المخرج عمر عبدالعزيز لمجلة "مرايا": "كان هدفي رسم ابتسامة على وجه المواطن العربي لأنه يستحقها"
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
يمتلك المخرج "عمر عبدالعزيز" عقلية إخراجية خاصة تتمحور حول أهداف رسمها منذ تخرجه لتكون بمثابة فكرة يؤمن بها وينطلق من ثوابتها، فكانت أعماله التي قام بإخراجها على مستوى طموحاته المهنية والفنية. إذ استطاع تقديم أعمال على مستوى الوطن العربي، وربما تخطاه، فرصيده من الأفلام والمسلسلات والوثائقيات يشهد له بقدراته الإبداعية في هذا الفن الذي صاحبه في مسيرته الفنية أو مدرسته الإخراجية ذات المفاهيم الخاصة. مع المخرج "عمر عبدالعزيز" أجرينا هذا الحوار...
- رحلة إخراجية طويلة. كيف يصفها المخرج عمر عبدالعزيز؟
رحلة لو رجع بي الزمان لفعلتها كما هي. إحساس غريب بأن الوقت يمر سريعًا، فما زلت أشعر أنني تخرجت منذ سنوات قليلة رغم تخرجي في عام 1976. وأستطيع أن أقول إنني استمتعت بهذه الرحلة في أوقات، وتألمت في أوقات أخرى. أحمد الله أنني اخترت الإخراج مهنة لي لأنها ممتعة جدًا لمن يحبها ويعشقها.
- لكل مخرج رؤية خاصة. ما هي رؤيتك التي رافقت أعمالك كلها؟
كانت رؤيتي منذ مشروع تخرجي الذي صودر من قبل السلطات في ذلك الوقت هي التعبير عما يشعر به المواطن المصري والعربي من مشاكل، لكن بنظرة ساخرة. فغالبية أعمالي، رغم أنها تميل إلى الكوميديا، إلا أنها يتخللها الشجن وهي أقرب إلى الكوميديا السوداء. وأبطالها في الغالب ليسوا كوميديانات مثل "محمود عبدالعزيز"، و"عزت العلايلي"، و"صلاح السعدني"، و"فريد شوقي" طبعًا فهو أول من وقف بجانبي وساعدني. كان همي الأكبر الطبقة المتوسطة التي هي ميزان المجتمع. وكان هدفي رسم ابتسامة على وجه المواطن العربي لأنه يستحقها وسط مشاكله، ولكن خلف الابتسامة عليه أن يفكر.
- دراما رمضانية في كل عام تضج بمسلسلات ترافقنا العام كله تقريبًا. ألا تظن أن هذا يضر بالدراما؟
أعتقد أن هذا العام تم عرض مسلسلات قبل الموسم الرمضاني ونجحت التجربة. لأن هذا الكم من المسلسلات لا يخدم الدراما بالتأكيد، لأنه قائم على الإعلانات التي تحرم المشاهد من المتابعة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال مشاهدة جميع الأعمال، وأعتقد أن أغلبنا يركز على عملين أو ثلاثة ولا يرى باقي الأعمال.
- هل من تربية سينمائية في مدارسنا؟ وما هي أهميتها برأيك؟
للأسف لا توجد في مدارسنا تربية سينمائية، بل إن التعليم نفسه تراجع بشكل كبير. وأتذكر في الستينات كانت المدارس تعرض أفلامًا ونناقشها، كما أن حصص الهوايات، وخاصة الموسيقى، كانت أساسية، مما يخلق ذوقًا واتجاهًا لدى الطالب. وأنا دائمًا أقول إن الطالب إذا تذوق الموسيقى أو الفيلم، فلا يمكن أن يمسك بزجاجة مولوتوف في يوم من الأيام. وهذا دور الحكومات، فلابد من الاهتمام بالطالب وتثقيفه علميًا وفنيًا.
- متى يتراجع المخرج عن العديد من مواقفه الإخراجية أمام الممثل؟
إذا تراجع المخرج أمام الممثل، فهذه هي النهاية. فمهنتنا قائمة على الديمقراطية في التحضير والدكتاتورية في التنفيذ. فأنا ممكن جدًا أن أستمع للملاحظات من أي فرد أثناء التحضير وبروفات العمل، لكن هذه من المحرمات أثناء التنفيذ، لأن العمل الفني مثل الإبحار، لابد أن يكون للسفينة قائد واحد فقط هو المسؤول لأنه يرى العمل ككل ويعرف كل تفاصيله وكيف يخرج للناس بعكس الممثل، فهو يرى العمل من وجهة نظر الشخصية فقط. وأنصح المخرجين الجدد بأن يكون لهم شخصيتهم الخاصة. فأنا عندما بدأت عملت مع نجوم كبار ولهم خبرتهم مثل "فريد شوقي"، فكان يبدي ملاحظته على السيناريو قبل التصوير ويترك لي حرية الأخذ بها أو لا. وكان كالتلميذ المطيع في البلاتوه، وأعتقد أن هذه هي النجومية وليست كما نسمع الآن عن ممثل نجح له فيلم فيفرض رأيه ويعتقد أنه خبير.
