الفنان الكوميدي أندريه جدع لمجلة "مرايا":

"نعم، أمتلك الحرية الكاملة لقول ما أريد على المسرح بانتقاد هادف، وبضحكة ونكتة خفيفة."

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

استطاع الفنان "أندريه جدع" أن يخلق ركيزة أساسية في نوعية المسرح الانتقادي الشديد العلاقة بالبيئة الاجتماعية والسياسية، وبتفاعل فكري يتسم بخصائص سلبية وإيجابية، لتكوين محاكاة كوميدية لكافة طبقات المجتمع، وأحيانًا لطبقة معينة، وإنما لتحقيق الخصب المسرحي بكافة مستوياته ودون إلحاق السخرية والتجريح بالفكرة التي انطلق منها مع مسرح الساعة العاشرة بالأخص، إذ لا يمكن للناقد المسرحي إلا لمس المهارات التقنية الكوميدية التي يمتلكها الفنان "أندريه جدع" والتي يتميز بها عن الآخرين، حيث استطاع أن يكون لفترة طويلة أحد دعامات المسرح الكوميدي لمسرح الساعة العاشرة، وما زال يحمل لواء المسرح الانتقادي الكوميدي، وبمعالجة تنم عن فهم في معالجة الفكرة الانتقادية الكوميدية والانطلاق منها نحو الجمهور. ومع الفنان الكوميدي "أندريه جدع" أجرينا هذا الحوار.

- كيف بدأ المسرح الانتقادي في لبنان، وكيف تميز بين كوميديا الموقف وكوميديا الانتقاد الحاد؟

المسرح هو الواجهة الثقافية لكل بلد. المسرح الانتقادي السياسي في لبنان بدأ منذ زمن، وكنا من السباقين، وخاصة بالنسبة للانتقاد السياسي في المسرح. إذ لم يبدأ منذ ستينات القرن الماضي مع مسرح الساعة العاشرة كما يظن البعض، إنما في الحقيقة بدأ مع الفنان "عمر الزعني" والمونولوج المشهور مع الانتقادات الساخرة للسياسيين والمسؤولين، وبلا شك كان الفنان "عمر الزعني" علامة فارقة في تاريخ المسرح في لبنان، خصوصًا المونولوج والأغاني التي كتبها في ذلك الوقت. ومن ثم تطور المسرح في لبنان وانتقلنا إلى المسرح الاستعراضي والكلاسيكي والكوميدي دون أن ننسى المرحلة التي انطبعت باسم "شوشو" واسم "نبيه أبو الحسن". كان المسرح الانتقادي الساخر موجعًا لصراحته، ومباشرته، وكنا البلد الوحيد في العالم العربي الذي يمتلك حرية الانتقاد لأي سياسي أو مسؤول. أما مسرح السكتشات فقد بدأ في ستينات القرن الماضي مع مسرح "الساعة العاشرة" الذي ضم بيير جدعون، غاستون شيخاني، عبدالله نبوت، إدمون حنانيا، وكان علامة فارقة ومسرحًا ناشطًا ونشيطًا، ومن الممكن تقديم عشر مسرحيات في السنة ودائمًا مكتمل الجمهور. لكن كان موجهًا لطبقة اجتماعية معينة لأنه 70% باللغة الفرنسية و30% باللغة العربية، لغاية سنة 1967 حين بدأت الراحلة الكبيرة "إيفت سرسق" مع فرقة لوسيغال مع "وسيم وطبارة" والمسرح الانتقادي باللهجة اللبنانية وخمسة بالمئة فقط باللغة الفرنسية. قبل سنة 1975 المشؤومة بأحداثها الدامية، كان لبنان واجهة الثقافة في العالم العربي، وكان فعلاً سويسرا الشرق بحضارته ومسارحه ومهرجاناته الدولية والعالمية على أيام "تشارلي هتشينز"، مثل "هالو ماوي" التي اشتهرت جدًا. كانت بيروت تشبه لاس فيغاس وباريس لحين الأحداث اللبنانية الأليمة، كنا في الطليعة أو المقدمة إن شئنا التعبير.

- متى تكون الكوميديا لسان شعب وكلمة حق؟

الكوميديا الانتقادية هي لسان الشعب عندما تتصف بالحيادية، أي بمعنى دون تمييز بين هذا أو ذاك، ولا تتخذ مواقفها مع فريق ضد فريق. وهي التي تصل إلى قلوب الناس دون تمييز وتطرح معاناة الناس، لأننا إذا انتقدنا جهة دون جهة أخرى تصبح نوعًا من التبعية والانحياز لجهة سياسية معينة، لهذا فإن الكوميديا الانتقادية الناجحة هي التي تحكي وجع الناس وتترك المشاهد يضحك على وجعه، وتعرض الوجع وتنتقد المسؤول عن الوجع دون الاهتمام بمن يكون، لأنها تنتقد وجع الشعب ودون أي تمييز.

