لون رمادي محشو بالأفكار الأرجوانية القادرة على بث الجمال .

ضحى عبدالرؤوف المل

هل تحب اللعب بالألوان؟..أو اللعب بتحريك المربعات الملونة وجمعها بنفس اللون جانب بعضها البعض؟..أم تغطيس الفرشاة وجعلها كعارضة أزياء ترتدي من الألوان ما يكفي لجذب البصر؟..في رأسك الأفكار الملونة تدهشك قبل أن تخرج من شبكة دماغية وتحط رحالها على ورق أو قماش أو كرتون مقوى أمسك بالخشب أو اختراعات اخرى؟..هكذا هو معرض " ريتا قازان" " رأسي ممتلىء بأفكار كثيرة" .

تتنقل بك بصريا من الرمادي المحايد إلى الأحمر المشتعل والأصفر البهيج ، من السالب إلى الموجب من الطبيعة الفطرية والأشجار والزهور إلى الصناعية من جزادين وأفكار تختلط فيها الرؤية، ولكن بلون رمادي متدرج، وكأنها تبحث عن الألوان الفسفورية داخل اللون الرمادي أو ألوان قلم الرصاص وببساطة وعفوية شديدة تجذبك نحو اسلوبها المميز الرقيق والشفاف ومع رسومات على ورق شديد التماسك ملتصق بالخشب، وكأن حرارة اللون الأحمر الفسفوري تضغط على الورق والخشب واللون، فتجعله كتلة واحدة.

أسلوب بسيط يشعر به المتلقي، لكنه يحتاج لتقنية مميزة فعلياً، فالممحاة وحركة الأصابع تشبه مراحل الدعك الورقي ، ونظرة عميقة لتظهر اللوحة أنيقة وقادرة على البقاء ، فتندهش بألوانها المتناقضة الهادئة والصاخبة ، الحارة والباردة، فالرمادي في لوحاتها مشبع بمادة الجرافيت أو الكارتون الموجودة في قلم رصاص ذي رأس صغير ، وممحاة قادرة على إظهار الفواصل وتدرجات لون حيادي له جماله الخاص.

للأشجار المرسومة بلون الجرافيت معنى له خاصية الزهر الأصفر المثمر، لأننا نراه ملامساً سطوح لوحة تعكس مساحتها، قياسات أحجام وازنتها " ريتا قازان" لتزدان الطبيعة المجردة بانطباعية حيادية في لوحة لا تنفك تنظر إلى زهورها الصفراء أو الحمراء، فالوحدة الفنية المتجانسة فكرياً مع خطوطها لها مذاقها الخاص، لأنها ترسم بمشاعر أنثى ترى في كل رمادي ألوانا خاصة بها ، فهي تخلق أفكارها لتخرج شحناتها العاطفية بحداثة تقليدية بدأت بها، لتكتب بلغة تشكيلية هذه أفكاري وهذه انطباعيتي، فالرؤية الجمالية جسدتها مع فراشاتها المستقلة بألوانها، فهي تحط على أرض رمادية لا زمان لها ، لتغدو عميقة المفردات التشكيلية رغم بساطة الفكرة، فالبصر يبدأ بتشريح أجزاء اللوحة ليضع الرمادي جانباً، ويجمع الألوان، كأنه وسط حقل من زهور ملونة، فكثافة الجرافيت تجعل اللون يستقل، وكأنه أنثى كونية حالمة. بل فراشة تفرد جناحيها وتطير بالبصر نحو ألوان الطيف.

