تأرجح بين الجودة الفنية والحركة التسويقية
(عام 2013)
الجمعة,3 كانون الثاني 2014 الموافق 2 ربيع الأول 1435 هـ
الحاجة إلى متحف فني يؤرشف ويعرض على مدار السنة
قضايا الفن التشكيلي المتأرجحة بين الجودة الفنية والحركة التسويقية في لبنان عام 2013 يتواصل الجدل حول قضايا الفن التشكيلي، فتتصف المعارض بصفات شتى منها التجارية البحتة، ومنها تلك التي تبحث عن الجودة والنوعية، ومنها من يستطيع اتقان الفن التجاري لتسويق لوحات ذات مقاييس فنية تستحق أن تتواجد بمعرض دائم أو متحف فني، ومنها ما هو قادر على تشجيع المواهب والبحث عن مجالات فنية عالية الجودة تتصف بالأهمية، لانها تعالج قضايا اجتماعية أو سياسية أو أدبية أو حياتيه بلغة فن تشكيلي يسمو بالحواس نحو جماليات موضوعية. ليتخطى المتلقي الحواجز القرائية للوحة باعتبارها نصا بصريا مفتوحا على تأويلات متعددة، فهي تمثل في حد ذاتها مواضيعا فنية ذات هندسة تعتمد على تقنيات متعددة. تمنح المتذوق مسافات تخيلية مدهشة خصوصا الهندسية والجيومترية بامتياز، فهي تفتح افاق البصر نحو فضاءات قوية التأثير من معاييرها اللونية وأهدافها الفنية التي تتأرجح دلاليا بين الذاتي والموضوعي لتؤلف رؤية تجمعنا وتفصلنا عن الواقع في آن.
مناخ المعارض
تسود المعارض مناخات فنية لا تخلو من منافسات على النوعية لا على الكمية، وعلى جودة اللوحات لا على الأسماء، فبعض المعارض موشومة بمدارس فنية معينة، والبعض الآخر يستضيف من الخارج الوجوه الفنية التي تحمل صفة الجمال الفني، ليتوّج لبنان بثقافات فنية مختلفة ذات قيمة تتخطى كل الشعارات التقليدية. لنلمس بجدّية مستويات يحق لها أن يستضيفها لبنان بكل جدارة في كل عام. الا ان هذا العام أطلت علينا «هوغت غالان» وهي من أصل لبناني بأعمالها الاحترافية فنيا والمتميّزة بجماليات القلم والحبر، والألوان المختلفة مع الخطوط والزخرفة المصممة بدقة تتميّز بتداخلات تتصف بحياكة نسيجية لها أصولها التشكيلية المدهشة بكل تفاصيلها الفنية. أيضا استضاف غاليري أليس مغبغب «كاي لوكلرك» مع أعماله الفنية التي تتميّز ببساطة في الشكل مع هندسة عميقة فكريا تتوافق مع وحدة الخط رغم شفافيته وفواصله مع المحافظة على أسس علمية فسيولوجية انطلق منها «كاي لوكلرك» لتحقيق الفن التعبيري في المفهوم التجريدي الهندسي، ليخلق ابعاداً فنية أكثر عمقا ودلالية، فيصوغ أشغاله وفق أبجدياته المبتكرة، والفراغات المتكونة بين بعدين، ولونين، وشكلين، وهذا ما يثير التجدد في لوحات مساحاتها توحي بالبعد الحركي لأشكال سابحة في فضاءات لوكلرك الخاصة.