- هل نحن أمام نوع كوميدي جديد اليوم؟

لا نستطيع القول إننا أمام كوميديا جديدة في البلد، لأن الكوميديا موجودة قديمًا وهي كالدواء تزيل الهموم والحزن. الكوميديا أنواع كالتي نراها في السينما الغربية، عبارة عن موقف اجتماعي، ومن ثم تطورت وأخذت الناحية الإنسانية التي تصل للناس أكثر.

- متى يقع الكوميدي في التهريج ومتى يخلد كفيلسوف؟

التهريج فن بحد ذاته، لأن المهرج هو الذي يضحك الناس، وهي التي تعتمد غالبًا على الشكل الخارجي أو الحركة التعبيرية. وأيضًا الكوميديا المستوردة وهي عبارة عن "ستاند أب كوميدي"، وهي التي تعتمد على شخص واحد ينتقد كل الأوضاع، والأشخاص الذين ينتقدون بالمونولوج المضحك والهادف الأوضاع السياسية والاجتماعية. والأشخاص الذين يعتمدون على ناحية الإباحية لا أستطيع انتقادها، إنما أنا شخصيًا لا أميل إليها، وليست الكوميديا التي أفضلها.

- الكوميديا لصيقة بالسياسة، أي إنها تعتمد على التناقض والخلل السياسي. هل لديك الحرية الكاملة لتسخر من السياسي؟

لا أستعمل كلمة سخرية، إنما أنتقد موقفًا أو تصريحًا أو مشروعًا لسياسي معين. نعم، أمتلك الحرية الكاملة لقول ما أريد على المسرح بانتقاد هادف، وبضحكة ونكتة خفيفة، وخصوصًا على مدى ثلاثين سنة كنا ننتقد دون أي مشكلة مع أي جهة سياسية، لأن انتقادنا كان بضحكة كبيرة ودون تجريح، لأن الانتقاد يعتمد على الكلمة الجميلة والحادة دون شتيمة وتصل إلى قلوب الناس.

- تتميز انفعالاتك بنشاط ذهني حيوي وسريع الملاحظة والتفاعل مع الجمهور. إلى أي مدى هذا متعب وكم يحتاج هذا الفنان الكوميدي؟

التفاعل مع الجمهور هو لصيق بنوع الجمهور المدرك أي نوع من الكوميديا سيشاهد. لهذا في صالات المسرح الخاصة بنا نجد كل أنواع الميول السياسية موجودة، والكل يضحك ويتفاعل معنا، لأننا نثير ضحكة الجهة السياسية التي ينتمي إليها بأسلوب حضاري إن شئنا التعبير. لهذا التفاعل كامل مع المشاهدين، وكلما زاد التفاعل مع الجمهور كلما تفاعل الفنان الكوميدي بجودة فنية أكبر.

- كيف تصف وضع المسرح في لبنان حاليًا؟

وضع المسرح حاليًا في لبنان أصبح للويك إند أو العطلة فقط. كنا نقدم عروضًا مسرحية خلال أيام الأسبوع والاثنين يوم استراحة، والمسرح كان كالسينما. ويكفي تجربة الكبير "شوشو" التي دفع ثمنها حياته لأنه أسس ونهض بالمسرح اليومي الأول. ومن قبل الأحداث كنا نقوم بأكثر من ثلاثين عملًا مسرحيًا في بيروت وبحضور كبير، لكن الظروف الحالية ضاغطة بسبب الأولويات الحياتية التي انشغلت بها الناس أكثر. ونستطيع القول إننا في شبه غيبوبة مسرحية.

- الفنان أندريه جدع بين أبعاد الكوميديا والحياة التي يعيشها؟

الحياة كلها كوميديا، خصوصًا في لبنان، البلد الحضاري هو بأزمة نفايات اليوم. وكأننا في الشرق نعاني من نزعة العودة إلى القرون الوسطى وصعوبة تقبل الآخر، بينما في الخارج التفكير ينحصر بالاكتشافات والمعرفة الكونية وغيرها...

Doha El Mol

هذا الحوار مع الفنان أندريه جدع يكشف عن عدة جوانب تؤثر في القارئ بشكل عميق. ويبرز الجوانب الشخصية والفنية والاجتماعية وغيرها ...

