علاقتي مع الكلمة قوية جداً ولا أستطيع التخلي عنها
حوار مع الإعلامية اللبنانية "هيفاء الجارودي"
حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل
في طلتها جمال المرأة اللبنانية العابقة بمضمون الشرق والفكر الغني بالأدب والمفاهيم الجمالية، وهذا ملموس يا شراقتها الإذاعية والتلفزيونية والصحفية، وهي التي استطاعت خوض غمار الإعلام بمحبة غمرت بها مشاهديها ومستمعيها. من خلال تلفزيون لبنان أو من خلال الإذاعة أيضاً. غادرت لبنان إلى العراق لسنوات وعادت إليه محملة بعبق برامج اجتماعية وصحية وحتى قصص الأطفال. تمتلك فن الكلمة المنطوقة والمكتوبة، ولطالما رافقتنا أعمالها الإذاعية عبر الراديو لتقدم لنا فقراتها الغنية بالمواضيع الحياتية، وبرامجها التلفزيونية الغنية عن التعريف، ومقالاتها الصحفية أيضاً. هي الإعلامية "هيفاء الجارودي" في حوار خاص لمجلة "مرايا عمان".
- الإعلامية هيفاء الجارودي من زمن السبعينات حتى الآن، كيف تختصر الزمن وتخبرنا عن أهم الأحداث في رحلتها هذه؟
تاريخ يتضمن هجرة من لبنان وما علق في الذاكرة أشياء كثيرة منها الحلو والمر. بدايتي كانت في إذاعة لبنان ببرنامج الأطفال مع ماما ناديا، ومن ثم انتقلت إلى التلفزيون في تقديم الفقرات مكان الإعلامية "شارلوت خوري" لأنها كانت ستلد، ومن ثم دخلت عالم البرامج مع المخرج "سيمون أسمر" ببرنامج "سباق الألحان" بعد "شوفي ما في"، ثم "استوديو الفن". فصارت الحرب الأهلية واضطررت للرحيل إلى العراق مع أهلي، وهذه محطة مهمة في حياتي انتقلت خلالها من ثقافة إلى أخرى وتزوجت واشتغلت في العراق في الإذاعة والتلفزيون. من ثم في السفارة اللبنانية، واجهت أزمة بسبب ظروف الحروب، ومن ثم أغلقنا السفارة بسبب الأحداث السياسية التي تأثرنا بها، والتي كانت قاسية وانتقال إعلامي مستمر ومتعب حتى استقريت في العمل الإعلامي والصحفي أخيراً في لبنان.
- نفتقد اليوم للفن الإذاعي بمعناه الجاذب للسمع وفن المحاورة بسلاستها المرنة. ما رأيك بهذا الكلام؟
لا أوافق كثيراً لأنه يوجد إعلاميات لديهن أسلوبهن الجميل في الحوار. في الفترة التي بدأت فيها بالظهور على التلفزيون وكنت بعمر صغير جداً، ما دون العشرين، لم أكن أفهم في الإعلام شيئاً غير أنني كنت راغبة في الظهور على شاشة التلفزيون ومجتهدة في اللغة العربية. لكن التدريب على الإعلام يتم اليوم بعكس الماضي حتى لو كانوا خريجي إعلام. لأن العمل المهني يختلف عن النظري، وبمجهود فردي قد يتطور الإعلامي ويصبح جديراً بالعمل الإعلامي، وكما أراهم اليوم، هم جديرون.
- هل اكتفت الإعلامية هيفاء الجارودي بالعمل الصحفي؟
اكتفيت! لا أعتقد أنني اكتفيت بمعنى الكلمة، لأن علاقتنا مع الكلمة نفسها تصبح متينة ومترابطة وقوية، فهي ليست العمل الذي نعيش منه، لأن علاقتي مع الكلمة قوية جداً ولا أستطيع التخلي عنها.
- هل من عودة إلى العمل الإذاعي أو التلفزيوني؟
العمل الإذاعي لم أتخل عنه. بعد عودتي من العراق إلى لبنان بدأت بإذاعة لبنان واستمررت فيها وقمت ببرامج إذاعية خاصة لي غير البث المباشر، ومن حوالي سنتين فقط توقفت عن العمل في الإذاعة. كان برنامجي عن الأسرة من إعدادي وتقديمي، فأنا أعتبر نفسي بتواصل مع مهنتي لم أقاطعها ولم أتركها. كانت المنبر الذي أعبر به من خلال الكلمة عن ذاتي وتصل الكلمة إلى المستمع كما أحب وأرضى.
- تناولت الإعلامية هيفاء الجارودي مواضيع أسرية عبر برنامجها الإذاعي. ما رأيك بالأسرة اليوم؟
الأسرة اليوم بحالة تعب تشبه العالم العربي في حالة تعب مادياً ومعنوياً، وبالقيم المضافة التي دخلت عليها. لأن القيم تضعف والتمسك بها يصعب من خلال فقدان السلاسة لدخول القيم الغريبة عليها. كنا قديماً نتمسك بطاعة الأهل، اليوم يصعب ذلك، فبعض الأهل يستطيعون مسك العصا من الوسط والبعض لا يمسكها إلا من الآخر، وهذا يفقد الأسرة توازنها. والإعلام لا يهتم حالياً بهذه المواضيع بشكل كاف، فتشرذم الأسرة بدأ من الذاتية التي تعلم منها الأولاد الاستقلالية من خلال الإنترنت والتواصل الاجتماعي، فيدخلون غرفهم وينعزلون فيها. فكل فرد في العائلة أصبح له حياته الخاصة والمستقلة عن الأهل بطريقة أو بأخرى، لأننا فقدنا لملمة شمل العائلة.
