الشاعر العراقي يحيى السماوي لمجلة الهدى

"لهذا السبب أترقّب بشارة الهدهد بالغد العراقي المرتجى كي أطوي خيمة غربتي لأنصبها في السماوة"

"أو في كربلاء قريباً من قبر أمي التي أشقيتها بغربتي"

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

تنساب الكلمات في قصائد الشاعر العراقي يحيى السماوي بعذوبة قطرات الماء وحبات مسبحة صوفية تلامس حباتها الحس الوجداني العميق في قلب يؤمن أنه في البدء كانت الكلمة. فالبلاغة في الأصوات الإيقاعية للقصيدة التي يسبكها بجدارة لغوية هي جزء من حبات القصيدة الشبيهة بلؤلؤ امتلك ملكة صقلها بقريحة حادة التذوق والجمال من حيث قوة الشكل والمعنى الذاتي والموضوعي للكلمة التي تتحرر من بوتقتها اللغوية، بحس شاعري تغنى بكلمة عربية انبهر بها وتركها تصدح كما يشاء وجدانه الغني بالأدب المصقول حلاوة وعذوبة. فكان هذا اللقاء مع شاعر عشق العراق وكتب له ويتمنى التدثر بترابه.

- حبات مسبحة تشبه العمر ومسيرة ما زالت مستمرة، أين يقف "يحيى السماوي" في لحظة يرى فيها الماضي؟

ج: ما زلت أقف في "اللامكان" مادام أن العراق يعيش في "اللازمن" منذ أن حفر فيه المحتل الأمريكي مستنقع المحاصصة الذي أفرز جراثيم العنت الطائفي والنواطير اللصوص والحوانيت السياسية التي تبيعنا الوعود الماسّية المفقودة من جنائن الأرض بينما الفقراء يعيشون الجحيم الأرضي.

- متى يستفزك إيقاع قصيدة ما تسمعها وتصفق لها بقصيدة من اللاوعي تفرض نفسها تلقائياً؟

ج: تستفزني القصيدة حين تحرّك بحجرها الماء الراكد في بحيرة الأسئلة بحثاً عن جواب معقول لواقع غير معقول لم نعد نميّز فيه بين الصبح والليل، وليس بين الخيط الأسود والأبيض... تستفزني وتحرّضني على الإفاقة من اللاوعي فأعيد تلقائياً صرخة نيوتن "وجدتها".

- ماذا خسر الشعر العربي بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص؟

ج: إذا كان سؤالك يتعلق بخسارة الريادة الشعرية، فالجواب ليس الشعر العربي وحده الذي خسر موقعه الريادي في الفن الإنساني المكتوب بعد رحيل عمالقته وعدم ولادة سلف إبداعي عملاق... فالفراغ الذي تركه شكسبير بقي قائماً حتى الآن ـ بمعنى أن السنين لم تنجب للشعر الإنجليزي شاعراً بمستوى شكسبير، والشعر الفرنسي لم ينجب شاعراً بمستوى لامارتين، والشعر الروسي لم يعرف بعد شاعراً بعظمة ألكسندر بوشكين، ولم يعرف الشعر الهندي شاعراً كطاغور... الأمر نفسه بالنسبة للشعر العربي، فقد مرّت القرون دون أن يأتي الشاعر الذي يفوق المتنبي. أما إذا كان سؤالك يتعلق بالراهن الشعري وبموقع كرسي الشعر في مسرح الأدب العربي، فإن الصدارة ربما ستعود للشعر بسبب غياب عمالقة الرواية العرب كـ نجيب محفوظ، والطيب صالح، ويوسف السباعي، وعبد الرحمن منيف، وحنا مينه، ومثلائهم ـ ومع ذلك فالروائيون العرب الأحياء وصلوا العالمية قبل الشعراء العرب، ومن هؤلاء الروائيين الروائي اللبناني إلياس خوري صاحب رواية "باب الشمس"، والروائي المصري إبراهيم عبد المجيد صاحب رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، والروائي السوري خالد خليفة صاحب رواية "مديح الكراهية"، وثمة ما يشير إلى أن الروائي العراقي أحمد سعداوي سيدخل بروايته "فرانكشتاين في بغداد" مصاف العالمية بعد فوزها بجائزة البوكر بنسختها العربية.

