على أوتار الحرف الحساسة بمهارة وبراعة، فيأتي أسلوبه الثلاثي الأبعاد متيناً ومستلهماً من التراث العربي أجمل خطوطه، فيتلاشى الحرف حينا كما يبلغ ذروة قوته في الارتفاع والانخفاض، والتقاطه الضوء. فيظهر متماسكا في التماعات تجعله متحرراً من سلطة لسانية، وملتزماً بحركة ناطقة لها أصولها ومقاييسها، فبعض اللوحات تمد يدك لتلمس تطريزها، وتشعر بالحرف النافر أو اللون البارز، وكأنه يستعمل معاجين ملونة لها تاريخها وحضورها. بل كأن اللوحة هي قطعة أثرية مغربية قديمة.

للخط واللون عند " محمد البندوري" انطلاقة مع الحرف والحركة، وقماش لوحة يمتص اللون، فيجعله أشبه بجدارية يكتب عليها أبجدية فنية خاصة به، تجمع أكثر من مدرسة ليثمر الذوق الفني، فنتفاعل مع جمالياته بصرياً، ونستقرأ ما بالداخل إيحائيا بالمعاينة الحسية والأشكال الفنية ذات التعبير الجمالي لأصوات معينة تتناغم مع موسيقى اللون، وبناء الكلمة ذهنيا لنفرح مع الجوهر ونستمتع مع المبسوط المتلائم حركة ولوناً، مع الشكل والحجم والمساحة . فاستقامة الخط وامتداده له رشاقة تسيطر هندسيا على البصر، مما يضفي زخماً على تقلصات الفراغ، فتتداخل الواحدات الفنية داخل نسيج العمل الفني، فيرتقي جمالياً مع الإحساس بروحانية الحرف العربي وقوة حضوره ما يخلق حالات تشكيلية تظهر وتختفي، لكنها لا تخرج عن إطار المقاييس الموضوعة لها.

ليونة وتناغم كرافيكي يحقق قوة وانحناءات وتعرجات تبدو أكثر رمزية مع تعبير إيقاعي مغربي خاص، يحافظ على ضوابط الفن التشكيلي الحروفي وزواياه الحادة أحياناً، وخلفيات مزخرفة كأنه ينقش على حجارة أو على رق، مما يجعل قوة التاثير على المتلقي تشهد له بالدقة والمهارة، والذوق في اختيار ألوانه الانسيابية المتوافقة، والكتل المفتوحة لخلق فضاء جمالي عربي يقترب من الزخرفي ويمتزج بالحروفية المتميزة هندسياً، وكأن الفن الايقوني المذهب يغطي فراغات تتجانس مع الخطوط العامودية الأفقية والمستقيمة .

آفاق تأملية يفتح أبوابها " محمد البندوري" للمتلقي ليمتد البصر إلى اللامحدود سابحاً مع النقطة ، ومتجلياً مع الخط ومدركاً لألوان تشرح الصدر، وترميز عفوي لحروف تعانق الضوء وتلتف على اللون وتصعد وتهبط مع الظل المتمرد على أي مصدر ضوئي، وهذا ما يجعل حركة العين لا تستقر على مكان أو زاوية. بل تبحث إلى ما لا نهاية عن النقطة.

يقول المفكر البريطاني روم لاندو:"إن الفنان المسلم شارك المفكر والعالم المسلمان ولوعهما بالنظام والجدولة والتناغم. فقد التمس الفلاسفة كما نعلم تفسيرات عقلانية لخلق الله الكون، ولم تكن قلوبهم لتطمئن إلا إذا أظهرت تفسيراتهم منطق التناغم الكامل. أما الرياضيون وعلماء الفلك فالتمسوا أكمل شكل من أشكال التناغم، أعني المعادلة الرياضية. وبطريقة مماثلة اهتم الفنان المسلم بتنسيق التصاميم والأنماط التي كانت صفاتها الهندسية الطاغية تساعد بصورة رائعة على النظم."

في أعمال " محمد البندوري" عقلانية هندسة تطغى على عفوية الخطوط، فتلغيها أحيانا رغم التناغم المتميز لمنظور له البعد الثالث، وخصائص يتفرد بها تتجاوز المساحة ليترك اللوحة سابحة في فراغ كوني يسحب الرائي نحو تأملات لها صفاء الطبيعة، وقوة روح تخطف الحواس وتمنح البصر البعد الوجودي لفن صوفي حي ملتزم بالخط واللون، فالبنفسجي المتلألئ بالضوء عند " محمد البندوري" يثير المخيلة ويمنحها انطباعاً بصريا من شأنه أن يخلق توليفات ورؤية متجددة في كل مرة تعيد النظر لهذه اللوحة أما الذهبي، فهو اللامتناهي والمتجانس مع قوة السطوع على سطح اللوحة.

تلألؤات تذكرنا بفروج السماء ونجم الطارق، فتشعر احيانا بالحركة العروجية داخل لوحة منسجمة سيمائياً مع النظر السابح في فضاء التجريد الموشح بأندلسيات مرنة ورقيقة ترتبط بالمعنى الفني الحداثي الذي قدمه " محمد البندوري" في أعماله.

ملاحظة: محمد البندوري فنان تشكيلي مغربي، باحث متمرس في تاريخ الخط المغربي وله العديد من المؤلفات كما شارك بالعديد من المعارض

Doha EL mol