ان الرؤية الفنية تتميّز بالجمال وبمؤثرات حسيه تدفعنا نحو تأملات فكرية تثير المعرفة لنستكشف ببساطة غموض الأساليب الفنية، ونستمتع بوضوحها الفكري أو الشاعري. مما يعمّق هذه الرؤية لتبدو الحضارات مقروءة بريشة الفنانين الحاملة مفاهيمهم، وتأثيراتهم، وانطباعاتهم التي تتم ترجمتها باللون والخط، والمساحات القماشية أو الجدارية أو الفوتوغرافية. لتظهر أفكارهم كنص مقروء أو كقصيدة موزونة تحمل قيما جمالية أو تطرح موضوعا أساسيا، لينتقد بذلك سياسة ما كما في لوحة «جيراردو غوميز» التي تطرح موضوع الصراع السوري، وتأثيراته على المحيط العالمي بأسره، فما حملته لوحته من فنتازيات متعددة جعلتها تؤرّخ لنظرة فنية تسجل تاريخيا تواجداً فنيا تشكليا معاصراً حيث جمع فيها وجوها لأقطاب سياسية عالمية في ثورة انطبعت بصراعات أطراف سلطوية متعددة، تمثلت باللوحة من خلال الأشكال المتزاحمة والواعية فنيا لما يحدث في العالم كما حمل «منير الشعراني» لوحاته الحروفية المتميّزة بدقة الخط والاحتفاظ بأصوله وجماليته في لوحات جمعت جمالية المعنى والمبنى بالأسلوب الباحث عن زخرفة انحصرت بالنقطة والشدة والمد، وكأنه يتبع رؤية تعكس حركة (الطول والعرض) في صرامة شديدة يمارسها على القلم، لتشعر أن آداء القلم يتوافق مع حركة اليد والحرف وفقاً لسلطة العقل وأبعاده الجمالية، المشبعة بحركة كونية تظهر قوة الاتجاه أو جمال الطواف الدائري، فهو بذلك يحدد اتجاهات كل حرف يمتد أو يستدير أو ينبسط متقاربا أو مبتعد أًو رأسياً أو أفقياً أو مائلا، فتشعر بامتزاج الحروف بما يكفي لتلامس الخط اللامتناهي للنهايات والبدايات، مما يجعلك تقرأ ما هو مكتوب في اللوحة أكثر من مرة لا إراديا.
الفوتوغراف يزاحم
يتسع الوعي الفني على مر الزمن حيث نشهد تطوّرات في المجالات الفنية بشكل عام، ومنها الصورة الفوتوغرافية وقدرتها على منافسة الفن التشكيلي بألوانه وخاماته، فهي استطاعت تكوين مفاهيم جديدة مع التطوّرات التقنية التي طرأت على التكنولوجيا الرقمية، وخيوطها الضوئية المختلفة عن كلاسيكية زمن بدأ بتطورات تتشايه فيها النظرة الفنية ما بين الفوتوغرافي والتشكيلي. إلا ان ما حمله معرض «بسام لحود» هذا العام جعلني أدرك أن القيمة الهندسية للعمل الفني هي في فكرة تنطلق من عين تتخذ منها اللحظة وقفة فنية تجمع ما بين الخطوط والحركة والضوء والظل، ما يجعلك تقف متأملا عملا فوتوغرافيا لا يقل أهمية عن العمل الفني التشكيلي، لما يحمله من ثقافة بصرية ومخزونات هندسية وفكرية، وحتى ضوئية نلمسها في العمل الفني الجاذب للحواس برمّتها، ويثير فيك لحظة زمنية غادرتها حاضرا وعادت إليك حاضرة بغيابك، لتستمتع بتأمل تفاصيلها الجمالية وتستكشف فيها ما غاب عنك رؤيته. كما أن أعمال الفنان «ستيف سابيلا» حملت مفاهيما خاصة تميّزت بتصوير الذهن العربي والتصحر الفكري فوتوغرافيا من خلال أساليب تشكيلية ورؤى يصرية، يسعى من خلالها سابيلا اظهار تعقيدات شبكية، لصورة فوتوغرافية توضح مسعى احتلال ذهني حقيقي. تختفي فيه معالم يخاف تحديد هويتها. الا انه يترك للعدسة البحث بين الجزئيات الروحية والنفسية التي ما زالت متمسكة بالجذور المتشابكة ذات الأنماط الضوئية المختلفة، مما يجعل تباينها شبيها بالألياف البصرية أو الحزم الليفية الظاهرة، كغصون أشجار مصورة بعدسة ذات درجات ضوئية تلتقط الحركات في عتمة تنتج تقاطعات بصرية. فهل من حركة تسويقية فنية ترعى هذه الأعمال الجمالية فوتوغرافيا لتحفظها في معرض دائم، فتتبع بذلك مقاييس الجودة قبل مقاييس المبيع؟