وأياً كان الذي يتصدر المشهد، شعر أم رواية، فاعتقادي أنهما يشغلان مقعداً واحداً في ضوء استفادة كل منهما من الآخر، فالشاعر بدأ يوظف السرد في شعره، والروائي بدأ يوظف لغة الشعر في سرده... ثمة رأي يقول إن الشعر هو ديوان العرب ـ على صعيد تسجيل الأحداث وتأريخها ـ وثمة رأي آخر أن الرواية هي ديوان العرب ـ وباعتقادي أنه لا الشعر ولا الرواية معنيّان بهذا الأمر، فالمعنيّ به هو علم التاريخ.

- تصاحب اللغة بعفوية الصور البيانية المختزنة في ذاكرة الطفولة، هل تعتمد على تآلف السمع أيضاً ما بين الإيقاع في المعنى والمبنى؟

ج: حياة الإنسان شجرة... جذورها الماضي، جذعها الحاضر، وقطوفها المستقبل... وفق هذا اليقين أطلّ من أعلى جذع حاضري على أمسي لأرسم من خلالهما طريق غدي... بمعنى أن للطفولة بشكل خاص وللماضي بشكل عام حضوراً كبيراً في ذاكرتي، أراهما بالنظر في فضاء الأخيلة حيناً، وبسمع صدى الأمس البعيد حيناً آخر، ومن خلال سمعي وبصري أحدّق بالواقع كما أتمنى أن يكون وليس بما هو كائن عليه.

- كيف ترسم هرمية القصيدة؟ من أين تبدأ؟ وكيف تنهي الإحساس بها؟ وهل تزداد قيمتها كلما لامستها بصوتك؟

ج: القصيدة كالحلم الذي يدخل أحداقنا المغمضة متسللاً من تحت الأجفان دون موعد مسبق، لذا فأنا لا أخطط لها مسبقاً... في الغالب تبدأ ومضة، أو بيتاً واحداً، وربما بيتين أو ثلاثة... وخلال كتابتي لها وقراءتي تتوالد براعم تنمو فتصير غصوناً، وتستمر على هذه الحال... أقلّبها على نار هادئة منقاداً إليها كما ينقاد الأعمى إلى عصاه، تماماً كالسائر في نومه، فحصان الشعر هو الذي يقود الفارس وليس الفارس من يقوده. نعم تزداد قيمتها حين تغويني بالترنّم شداً أو نحيباً، وأشعر بفرح غامر حين ينضج رغيفها... فرح جميل كما لو أنني أزلتُ عن ظهري صخرة سيزيف.

- ما بين العراق وأستراليا والغربة، هل تفتح لك الأماكن نوافذ للذاكرة؟

ج: ستبقى أستراليا أهم النوافذ الضوئية القليلة في ليل عمري، فهي وفّرت لي ما لم يوفره لي ولعائلتي وطني الأم على صعيد العيش الكريم والأمن والاستقرار والتعليم الرفيع والعالي لبناتي وابني... ومع أن أستراليا بمثابة فردوس أرضي، إلا أن ناقة روحي لا تحسن الرعي إلا في صحراء السماوة، لذا بقيت مشدوداً إلى العراق بأكثر من حبل مشيمة. لهذا السبب أترقّب بشارة الهدهد بالغد العراقي المرتجى كي أطوي خيمة غربتي لأنصبها في السماوة بعيداً قليلاً عن بستاني الذي استودعته عند صديق توهّمته ملاكاً فخان الأمانة كاشفاً عن كونه شيطاناً، أو في كربلاء قريباً من قبر أمي التي أشقيتها بغربتي.