حين تقف أمام لوحات" ريتا قازان " عليك أن تختار ماذا تريد؟.. وعليك أن تبحث عن معاني الحياة وتضادها بين الفقير والغني ، قبل أن تتأمل ميزانها ، والجزادين الملونة في مساحات فراغية لها اتساعها وعمقها وأبعادها الأكثر اتزاناً من حيث الشكل واللون وبساطة الفكرة، وكأنها طفلة تمسك بقلم رصاص، وعليه ألوان ، وطلاء شفاف يحافظ على الرسومات من الهواء وأشعة شمس تهرب منها " ريتا قازان" لأنها تركت لوحاتها منفردة بصرياً، لكنها أكثر صفاء مع ضوء وزعته بوعي بين الفواصل والكتل ، وخصوصية لها شدتها وخفوتها، وكمونها البصري . لأن مادة الجرافيت الموجودة في قلم بين أناملها تركت بصماتها تبرز على ممحاة تشتد وتسترخي ، لتبرز تفاصيل كل حركة بطيئة تشعر بها في لوحات تائهة حياتيا بين الصح والخطأ.

إضاءة متوازنة مع تدرجات الرمادي، وما يحيط باللوحة من فراغات كتنميش يطغى على الملمس، فالعناصر الفنية في لوحة الفراشات متناغمة بصرياً، وكأنها تلعب بالفراشات، كما نلعب بتحريك المربعات الملونة وجمعها بنفس اللون . إلا أن اللون هنا داخل أجنحة فراشات جذبها اللون الرمادي، ففرشاتها لا بد من وجودها حين يتنحى القلم جانبا بعد، لتبدأ الفرشاة بالتوحد مع الكتلة بدون حوار تنصهر معه الذات. بل تترك الجدليات تكسر المتناقضات وتقترب من العقل، لتمور بحركاتها في عمق اللون، فتختار ما هو رمزي ليتسع أفق المخيلة من خلال الإيقاع والرؤية التي تحتضن الرمادي البارد والحيادي، ليزداد سطوع كل لوحة تفردت بلونها الخاص.

إن خامة الجرافيت الموجودة في قلم الرصاص تحتاج لقدرة تظهر نقاوة اللون على الكرتون ، فهو يبث العفوية والفطرية بعيداً عن الافتعال والانفعال، كما أنه يحتاج لبراعة شديدة حين يكون قياس اللوحة كبيراً نوعاً ما ، فهي أدخلت تقنية تنتمي لحداثة تمسك بالماضي وتطوره ليرتقي لذائقة المتلقي " فريتا قازان" تمتلك حرفية دقيقة خاصة من خلال معرضها هذا " راسي مليء بالأفكار " أحسست أنها ما زالت تبحث عن ذاتها في أعماقها، وداخل مادة جرافيت تساعدها على التعبير بقدرة عاطفية تحمل رؤية صافية ونقية ، لأنها تتمتع بإحساس مرهف وشفاف، لتنقلنا إلى عالمها المادي والمحسوس من خلال الطبيعة وانطباعية مزجتها وجدانياً ووصفياً، بما يجعلك تشعر بالراحة وأنت تتنقل بين رسومات بسيطة الشكل وعميقة المعنى ذات لون رمادي محشو بالأفكار الأرجوانية القادرة على بث الجمال .

يؤكد هوبز :" إن أجمل قوس قزح هو في أبصارنا لا في سماء." فهل يمكن رؤية ألوان قوس قزح في لوحة مرسومة بقلم رصاص؟..تكوين يهدف لجعل العين تتلاعب باللون كما تتلاعب الأنامل بالمربع اللوني، فهي تحاول أن تفصح عن مكنوناتها الفنية الهادفة إلى خلق أسلوب يثير الدهشة ، ويدفع الحواس إلى استكشاف مميزات مادة الجرافيت في تفاعلاتها مع الكرتون واللون، ولا ننسى هنا دور الممحاة وما يصدر عنها، والقدرة على إظهار الهدوء والسكينة رغم ضجيج الأفكار التي نقلتنا إليها " ريتا قازان " من لوحة إلى لوحة وضمن نغمات موسيقية تتوالف معها الحواس، وتشكل وحدة إيقاعية متجانسة مع اللون الرمادي الرومانسي والهادئ في لوحات بسيطة ، وشديدة الوضوح والمعنى والتفاصيل التي استطاعت إبرازها في خاصية صاغتها على كرتون مقوى هيمن على الخشب .بل انصهر معه تحت تأثير حرارة الأفكار.

Doha El Mol