الأفكار هي التي تقود المجتمعات إلى الأمام وحين أهملنا الأفكار تراجعنا

حوار خاص لجريدة اللواء مع سفير لبنان في مصر الدكتور خالد زيادة

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

حين تحتضن طرابلس ابنها البار، تفوح مصر بأريج زهر الليمون. فما بين السياسة والأدب، جوهر الفكر يتبلور في معرفة وسلوك هو الدكتور "خالد زيادة"؛ أستاذ جامعي وباحث له العديد من المؤلفات في التاريخ الاجتماعي والثقافي، مثل "الكاتب والسلطان"، و"حرفة الفقهاء والمثقفين"، و"الخسيس والنفيس"، و"الرقابة في المدينة الإسلامية". كرس بعض مؤلفاته لدراسة العلاقات الإسلامية الأوروبية، مثل "تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا" و"لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب". إلى ذلك، كتب ثلاثة أعمال أدبية جمعها في كتاب بعنوان "مدينة على المتوسط"، وهي تحكي سيرة مدينة طرابلس. كما نشر رواية بعنوان "حكاية فيصل"، وهي عن الثورة العربية في مصطلح القرن العشرين. وقد ترك خالد زيادة التدريس الجامعي ليمارس منذ سبع سنوات مهمة دبلوماسية كسفير للبنان في القاهرة، إلا أنه لم يتوقف عن البحث ونشر الدراسات والمؤلفات. نلتقي خالد زيادة، الكاتب والدبلوماسي، في حوار حول الفكر والتاريخ والشجون العامة والشخصية.

نبدأ بالسؤال عن مهمتك الدبلوماسية. هل وجدت صعوبات في بداية ممارستك لها، وكيف تنظر إلى تجربتك الدبلوماسية كباحث وجامعي؟

لا يمكن إنكار بعض الصعوبات الطفيفة، خصوصاً ما تعلق بالعمل الإداري، إلا أنني سبق ومارست العمل الإداري حين عينت مديراً لكلية الآداب في الجامعة اللبنانية. والحقيقة أن ما سهل أموري هو أنني عينت في مصر، وهي بلد أعرفه شخصياً كما يعرفه كل عربي، وأعرفه كباحث ودارس لبعض جوانب تاريخه؛ فقد سبق ونشرت كتاباً هو "قراءة في تاريخ الجبرتي".

والحقيقة أن مهمة السفير فيها جوانب متنوعة. بالإضافة إلى تمثيله بلاده لدى البلد المعتمد فيه، هو في نفس الوقت راعٍ للجالية اللبنانية، وهو الصلة مع سفارات البلدان الأخرى. علماً بأنني مندوب لبنان لدى جامعة الدول العربية، وهي مهمة قائمة بذاتها. وأود أن أذكر أمرين في هذا السياق؛ الأول: هو أن الدبلوماسية هي جزء من العلوم السياسية التي درسناها في سنواتنا الجامعية، أي أن هناك جانباً أكاديمياً وعلمياً في العمل الدبلوماسي. الثاني: أن تجربتي الدبلوماسية في مصر وفي الجامعة العربية قد أغنت الجانب البحثي في تكويني العلمي.

هناك دائماً تساؤلات حول الدور الذي تقوم به جامعة الدول العربية، وخصوصاً في الظروف الراهنة!

جامعة الدول العربية منظمة إقليمية تجمع الدول الناطقة باللغة العربية. تأسست عام 1945، ومنذ ذلك الوقت هي المنظمة الوحيدة التي تجمع الدول العربية في رابطة ذات طابع سياسي واقتصادي واجتماعي. ومن هنا أهميتها باعتبارها المنظمة الوحيدة التي تجمع العرب اليوم، ومنذ سبعين سنة مضت. وبالرغم من العواصف التي واجهتها، بما في ذلك انتقال مقرها إلى تونس بعد اتفاقية "كامب ديفيد"، إلا أنها حافظت على كيانها، ولا يمكن أن نقلل من شأن هذه الأمور.

ومع ذلك، فإن هناك نقاشاً حول ضرورة تطوير عمل الجامعة. فهي منظمة تنتمي إلى جيل سابق، وقد تطور عمل المنظمات ذات الطابع الإقليمي أو القاري أو الدولي، وخصوصاً لجهة آليات العمل والأنظمة الداخلية، وهذا ما تعكف عليه الجامعة حالياً. فقد اختار الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور "نبيل العربي" مجموعة من الخبراء ضمت وزراء وسفراء وباحثين من عدد من البلدان العربية لإعداد تقرير يتناول الحاجة إلى تطوير عمل الجامعة، وشكلت أربع مجموعات من مندوبي الدول العربية للعمل على تطوير الجوانب القانونية والاجتماعية والاقتصادية. وقد أنجزت اللجان جزءاً هاماً من عملها الذي سيعرض في النهاية على القمة العربية لإقراره.