ماذا عن التسويق؟
تنشط حركة الفن التشكيلي كل عام، ولكن هل تنشط معه حركة التسويق الفنية والجيدة لهذا الفن؟ سؤال طرحته على مديرة معرض «عايدة شرفان» وهو بين الجودة الفنية والحركة التسويقية في لبنان ماذا تقول السيدة عايدة شرفان؟ أو بالأحرى كيف هي المقاربة بين قيمة الفن التشكيلي ورواجه التجاري الحالي؟
تقول: «منذ مدة لا بأس بها تشهد مدينة بيروت افتتاح عدة صالات عرض فنية (غاليري) ونتساءل: من أجل أي جمهور ولبنان بلد صغير؟ نادراً ما تستمدّ تلك «الغاليريات» استمراريتها من الجمهور اللبناني، فعدد سكان لبنان يناهز الأربعة ملايين نسمة ونسبة المستهلكين للفن التشكيلي قليلة جداً إذ لا يكفي أن نكون من محبّي التحف الفنية بل أيضاً أن نتمكّن من اقتنائها.
في الوقت الحالي، يبدو لي أن عدد الفنانين التشكيليين يفوق عدد الذين يشترون التحف. السوق يفيض بأعمال فنية دون المستوى، وغالباً ما تكون من المقاس الكبير لتبرير السعر المدرج لها. فأنا أرفض تعليقات تشبه «لا بأس إن كانت بهذا السعر». يهتمّ اللبنانيّون حالياً بالفن التشكيلي أكثر بكثير من ذي قبل لاعتبارهم أنه استثمار جيّد وهذه قفزة حسنة إلى الأمام. القاعدة الذهبية هي في أن تسعى لاستشارة قبل المغامرة في شراء أي شيء. البيع في المزاد ليس مؤشراً على قيمة التحفة، فالمزاد مواجهة بين شخصين أو أكثر ومزاحمة على قطعة معروضة. هناك عامل الصدفة والإمكانيات التي تقلب كل المعطيات الأساسية.في الختام، يمكن القول بأن سوق الفن التشكيلي بخير وأما عن القيمة الفنية وحركة السوق فالمقاربة ضعيفة».
ويقول عن ذلك الأستاذ «زهير موسى» مدير معرض زمان: انه برغم الأوضاع السياسية التي طرأت على المنطقة بشكل عام وبرغم ان حركة السياحة الثقافية كانت خفيفة نوعا ما هذا العام الا ان الاقبال على المعارض كان ناشطا فنيا لأن كل فنان يمتلك خاصية به ويبحث عنها المتذوّق، وبرغم أن البعض كان يسأل عن اسم معين ليقتني من لوحاته، لكن هذا لم يمنع المتذوق من التعرّف على الأعمال التي عرضناها، والبعض اقتنى لوحات لكل فنان تقريبا عرض في غاليري، وهذا لم نشهده من قبل لكن بالنسبة للتسويق نعتمد على سياسة تسويقية معينة نستفيد منها ويستفيد منها أيضا الفنان والمقتني للوحاته».
وأيضا تقول عن ذلك السيدة عليا نويهض نهرا مديرة معرض »آرت سيكل»: «إن الحركة التسويقية للفن لا تقلّل من جودته الفنّية بل تضيف من قيمة الفن والفنان معاً. على أن يكون التسويق راقياً ومركّزاً في أماكن أو وسائل خاصة بالثقافة والفن. لا يجوز للفن أن يسوّق كسلعة تجاريّة لكن بهدف أن يكون بمرأى للناس، فلا بدّ أن يُعلن عنه». كما تقول مديرة معرض «آرت اون 56» السيدة «نهى محرم»: إختياري للأعمال الفنية يترتب بالمرتبة الأولى على الجودة. إن كل عمل فني يتميّز بعناصر وأسلوب يجذب النظر ويحرك المشاعر. هذا هو محور وأساس ما أبحث عنه في الفن مما يتيح لي أن أفتح له المجال في الوسط التسويقي، وكما يقال أيضاً إن الجمال هو في عين الناظر.