الفنان أندريه جدع يعبر عن أهمية الحرية في التعبير على المسرح، مما يعكس التزامه العميق بالاستقلالية الفكرية والفنية. اعترافه بامتلاكه "الحرية الكاملة لقول ما يريد" يظهر مدى إيمانه بقدرة الفن على طرح قضايا اجتماعية وسياسية بجرأة وبدون قيود. هذا يُعزز الفكرة أن الفن يمكن أن يكون أداة قوية للنقد الاجتماعي والسياسي دون المساس بالقيم الإنسانية أو التجريح.

بدايات المسرح الانتقادي في لبنان يُبرز تأثير الشخصيات البارزة مثل "عمر الزعني" و"شوشو". تأريخ المسرح في لبنان يظهر كيف تطور المسرح الانتقادي من بداية متواضعة إلى أن أصبح صوتًا قويًا ضد الظلم الاجتماعي والسياسي. القارئ يمكنه أن يشعر بتغيرات الزمن وتأثيرها على الفن، مما يعكس الجهود الكبيرة التي بُذلت للحفاظ على حرية التعبير في أوقات التحديات.

أما الكوميديا الانتقادية، كما يصفها جدع، هي تعبير عن معاناة الشعب دون تمييز. هذا يعكس الوعي العميق للفنان بدور الكوميديا كوسيلة للتواصل مع الناس وعكس قضاياهم بطرق تجعلها أكثر قبولًا. يمكن للقارئ أن يدرك أهمية الكوميديا في جعل المعاناة أكثر قابلية للفهم والقبول، حيث تتيح للناس رؤية وجعهم بطريقة أخف وأقل مباشرة.

كما أن تمييز جدع بين التهريج والفلسفة في الكوميديا يسلط الضوء على التباين بين الفن الساخر الذي يهدف إلى الترفيه فقط، والفن الذي يسعى إلى تقديم رؤى أعمق حول الحياة. هذا التمييز يعكس كيف أن الكوميديا يمكن أن تكون أكثر من مجرد تسلية، بل يمكن أن تكون وسيلة لتحفيز التفكير النقدي والتأمل.

كما يشير إلى أنه لا يستخدم السخرية بل النقد الهادف، مما يعكس احترامه لعمله وموقفه من القضايا الاجتماعية والسياسية. القارئ يمكنه أن يشعر بالثقة في أن النقد لا يأتي من مكان سلبي بل من رغبة حقيقية في إحداث تغيير إيجابي. هذا يظهر أن الحرية في التعبير مرتبطة بالتزام حقيقي بالعدالة والموضوعية.

أما الحديث عن التفاعل مع الجمهور وكأن "كلما زاد التفاعل مع الجمهور كلما تفاعل الفنان الكوميدي بجودة فنية أكبر" يُبرز العلاقة الديناميكية بين الفنان والجمهور. هذا التحليل يظهر كيف أن الأداء الفني الجيد يعتمد على فهم عميق لجمهورك واستجابة لاحتياجاتهم وتوقعاتهم. يشعر القارئ بمدى تعقيد واستمرارية هذه العلاقة وتأثيرها على جودة الفن.

وصف الوضع الحالي للمسرح في لبنان كـ "شبه غيبوبة مسرحية" يعكس التحديات التي يواجهها الفن في ظل الظروف الصعبة. القارئ يمكنه أن يلاحظ كيف يمكن أن تؤثر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية على الثقافة والفن، مما يعزز التعاطف والوعي بمدى تأثير الظروف الخارجية على الإبداع والفن.

أما الأبعاد الشخصية لحياة أندريه جدع، مثل كيفية تعامله مع التحديات الشخصية والاجتماعية، تضيف عمقًا إلى فهم القارئ للفنان. إدراك القارئ لتجربة جدع الخاصة ومثابرته في مواجهة الصعوبات يمكن أن يكون ملهمًا ويعزز التقدير للفن كوسيلة للتعبير عن الذات والتغلب على العقبات.

في النهاية الحوار مع أندريه جدع يسلط الضوء على قوة وتأثير الفن في التعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية، وأهمية الحفاظ على حرية التعبير حتى في ظل التحديات. من خلال فهم العلاقة بين الفنان وجمهوره، والتحديات التي يواجهها المسرح، يستطيع القارئ أن يتعرف على كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتغيير والوعي، ومصدر إلهام ومثابرة في مواجهة الصعوبات.

حقيقة تقال في حواري معه شعرت بتواضعه واحترامه الكبير للمحاور وللكاتب له كل الشكر مني لروحه الخفيفة الظل

dohamol67@gmail.com