ولابد من القول بأن الأحداث التي تواجهها البلدان العربية منذ سنوات تواكبها الجامعة، إلا أن هذه الأحداث تتجاوز مقدراتها على حل النزاعات. وينبغي أن نأخذ بالاعتبار أن الجامعة تضم دولاً، وأي قرار يتخذ ينبغي أن يتخذ بنوع من التوافق بينها.

- أصدرت السنة الماضية كتاباً بعنوان "لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب"، أي أنك لم تتوقف عن البحث والتأليف خلال عملك الدبلوماسي؟

لقد استغرق العمل في هذا الكتاب فترة طويلة نسبياً بسبب مشاغلي كسفير، وبسبب التطورات التي عصفت بالعالم العربي خلال ما يزيد على عقد من الزمن قبل صدوره. والكتاب ينتمي من جهة إلى أعمال سابقة كنت نشرتها وتبحث في علاقة العالم العربي الإسلامي بأوروبا والغرب، وهي "المسلمون والحداثة الأوروبية" و"تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا". وفي كتابي الأخير استعرضت التيارات الفكرية والإيديولوجية التي عرفها العرب منذ بداية القرن التاسع عشر، والتي هي نتيجة تأثير الأفكار والتيارات التي ظهرت في أوروبا من ليبرالية تنويرية واشتراكية وقومية. واستخلصت بأن أوروبا لم تعد مصدراً للأفكار الكبرى كما كانت في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وهذه سمة عالمية اليوم؛ أي أن الأفكار الكبرى والإيديولوجيات لم تعد تسير الجماعات والدول، إلا أن مجتمعنا العربي بحاجة إلى أفكار رائدة توجه إدارتنا للحاضر والمستقبل. وذكرت بأن مرجعنا من ذلك ينبغي أن يكون ما أنتجناه في فترة النهضة والإصلاح مع رواد من أمثال الطهطاوي ومحمد عبده، وما أقصده هو تطوير الأفكار التي أنتجها هؤلاء الرواد حتى تتلاءم مع حاضرنا ومستقبلنا.

- ميزت في كتابك بين النهضة والإصلاح، وتطرقت إلى الأحداث (الثورات) التي شهدها العالم العربي منذ عام 2011. هل يمكن أن تشرح لنا ذلك؟

خلال فترة النهضة، منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى سبعيناته، عبّر الرواد أمثال "رفاعة الطهطاوي" و"خير الدين التونسي" و"بطرس البستاني" عن أفكار متشابهة مفادها أننا بحاجة إلى الأخذ بما أحرزته أوروبا من تقدم في العلوم والتقنيات والأفكار. وكانت فكرة الحرية قد أصبحت من ثوابت التفكير عند هؤلاء الرواد. وكان لدى هؤلاء الرواد اعتقاد بأن الأخذ عن أوروبا لا يتناقض مع الإيمان والإسلام.

في نهاية القرن التاسع، حدثت تطورات هامة، وكان أبرزها بروز الأطماع الاستعمارية التي حتمت طرح إشكالية جديدة. فلم يعد السؤال كيف نأخذ عن أوروبا، وإنما كيف نجابه خطر أوروبا على البلاد والعباد والعقيدة. وهكذا أنشأت الإصلاحية الإسلامية عند كل من الإمام "الأفغاني" الذي حذر من خطر أوروبا، وخصوصاً بريطانيا على بلاد الإسلام، أما "محمد عبده" فقد اجتهد في سبيل إصلاح التفكير في الإسلام، من هنا يمكن اعتباره رائد الإصلاحية. لكن الإصلاحية لم تكن نقيضاً للنهضة، ولكن من الضروري أن نميز بين التيارين الكبيرين اللذين عرفهما العرب في بداية العصر الحديث، وفي بداية تحديث العالم العربي في ميادين الاقتصاد والإدارة والتعليم والأفكار.