تنشط المعارض في كل عام بدرجات تتفاوت فيما بينها بين الجيد والمتوسط، الا انها استطاعت هذا العام حمل راية الفن السوري من حيث تواجده النوعي والموضوعي، كأعمال الفنان «بطرس المعري» في معرضه تحت عنوان غريب في مقهى النوفرة، وما تميّز به من فن حركي صامت يشبه فن «شارلي شابلن»، فاللغة البصرية في لوحاته خضعت لاختزال اللون، محاولا بذلك ابتكار فونيمات تعبيرية قوية، يمكن تصنيفها كفن مسرحي تشكيلي يجعلنا نقرأ الحوارات الداخلية بعين تبحث عن خلفية تترجم اللون كمصدر شبيه بإسدال الستارة، ليبدأ الحكواتي بالكلام، ويا سادة... يا كرام.. هذه مشاهد لها عبقها، وخيالها الحركي الكاريكاتوري، والتعبيري من ذكورية تعاني لتقديم وردة حمراء لامرأة، يحاول كسب ودّها، وفي الخلفية لوحات رومانسية واقعية انطباعية. تؤكد على الزمن الموجودة فيه اللوحة وخطوط، لاشكال ديالكتيكية تحاور وتجادل، وتثبت وجودها بقوة، وكأن وجودها أكبر من المكان، وأوسع من زمن له توليفاته وموتيفاته، وأحجامه وأشكاله التي تبرز جوانب عديدة لحي قديم في دمشق. وأيضا مع الفنان «حمود شنتوت» وما قدّمه في معرضه من معادلة ذهبية تعبيرية للكائن الحي، فهو فكرة، هو شجرة، زهرة، إنسان، غيمة، هو سمو رمزي نحو الذات حيث تنطلق الفرشاة من ذاتها لتعود الى ذاتها، وتتركنا نتفكر افلاطونيا، بلغة الحكمة البصرية التي يقدّمها، في فن تشكيلي إيمائي، تصويري له قدرة الفرد الواحد على التوحّد، بأبسط المستويات التعبيرية وأصعبها.
أجيال... وتنوّع المدارس
هذا لم يؤثر على الفن التشكيلي اللبناني ومتذوقيه، فبعض المعارض التي اكتظت بالفنانين السوريين بعد ثورة فرشت حتى الثلوج الا انها لم تصاب بالبرد بل ابتعدت عن النمطية، وحاولت تقديم ثقافات فنية مختلفة من نحت، وحروفية، وكولاج، وفن معاصر، وتشكيل من مدارس مختلفة. كما منحت الفنان السوري حرية التعبير بكل شفافية مع الاهتمام بالفنان اللبناني، وما يحمله من تراث جمالي وقيمة فنية تهدف الى ابراز الجمال، وإزاحة الغموض عن المعاني التشكيلية الابداعية دون النظر إلى الموارد المالية التي تدفعه للاستمرار لانه يتوجه نحو اللوحة برؤيته الفنية دون استكمال الأمور الأخرى. الا ان لهذه اللوحات صفة حضارية تمنح لبنان هوية جمالية نفتخر بها مثل أعمال الفنان «ميشال روحانا» وريشته التي تصارع كل تلوث بيئي، ليبقى الجمال في لبنان هو المبتدأ في كل لغة فنية تنطق بالدقة والرقة والرشاقة.والفنان «حسين ماضي» المتميّز باسلوبه الفني وتشابكات الخطوط الحادة في الأشكال التكعيبية او التفكيكية البنائية داخل لوحات «حسين ماضي»، ما هي الا تجريد هندسي يجعله يختزل من التعابير، ليضيفها الى اللون، وكأنه يرى الحقيقة الكونية تتجلى أمامه من خلال الرقم واحد الصحيح، والأرقام الأخرى. أو من خلال الأحرف الأبجدية وهندستها الجمالية الشبيهة بحركتها قوام الانسان، والنسبة الذهبية المرتبطة بشكله، وحجمه وكينونته البشرية، لينطلق مع الفكر نحو غياهب الخلق، وهذا ما يجعله يتمتع بمرونة فنية بسيطة جدا ومعقدة في آن.
