أرى الخط البياني الآن للحالة الأدبية العربية عامة هو خط انحداري"

حوار مع القاص والروائي والصحفي "إلياس العطروني"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

اتقن فن القصة منذ الصغر، فالقصة هي بداية مشواره الطويل الذي تخلله الفن الروائي المتميز بالواقعية المضافة إليها نكهة الروح اللبنانية في فن الكتابة. إرثه الروائي هو "عروس الخضر" و"الناب" و"السبايا"، بالإضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان "امرأة وأشياء أخرى". هذا العام، مجموعته القصصية "غريتا" وجدت مكانها بين القراء بنفحتها الجمالية الخاصة بالكاتب القصصي والروائي والصحافي "إلياس العطروني".

- ما بين الفكاهة والسخرية، تجمع بين المواضيع الساخنة التي تؤلم وتترك أثرًا. لماذا؟

هذا صحيح، لأن الحياة أساسًا تجمع بين البارد والساخن، وبين الساخر والجاد. فالكتابة يجب أن تكون مرآة نابعة من المجتمع، فيجب أن تكون كذلك. ولكن أحيانًا تكون السخرية شبيهة بالبكاء عندما تكون الكوميديا سوداء. ومجتمعنا اليوم أعتقد أنه بحاجة إلى تعبير أدبي وافي، وهو الكوميديا السوداء. لأننا نعيش حالة ليست رمادية بل تميل إلى السواد بشكل كبير. ومهمة الكاتب أن يكون ناطقًا بلسان أمته أو عشيرته. فإذا كانت هذه شهادتك بأنك تجد ذلك في كتاباتي، فأنا أشكرك لأنني أعتبر ذلك نوعًا من المدح.

- تخاطب القارئ بحنكة من خلال العمود اليومي في الجريدة. ما أهم المواضيع التي تطرحها، ومن تخاطب روائيًا؟

أخاطب الجميع، من يعنيه الأمر ومن لا يعنيه. العمود اليومي في الجريدة أحيانًا يكون مهمة شاقة. أحيانًا تحتارين في أي موضوع تريدين الكتابة، لكثافتها. وأحيانًا يكون هناك نضوب في المواضيع، بحيث تبحثين عن موضوع للكتابة عنه، وهذه الحالة قد تسبب أحيانًا أزمة. العمود اليومي هو عمل شاق وليس سهلًا كما يتخيله البعض. من أخاطب؟ أخاطب القارئ بغض النظر. أنا لا أكتب بمستويات معينة لشريحة معينة، أنا أكتب لكل الناس. هناك من يجد في هذه الكتابة فائدة، وهناك من يجدها بلا طعم. لكني أكتب. طبعًا تهمني بالدرجة الأولى الشريحة المثقفة، لأن الشريحة المثقفة برأيي هي الشريحة الفاعلة في المجتمع، عكس ما يقال بأن الشريحة الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الأمنية هي الأهم. فأنا أظن أن الشريحة المثقفة هي الشريحة الحقيقية في المجتمع، وهي القادرة على التغيير، وإن لم يكن اليوم، ففي يوم من الأيام، هي التي ترسم خط سير المجتمع باتجاه المستقبل. لذلك أعتقد أن معظم كتاباتي موجهة إلى هذه الشريحة.

- كيف بدأ الروائي والقاص إلياس العطروني الكتابة، وما هي القصة الأولى في حياته الأدبية؟

بدأت الكتابة صغيرًا وبدأت حقيقة كتابة قصص الأطفال لمجلة اسمها "دنيا الأحداث" لصاحبها البير الريحاني، أخو اليمين الريحاني. فالفضل في ذلك يعود إلى عمتي. هي التي ربتني بوجود أمي طبعًا. عمتي كانت عانسًا وموجودة في المنزل، ومثقفة جدًا، وتبنتني في منزل أبي وأمي. كانت ذات ثقافة كبيرة ومضطلعة بشكل وافي. فكانت تحكي لي الحكاية القديمة، وأعتقد أن هذا ما أسس لدي الحس الروائي أو الحس القصصي. البنية الأولى لي كانت هي اللبنة الأولى. كنت في السادسة عشرة من عمري عندما نشرت لي أول قصة قصيرة في مجلة اسمها "نصف الليل" في أوائل الستينات. ثم بدأت في كتابة القصص التي كانت تحكيها عمتي لي. حملتها في أحد الأيام وذهبت إلى دار الريحاني حيث تصدر مجلة "دنيا الأحداث". قلت له إنني أكتب قصص الأطفال. فاستغرب الرجل من الشاب اليانع الذي أمامه، فقال لي: "اعطني نموذج"، قرأه وقال لي: "أنا موافق، وأعطيك ثمن القصة خمس ليرات، لكن بشرط دون توقيع لتكون قصة العدد". فوافقت لأن الخمس ليرات كانت ثروة، وكانت هذه بدايتي مع الكتابة الاحترافية، إذا صح التعبير. انتقلت بعدها إلى مجلة تصدر في العذرية اسمها "أسبوع بيروت"، صاحبها شاب فلسطيني اسمه غابي راجي. لمحاسن الصدف ولقدري الجميل، أن غابي راجي كان له صداقة مع غسان كنفاني في تلك الفترة. فكنا نلتقي في مكان اسمه "لاسوس" تحت العذرية، وفي مرة كنت أنتظرهما وأكتب شيئًا ما، وبقيت الورقة على الطاولة. فالتقط غسان الورقة وقرأ ما فيها وسألني: "ما هذه يا إلياس؟" فقلت له: "قصة". فقال لي: "أنت قصاص". بعدها بدأت رحلتي مع غسان كنفاني. أذكر أننا كنا نمضي جلسات طويلة، أحيانًا ساعتين أو أكثر، فقط بتوجيهات من بداية الجملة إلى تسكير الجملة وبنية القصة والمسرى القصصي. يقال لي أحيانًا من قبل نقاد إنك متأثر بأسلوب غسان كنفاني، وأعترف وأفخر بذلك، لأنني أعتبر ذلك فخرًا لي. ويوم استلم غسان كنفاني ملحق "الأنوار الثقافي" يوم الأحد، أصر غسان على أن أكتب معه، فكتبت. لكن ظروف الحياة قذفت بي إلى الأمن العام وقذفته إلى "الهدف"، التي كانت تصدرها الجبهة الشعبية. لم نلتقِ بعدها لتعذر اللقاء بسبب الظروف الأمنية ولأسباب استخباراتية، لأنني كنت حينها في الأمن العام وهو في الجبهة الشعبية. فما التقينا إلا بعد سنوات، وكنت مسؤولًا عن دورية في ساحل بعبدا الجنوبي في بولفار كميل شمعون. اتصلوا بي من العمليات ليخبروني بانفجار في مار تقلا، وبما أنني أقرب دورية، توجهت إلى الحدث. وحين وصلت التقيت به في انفجار سيارته مع ابنة أخته لميس. غسان كنفاني أثر بي أسلوبًا والتزامًا، وأعتقد أنني تأثرت به التزامًا أكثر من أسلوبًا.