- الفن الحقيقي والعميق هو النابع من مشهد حي يلتقطه المخرج. إلى أي مدى هذا صحيح؟
العمل الفني يعتمد على توافق الفكر بين السيناريست والمخرج، بمعنى أن يتم الاتفاق على كافة التفاصيل، وأن يستدعي المخرج مخزونه الحياتي ليترجم ما يُكتب على الورق إلى شخصيات تتحرك وتقنع المشاهد بأنها شخصيات حقيقية وليست ممثلين يقومون بأدوار. وهذه هي فلسفة الإخراج، أن أحول ما يُكتب إلى حقيقة وأصدقه.
- المخرج عمر عبدالعزيز: رحلة جمعت أجيال. ما السلبيات وما الإيجابيات التي تراها الآن؟
السلبيات والإيجابيات هي جناحي أي مشوار للمخرج، فلا يمكن إلا استثمار السلبيات لتحويلها إلى إيجابيات. رحلة أي مخرج بها الاثنان، وأنا شخصيًا استفدت جدًا من أعمال لم أرضَ عنها، لكني لا أتنكر لها فهي جزء من مشواري وتاريخي. وهناك أعمال نجحت جدًا ولم أكن راضيًا عنها، وأيضًا أعمال لم تنجح ولكني أعشقها. وألوم بعض الزملاء على أنهم يتنكرون لبعض الأعمال، فنحن محترفون ولابد أن تكون لنا أعمال متفاوتة بين النجاح والفشل.
- ما هي الشخصية الدرامية التي أثرت بك حتى بعد انتهاء التصوير؟
أنا قمت بإخراج حوالي 28 فيلمًا وعشر مسلسلات وبعض البرامج والأفلام التسجيلية، ولابد أن أعشق كل الشخصيات التي تناولتها أفلامي. ولكن أذكر دور "حسين فهمي" في مسلسل "الشارد" وهو عن مريض بالزهايمر ويعمل في منصب مندوب مصر في الأمم المتحدة، وبالدراسة يعرف ما سيصل إليه بعد تمكن المرض منه. وأعتقد أن حسين كان في أعلى حالاته التمثيلية في هذا المسلسل، ولقد تأثرت به جدًا. كذلك "نور الشريف" في فيلم "الكلام في الممنوع"، وكان يقوم بدور ضابط تنفيذ أحكام يقبض على شخص محكوم عليه بالإعدام ويسلمه، ولكنه يشعر ببراءته فيحاول أن ينقذه ويصبح مسؤولاً عن أمه المريضة. ورغم اختلاف الدين، ولكنه يبذل ما في وسعه ولا يلحقه، ليثبت أن المجتمع كله مسؤول عن إعدام برئ.
- ألا يحتاج المخرج لقوة إنتاجية في إيراد إمكاناته بصورة تواكب العصر؟ وهل نملك قدرات إنتاجية في العالم العربي؟
لا شك أن الإنتاج قوة أساسية للمخرج، وأرى أن الإنتاج تقدم جدًا في السنوات الأخيرة، لكن أهم من ذلك أن نحول القوة الإنتاجية لصالح العمل نفسه وليس لرفع أجور بعض العاملين بالمهنة. فعلينا أن نظهر القوة الإنتاجية أمام الكاميرا وليس خلفها. وعلينا أن نتعاون لإنتاج مشترك بين كافة الدول العربية لزيادة رقعة التوزيع بشكل أوسع. والمخرج لابد أن يدرس السيناريو والمونتاج بجانب الإخراج، فالثلاثة جزء واحد. فلابد أن يعرف المخرج ما سيصل إليه فيلمه أثناء الكتابة، فهو الوحيد الذي يرى الفيلم قبل أن يصور. وأعظم مخرجينا كانوا بالأساس مونتيرين مثل أستاذنا العظيم "صلاح أبو سيف" و"كمال الشيخ".
- لم تفتنك فوازير رمضان؟ وما رأيك بالأفلام الوثائقية وأفلام التحريك؟
لا، أنا عملت فوازير سنة 1995 مع رانيا فريد شوقي وهشام سليم وعبدالله فرغلي، وكل حلقة كان فيها نجم أو نجمة وكانت عن الأكلات في الوطن العربي. موسيقى "عمار الشريعي" وكلمات "سيد حجاب" وكتبها الراحل "يوسف عوف" وكانت اسمها "خد وهات". لست بدارس لأفلام التحريك ولكني أحبها، وقمت ببعض الأفلام الوثائقية عن النادي الأهلي بصفتي عضوًا فيه. كما قمت بإخراج فيلم عن الراحل "صالح سليم" رئيس النادي الأهلي وعرض في تأبينه في الأربعين.
- كلمة من المخرج عمر عبدالعزيز للشباب العربي؟
الشباب هو رصيدنا الحقيقي، فهم أهم من الثروات والبترول. علينا أن نهتم بهم لأننا تركناهم فترة فريسة لمن يلعب برؤوسهم، وعلينا أن نحتضنهم ونثقفهم. وعليهم أن يعرفوا تاريخهم وكم المؤامرات التي تريد أن تفتك بهم
Doha El Mol