تميّزت أيضا هذا العام أعمال الفنانة «ايتل عدنان» وجمالية ذات نكهة ايقاعية هندسية توحي بالقسوة وتزخر بالعاطفة والنظام التجريدي الهندسي، المتمحور حول الشكل الموسيقي للون، والكتلة الهندسية الرياضية التي تتميّز باعتمادها على موتيفات نموذجية. وما بين القبول والرفض تميّزت أعمال «انا كاربيرو» بموضوعية جعلتنا نحلق في فضاءاتها الابتكارية، بعد أن فرضت علينا متعة جمالية دفعتنا لمتابعة كل حركة وضوء وظل، فالاسقاطات الفيزيائية على الأشكال تضعك في أوزان فراغية تفقد فيها وزنك الجسدي الحقيقي، لتدخل في رحلة تخيّلية تمنحك من ذاكرة الطفولة ما تحتاجه لتقف أمام المفاهيم التحريضية الذهنية بتماسك وخفة وحركة وانضباط، فالمشاهد التي لا تخلو من سينوغرافية وظل ترسم من خلاله صورا ذهنية انيقة وجذابة، تحمل لذة للعين وجمالية للفكر. أيضا تميّز الفنان «جميل ملاعب» وأعمال فنية تميّزت بمفهوم سيميائي لمفاهيم حياتية اجتماعية وجمالية قدّمها من خلال عين تحاكي الواقع ومخيّلة تربط الأزمنة وفرشاة تحقق للفن فطرته وشموليته، ولون يسرد مفردة لها زبجديتها داخل لوحة فطرية المعايير، لكنها دقيقة تجريديا، فهو يقدّم تاريخ كل يوم وفق رؤية فنية فاعلة ترتكز آلياتها على إدراك المتلقي، واستيعابه الحكاية التراثية أو الشعبية أو حتى لهجة منمنمات تعكس جمال الطبيعة، وتراصف العلامات الرمزية المتوالدة ديناميكيا. أما «وليد رعد» فقد ساعد فنيا على تحريض البصر لاثارة الحواس، وتجريد كوامن النفس من مخاوفها وهواجسها الايحائية، منطلقا بها نحو مدى فضائي مرئي ولا مرئي، واضعا العقل بين الوهم والحقيقة، بحركة فنية لها انعكاساتها الضوئية ذات الدلالات المعنوية والحسية، لخلق تأثيرات ذهنية بصرية تعيد الماضي، وتجدد الحاضر وتخلق مستقبلا تكنيكيا لفن معاصر يربط الماضي بالحاضر، كما يربط الضوء بالحركة وفق نظرية ثنائية تبدأ من الكل إلى الجزء لنكتشف الحقيقة.