- للصوت دلالة تشبه دلالة الكلمة، متى يفتن الصوت سمع الشاعر يحيى السماوي؟

ج: أنا مفرط الاهتمام بالصوت لدرجة أنني حين أكتب القصيدة أراعي صوت الكلمة ومجانسة حروفها لبعضها بغية المواءمة بين مخارج الحروف كمحاولة عدم تتابع حروف أقصى الحلق مع حروف الشفتين أو الخيشوم، ومن حسن الحظ أن المفردة في اللغة لها كثير من المفردات.

- حنين دائم في قصائدك تتوحد فيه الأجواء النفسية التي تحيط بالمعنى وبما هو خارج فضاءات الكلمة، لماذا؟

ج: لأن الخروج من المعنى القاموسي للمفردة إلى فضاء معنى جديد يُولد من علاقة المفردة ببقية مفردات الجملة الشعرية يُفضي إلى انزياح لغوي جميل يُضفي على عشب الصورة الشعرية المزيد من الخضرة والندى. فالهلال في المعنى القاموسي يعني الدفعة من المطر كما يعني غرّة القمر... لكنه يمكن أن يأتي بمعنى حاجب عين الحبيبة الذي يشعّ ضوءاً أبيض رغم أنه شديد السواد، أو بمعنى القوس الذي رماني بسهم غمزة جميلة.

- تعقيدات الحياة تشبه تعقيدات القصائد ذات الإيقاعات الداخلية التي تتركها خارج حدود الذات؟ هل تنفي القصيدة من ذاتك فتستريح؟

ج: لا أقول ما قاله الفرزدق "قد يأتي علي الحين وقلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر"، لكنني أقول: إنني حين أنتهي من كتابة القصيدة أو أنفيها خارج ذاتي أشعر بأنني عدت أتنفس هواء طرياً بعد أن كنت خلال كتابتها أتنفس دخاناً أو أحمل على ظهري صخرة سيزيف.

- لغة عربية حملت دررها، وشعر معاصر وحديث، ماذا بعد؟

ج: كل الاحتمالات واردة، فالشعر كائن حيّ يخضع لمتغيرات الحياة المتسارعة ومتطلباتها، وهي ذات المتغيرات التي أدّت إلى الابتعاد عن الملحمة والاكتفاء بالومضة.

- صـوتـُـكِ مطر... ومـسـمـعـي صـحراء، هل تظن أن هذه الكلمات تختزل قصيدة بكاملها؟

ج: أحياناً يكون القليل أكثر قيمة من الكثير... فاللؤلؤة الواحدة أكثر قيمة من تلّ حجارة.

- هارمونية وانسجام مع الإيمان المطلق بالمفردة الشعرية، ألا تظن أن الشاعر فنان مطلق يروي حكاية ويرسم لوحة؟

ج: أنت شاعرة مبدعة وتعرفين ذلك أكثر مني... الشاعر ـ بشكل أو آخر ـ رسام تشكيلي يرسم بالمفردة ونحّات إزميله المداد ورخامه الورقة.

- مفردات شعرية فاتنة وعالم حر ومقيد وامرأة تعشش في خيالاتك، ماذا تقول لها؟

ج: أقول لها:

كوني المشنقة التي ترفعني إلى السماء، أو القيد الذي يشدّني إلى الأرض،

فأن أكون محراثاً لتنّورك، أو عصاً لضرير،

خيرٌ لي من أن أكون صولجاناً بيد الإمبراطور.

- هل ستدير ظهرك للقصيدة يوماً ما؟ وهل ستقول لها لست معنيّاً بتفسير الصدى... والتباريح التي شَدَّتْ فمَ الوردِ؟

ج: الشعر هو المرض الوحيد الذي أسأل الله تعالى عدم الشفاء منه، لذا سأدير ظهري للقصيدة حين تدير لي الحياة ظهرها فأغفو إغفاتي الأخيرة متدثراً بلحاف سميك من تراب العراق.

Doha El Mol