- من مؤلفاتك "الناب"، "عروس الخضر"، "امرأة وأشياء أخرى"، والآن "غريتا". ماذا تخبرنا عن مؤلفاتك بشكل عام، وعن "غريتا" بشكل خاص؟

مجموعة قصصية جميلة لم تذكريها هي "السبايا". أما المؤلفات كلها فهي من كتاباتي. أما "غريتا"، فهي خارجة عما سبقها وتمتلك القواسم المشتركة مع سابقاتها. "غريتا" لها قصة خاصة، لأنني شعرت أن فن القصة مغبون، والكل يهرب منه. حتى دور النشر تقبل على الرواية، أما القصة فلا أحد يقبل على طباعتها. شعرت أنها الحرف الساقط، فقررت جمع القصص لأنني متحيز للقصة. لذا جمعتهم وقررت إصدار "غريتا" تعويضًا عن الغبن الذي تتعرض له القصة القصيرة.

- كيف تقيم الأعمال الأدبية العربية اليوم؟ وما رأيك بجائزة البوكر؟ هل تنصف الكاتب الروائي هذه الجوائز؟

حقيقةً، لا أهتم للجوائز لأنني أعرف خفاياها ودهاليزها وكواليسها. وأظن أن الأدب هو مرآة لمجتمعه، أرى أن الخط البياني الآن للحالة الأدبية العربية عامة هو خط انحداري. لأن الاهتمامات التي كانت موجودة سابقًا في الأدب العربي، روايةً وشعرًا وبكافة ألوانه، دخلت عليها عناصر أخرى شوهتها إلى حد ما. فأصبحت الرواية، إذا لم تتضمن شيئًا عن الجنس وعما يشبه الجنس، لا يمكن لها أن تتسوق. وهذا ما يسقط من قيمة الأدب لأنه يتم استغلالها بشكل قبيح. هذا يفسد كل ما هو جميل في العمل، وهذا السبب في الخط البياني الانحداري. وجائزة البوكر لا تعني لي شيئًا. وبتعبير أكثر حدة، هي اتفاقات علاقات عامة، مافيات ثقافية تعمل بشكل معين لإبراز شخص معين أو رواية معينة أو خط معين. موضوع الجوائز معقد جدًا.

- هل يقنعك فن النقد الروائي والقصصي اليوم؟ وهل تم نقد أعمالك بشكل سلبي؟ ومتى ترفض النقد الذي يكتب عن أعمالك؟

سأبدأ من الآخر، أرفض النقد الذي يتعرض لأعمالي حين يكون سطحيًا. لا يهمني النقد السطحي أو الإطناب والمدح في غير مكانه. بالعكس، بعض النقاد المهمين تناولوا أعمالي وحددوا لي الثغرات فيها، وشكرتهم لأنها كانت عملية تصحيح لمساري. وهذه خدمة فنية. وأنا أؤمن إيمانًا كليًا بأن العملية الإبداعية مؤلفة من ثلاثة عناصر: القارئ والكاتب والناقد. ثلاثية لا تكتمل ولا تتألق إلا بهذه الثلاثية، لذلك الناقد هو عنصر أساسي، ونحن نعاني من مشكلة نقد حقيقية.

- ما هي سمات العمل الروائي الجيد في الوطن العربي؟ ولماذا تراجع فن القصة رغم أهميته؟

لماذا تراجع فن القصة؟ لا أعرف بكل صراحة. رغم أنه فن، البعض يتخيل أن القصة القصيرة كتابتها أسهل من الرواية، بينما العكس هو الصحيح. تتطلب من الجهد والتكثيف والتركيز أكثر بكثير من الرواية. أما لماذا تراجع فن القصة؟ لا أعرف، ربما لعدم وجود قصاصين أكفاء ظهروا في الماضي. قصاصون في العالم العربي استطاعوا خلق أجواء مثالية للقصة العربية، مثل يوسف إدريس في مصر، وزكريا تامر في سوريا، ووليد إخلاصي، وسامي الجندي من كتب أهم القصص القصيرة، عنوانها "كسرة خبز"، وهي من أهم ما كُتب في القصة القصيرة.

Doha El Mol