أما «جان ميشال سولف» في معرض «اليس مغبغب» فقد قدّم الميثولوجيا في فن نسبي ذي نمط أسطوري يغلب عليه أسلوب التعتيق، لتبدو سطوح اللوحة كقطعة أثرية لها رموزها التاريخية، فالمسحة اللونية الترابية الباهتة تعطي الأحساس بإشارات رمزية تعكس صوراً للحضارات القديمة أو لأساطير ممزوجة بلغة بصرية تجعلك تشعر أنها لغة الفراعنة الأولى. أيضا «وجيه نحلة» ومحاكاة اللون، أو التحاور معه برومانسية ممتلئة، وبعاطفة فرشاة هي أداة تعبير خلاقة تظهر ما بداخله من حرارة وبرودة، فتتناسخ مشاعره متآلفة منسجمة مع الحركة البارزة بين تناقض الألوان الباردة والحارة. كما استطاع هذا العام «هاغوب سولاحيان» توسيع مدى الرؤية في لوحته بوصفها اولمبية الدوائر، التي ترمز الى ألعاب متنوعة، منها الحركي ومنها الفني المرتبط بفاعلية التجانس، والمضامين التجريدية والأشكال التعبيرية، والنظم الهندسية الثابتة والمتحركة في لوحة تكشف عن جمال التناقض الحركي واللوني، لتحقق بعقلانية قوة العاطفة المنبعثة من اللون، وقوة التصميم المنبعث من مساحة ممتدة تربط الجزء بالكل، وتعنى بمسافات ضوئية لها اشراقاتها الفنية المنعكسة جماليا على الخطوطية المسيطرة على الفكرة المختزلة باللون والحركة، والضوء والانفعالات الحسية المنطقية الفاعلة في تحقيق جمالية خاصة.
أما «نزار ضاهر» فكعادته في كل عام تحمل ألوانه تمازجات نارية هادئة تدهشنا بتفاصيلها التكنيكية والتشكيلية الممتعة بتجريدها، وايحاءاتها الكونية المثيرة لدهشة فكرية تعصف بالحواس. كما ان ما قدمه الفنان «زوهراب» من أسلوب تجريدي انقلابي بالنسبة لأعماله السابقة في كل عام» فهو اعتمد هذا العام على التجريد والرمز والايحاء، ولا نستطيع نسيان الفنان «فؤاد جوهر» ومائياته التي تفيض حيوية وألوانا طبيعية تنبض بالحياة، فالطبيعة في أعماله تحمل نفحة تكوينية فنية ذات جمالية تثير دهشة الحواس. وأيضا الفنانة «جاكلين اوهانيان» والأنوثة الفنية الغارقة بالمعاني النابضة بالجمال، وبشاعرية تنساب مع المفاهيم الاكاديمية التي تجعل من لوحاتها سمفونيات يستمتع البصر بتأملاتها والتفكر بها.
أما جمعية الفنانين اللبنانين للرسم والنحت، فقدّمت هذا العام نشاطات فنية مختلفة، حملت من الجودة التشكيلية قيمة فنية ذات جمالية هدفت الى ابراز الجمال بعيدا عن الموارد المادية أو الربحية بالأصح، كمعرض التصوير الفوتوغرافي الذي أقيم في عمشبت، ومعرض في قصر الاونيسكو الذي ضم أعمالا لأهم الفنانين التشكليين. أما المراكز الفنية والثقافية فقد حملت معارضها أعمالا تميّزت بجمالية فنية ذات أساليب ومدارس مختلفة. الا ان الفن التشكيلي ما زال بحاجة الى مصداقية في فن التسويق تساعد الفنان على تقديم أهم الأعمال، حيث ان الاحساس بالاهتمام بالفنان يولد ابتكارات تساعد على تجدد الانتاج وحفظ لحقوق الفنان والمعارض التي تساعد الفنان على الانتشار بعيدا عن الأهداف الربحية فقط، وإنما بموازاة بين الجودة والتسويق والاحتفاظ بالقيم الفنية.