لقد جاءت الأحداث والتطورات والثورات منذ عام 2011، والتي أطلق عليها اسم "الربيع العربي" لتبين أن إخفاق هذه الثورات أو تعثرها إنما يعود في جانب منه إلى الاقتصار على الأفكار الكبرى التي يمكنها أن تشكل النظام الرئيسي لبرامج التغيير السياسي. وقد شغل الإسلام السياسي هذا الفراغ الفكري، الأمر الذي يؤكد ضرورة أن ينتج العرب أفكاراً متناسبة مع العصر الذي نعيش فيه والمستقبل الذي نتطلع إليه.

- لقد كتبت رواية تاريخية حول الثورة العربية الكبرى. ما المشترك والمختلف بينها وبين الثورات الراهنة؟

الثورة العربية الكبرى العائدة لعام 1916 كانت حدثاً هاماً في ظروفها، وليس بنتائجها، بالرغم من أنها تمخضت عن انبثاق دول ارتسمت معالمها في اتفاقية سايكس بيكو. وأهمية هذه الثورة أنها قامت ضد الدولة العثمانية متجاوزة بذلك الرابطة الدينية إلى الرابطة القومية، وإقامة دولة على أسس دستورية. صحيح أن المملكة العربية لم تقم ولم تتحقق، ولكن الذي حدث هو انبثاق كيانات دستورية ودول تقوم على الرابطة القومية، وإقامة دولة على أسس دستورية ودول تقوم على الرابطة الوطنية وليس الرابطة الدينية أو المذهبية.

اليوم، وبعد مضي قرن من الزمن، نجد من جهة عودة إلى الأفكار التي كانت مطروحة مع الثورة، وخصوصاً لجهة إعادة كتابة الدساتير وصياغة أنظمة تحتكم إلى الدستور. وكأننا عشنا مئة عام دون أن نتمكن من إقامة دول تستند إلى أسس دستورية وديمقراطية، وعجزنا عن إقامة دولة الوحدة. ونجد أن ما يحدث الآن يعيد النظر بالحدود التي قامت بين الدول، وخصوصاً في المشرق العربي.

- أود أن أسالك عن كتابك "يوم الجمعة، يوم الأحد"، والذي هو جزء من ثلاثية نشرتها في القاهرة تحت عنوان "مدينة على المتوسط". استعدت فيها ماضي المدينة القريب، واستخدمت تعبير "التحديث العثماني". ما المقصود بهذا التعبير وما أهميته في سياق البحث عن حاضر المدن وماضيها؟

حقيقة الأمر أن "المدن والحواضر"، وبعيداً عن الأطروحات الأيديولوجية والدينية، هي حصيلة لمراحل محدودة من التاريخ. فطرابلس على سبيل المثال ذات تكوين فينيقي قديم لم يبق منه سوى معالم متفرقة، ولكن المرحلة المملوكية طبعت معالمها وأسواقها. والمرحلة الأخرى التي طبعت مدن المشرق هي مرحلة التحديث العثماني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وأخص بالذكر فترة ولاية "مدحت باشا" في بغداد ثم في دمشق، حيث ظهرت أول جريدة وأول مطبعة وأول مؤسسات حديثة. وفي فترة التحديث العثماني ظهر الوسط الحديث في كل مدينة، وضم المصارف والمقاهي والمسرح والمتاجر، إلخ. وبهذا المعنى، فإن ما يعرف باسم "عصر التنظيمات العثماني" قد شهد انطلاق التحديث الذي يتواصل في المرحلة اللاحقة.

- لديك العديد من المؤلفات في الفكر والتاريخ والأدب عرفها القراء في العالم العربي. ما الكلمة التي تود أن توجهها إلى القارئ العربي؟

أشكر القراء الذين قرأوا مؤلفاتي ووجدوا فيها فائدة أو متعة. وما يمكن قوله هو أن هناك جهوداً كبيرة لم تبذل في مجالات البحث التاريخي أو في مجال النظر الفكري. والشيء الذي أود أن أشدد عليه هو أن عالمنا العربي قد تأخر كثيراً في مجال المعرفة، وبرامجنا التعليمية تدهورت. ولابد من إعادة نظر شاملة بمناهج التعليم من أجل تحديثها بحيث تواكب العصر. وكلمة أخيرة أود أن أبديها في هذا السياق، وهي أننا شددنا كثيراً في العقود الأخيرة على دراسة الهندسة وإدارة الأعمال والحاسوب، وأهملنا دراسة الأدب والتاريخ والفلسفة، خصوصاً. وما أريد أن أقوله هو أننا لا نستطيع أن نتقدم بدون معرفة تراثنا وتاريخنا. والأهم من ذلك، أن الأفكار هي التي تقود المجتمعات إلى الأمام، وحين أهملنا الأفكار تراجعنا.

Doha El Mol