- هل من إشكاليات إذاعية وضعت الإعلامية هيفاء جارودي في حرج على الهواء مباشرة؟
لا أعتقد أنها إشكاليات، ربما هي هفوات صغيرة. مثلاً، كنت أقدم الممثلة المعروفة "ناديا حمدي"، كلنا نتذكرها، رحمها الله، فاخطأت وقلت الراقصة "ناديا جمال"، فتضايقت الفنانة "ناديا حمدي" وانزعجت بعد أن عاتبتني. وفي الصحافة كان عملي يرتكز على الأسماء في صفحة مجتمع، لأنها أيضاً ضمن اهتماماتي الصحفية.
- على ماذا ترتكز اهتماماتك الصحفية اليوم؟
اليوم أستطيع القول إنني في إجازة، لأن الإنسان يصل إلى مكان ما في مهنته يشعر بالتعب. كنت أكتب مقالات منها "رشّة عطر" و"حكايات الناس"، وأيضاً توقفت وانتقلت لعمل آخر ويقتصر الآن على صفحات المجتمع وضمن "جارودي ميديا" كمديرة مكتب إعلامي.
- ما رأيك بالمواضيع الساخنة التي يتم طرحها اليوم وتسبب خلافات على الهواء مباشرة؟
هذا الصراخ على الهواء مباشرة أنا شخصياً لا أحبه، وهذه المشادات التي تحدث وأحياناً ضرب الكراسي لا أعتبرها إلا إعلاماً سيئاً. من يمتلك الحجة ويستطيع الإقناع من خلالها فليتفضل، لكن من يفقد صبره ويطلق عصبيته ليمسك عصا أو كرسي ويضرب بها، هذا لا يستحق الظهور على الإعلام، لأنه لن يقنعني. وهذا دور مقدم البرنامج والمعدّ الذي يحسن اختيار الشخصيات. والمشاهد هو من يقرر من الذي كلامه مقنع وقادر على امتلاك الوجدان بسلاسة وإقناع.
- كيف تصفين الإعلام العربي أمام موجات شبكات التواصل الاجتماعي وعللها؟
لا أعرف كيف يواجه المجتمع العربي شبكات التواصل بشكل عام، لكن ما أراه أننا في انفتاح على شبكات التواصل بكل ما يأتينا من قوة إن كان في لبنان أو خارجه. ولا أعرف بشكل أكيد بالنسبة للدول الأخرى إن كان هناك رقابة فنية، لكن في لبنان لم ألمس الرقابة على الشبكات، خصوصاً أنها متابعة وتستقطب أكبر عدد من الشباب والمراهقين. وأنا على الصفحات في الفايسبوك بالذات، أحياناً أجد بعض الصور غير المقبولة. فهذه الهجمة أدخلت علينا بعض المفاهيم لا نستطيع ضبطها بالشكل المرضي للجميع.
- ما رأيك باللغة العامية في الإعلام اليوم؟
هذه بدأت زمان. نحن كنا نقدم البرامج باللغة العربية الفصحى وكانت طلتنا رسمية أكثر من هذه الأيام. اليوم يحاولون الاقتراب من العائلة بمفردات عامية ولغة العائلة، لكن أحياناً مقبولة وأحياناً لا، لأن بعض الكلمات إن لم تحتفظ بمخارج حروفها تصبح قبيحة. وهذا يعود إلى مقدم البرامج الذي يستطيع تشكيل لغة مفهومة وقريبة من الكل، وليست مغرقة بالمحليات.
- هل من طموح إعلامي تسعى الإعلامية هيفاء الجارودي إلى تحقيقه اليوم؟
إن كان هناك شيء أفكر فيه بطموح حالياً فهو التفرغ لكتابة مذكرات أو رواية أو قصة، وأشعر بالراحة لأن خميرة العمر ستكون غريبة، لأن حياتي كلها كانت غريبة.
- بمن تأثرت الإعلامية هيفاء الجارودي؟ وماذا أضاف العمل الإذاعي لمهنة الصحافة؟
أحببت العمل الإذاعي جداً، لأنني كنت من بداية النهار مستعدة للعمل من خلال آلة التسجيل التي لا تفارقني حتى أثناء النوم. وأسجل كل شيء حتى ضمن عزومة الأصدقاء، وأغلب الدعوات كانت تلبية إذاعية بسعادة تغمرني. حتى أي حدث على الطريق أو عرس، لأن آلة التسجيل التي لا تفارقني في أي مكان، مستعدة إذاعياً دائماً. لهذا اشتغلت في العمل الإذاعي بمحبة وسعادة غمرتني.
- هل يؤثر الشكل على المضمون عند الإعلاميات؟
الشكل يؤثر على المضمون، ممكن حالياً. عند وصولي من العراق وبعد غياب سنين، رغم أنني كنت حاضرة في بعض القنوات اللبنانية، شخص ما تكلم معي بعد مقابلة أجريتها عن كتاب كنت كتبته عن الفترة الصحية، وهي إحدى البرامج التي قمت بها. اتصل بي وبارك لي على المقابلة وقال لي إن هذه الأيام مطلوب فقط امرأة جميلة تظهر على التلفزيون، ونحن نلقنها ماذا تقول. هذا لم يكن موجوداً عندما بدأنا العمل التلفزيوني، لأن التقديم والإعداد والتنفيذ كان يجري بطريقة الإعلامية وبمجهودها الخاص والمباشر. اليوم اختلفت التقنيات، سماعة الأذن لا تفارقها وهناك من يقرأ لها الأسئلة، وهذا يجعلنا نفتقد لميزة إعلامية كانت قديماً.
Doha EL Mol