نشاطات نحتية
يرتبط فن النحت بالجماد أو بالأحرى بالمادة اللاعضوية التي تتأثر بلمسة تكوينية، تحمل فكرة فنية تصاحبها المقاييس الاكاديمية التي يخرج عن حدودها أحيانا. ليتبع جماليات حسية تتكوّن من عدة خطوط وفراغات، لاظهار حيوية الملامح النحتية الخاصة بأسلوب كل نحات يتميّز بقدرات فنية، كما تميّزت أعمال الفنان «رودولف شمعون» ومنحوتاته المتميّزة بخبرة هندسية، ووحدة تكرارية لها محاكاتها في تحديد شكل المثلث فراغيا، وداخل الكتلة من خلال التجويف والإسقاطات المشهدية المزدوجة. كما تميّزت هذا العام أعمال الفنان «نعيم ضومط» وأسلوب التماثل في تكوين الأشكال الهندسية، وتشابه حركي إيقاعي يداعب البصر تجريديا وتعبيريا، فنشعر كأن المنحوتة هي مسلة تائهة من الشرق أو نصب تذكاري مصغر، لعلاقة حقيقية بناها بتواصل تلقائي بينه وبين المادة، ليحاكي بتقنية يستخدمها كل خط غائر أو نافر، وخاصة تلك المنحوتة الايقاعية هارمونيا، وكأنه عازف ماهر على آلة القانون. أما ما بين الجودة الفنية للنحت والحركة التسوبقية للنحت تقول الفنانة «ثمينا سعد»: «حالة خاصة نعيشها على المستوى الفني، بالأخص الفن النحتي في لبنان، فهي تطرح إشكالية مدى تأثير غياب المعايير الفنية والدراسة الاكاديمية. الا الجودة الفنية والتعاطي مع الفن. كأنه سلعة تسويقية يروّج لها عبر أعمال لأشخاص يلتبس عندهم مفهوم الفن والحرفة بغياب الموهبة والتخصص الاكاديمي والابداعي. مما ينعكس سلبا على نظرة المجتمع للفنون بشكل عام، وعلى المستوى الثقافي والفني بشكل خاص كون هذه الحالة تؤدي الى انحدار المستوى والتسويق للفن». اما عن سمبوزيوم عمشيت المتميّز بقوة هذا العام تقول ايضا «ثمينا سعد» وهي من أحد الفنانين المشاركين في السمبوزيوم: «الهدف الأساسي من السمبوزيوم هو الانفتاح على حضارات مختلفة. كما تهدف الى توطيد العلاقة بين المجتمع المدني، والمجتمع الفني من خلال الأعمال الفنية الراقية والمعبّرة التي تنبع من ابداع شخصي لفنانين اكاديمين عالميين وتوطد العلاقة الثقافية والفنية بين أعمالهم وحضارة البلد الذي يتم فيه النشاط، وتقرّب مفهوم الفن الأصيل، وهذا ما حققه سمبوزيوم عمشيت للنحت بالإضافة الى الهدف التزييني للشارع والحي».
تم افتتاح معارض تشكيلية جديدة هذا العام باعتبارها المكان الجوهري الذي يهدف الى عرض جماليات فنية من منحوتات ولوحات وأعمال ابداعية يتم عرضها وفقا لأوقات محددة باعتبارها انتاجا فنيا يحمله المبدع كمولود له، فيتنوّع الحضور ما بين متذوّق فني يبحث عن الجمال داخل المعاني الفنية، وما بين مقتني للعمل الابداعي، وبين متفرج يبحث عن المتعة اللونية داخل لوحة فنية. إلا ان هذه المعارض لا بد لها من نسبة معينة من انتاجات الفنان الابداعية، لتستطيع تغطية تكاليف كل عرض ماديا، فهل هذا مرتبط بالجودة؟ أم بالحركة التسويقية الفنية؟ لكن هناك بالمقابل المراكز الفنية المتعددة والجمعيات التي تتبع في نهجها سياسة معينة أحيانا ربحية، وأحيانا سياسية، وأحيانا هي للفن من أجل الفن فقط، وهذا يترك للفنان الأمل حيث يتم استقبال أعماله بدون النظر الى تكاليف العرض. مما يساعد الفنان على الاستمرار في عروضات أعمال فنية زيتية أو اكريليك أو تقنيات مختلفة منها الكولاج والنحت الذي يمنح المتذوّق بُعدا فكريا. لكن تبقى بعض غير موجهة للبيع، وتحتاج لفن تسويقي يحفظ لها جودتها، ويحدد قيمتها الفنية بعد أرشفتها، فهل هناك من يهتم بفن التسويق التشكيلي؟ أو بمتحف فني يؤرشف لأهم الأعمال وليتم عرضها بمعرض دائم على مدار السنة؟...
ضحى عبد الرؤوف المل
dohamol@hotmail.