الشاعرة والإعلامية د. نادين الأسعد: "أستعد الآن للانطلاق في جولة جديدة لعرض مسرحية 'الظلال' في كل من قطر وعمان."
حاورتها: ضحى عبدالرؤوف المل
ثمة قواسم مشتركة بين الفنون التي تمسك بها دكتورة نادين الأسعد. فما بين الشعر والرواية والإعلام وتقديم البرامج، نرى مكونات مسرحية تفرض نفسها، كتحديث لطاقات مختزنة ما زالت تطلعنا عليها واحدة تلو الأخرى. وهي الطافحة بالأنوثة والجمال، والمشبعة بالرقة والشفافية، كقصائدها وإطلالتها المشحونة بالطاقة الإعلامية، وتنوع أساليبها وحضورها. مع الشاعرة والإعلامية "د. نادين الأسعد" أجرينا هذا الحوار:
- الشاعرة والإعلامية د. نادين الأسعد .. بين الشعر والإعلام، أين أنت من الدراما؟ هل تفكرين في كتابة سيناريو؟
الشعر يأخذ من وقتي الكثير، ويتملكني مما يجعلني مقصرة نوعاً ما في كتابة الرواية. وعلى الرغم من تجربتي مع رواية "رياح الرغبة"، إلا أنني أرى أن الدراما العربية اليوم بحاجة إلى تغيير فيما تقدمه للمشاهد من نمطية. لقد تلقيت العديد من العروض لتحويل "رياح الرغبة" إلى عمل درامي، إلا أنني كنت لا أزال أبحث عن إطار مختلف لطرح هذه الرواية بشكل مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي. الدراما العربية بشكل عام تفتقر حتى يومنا هذا إلى المنتج الباحث عن تقديم أعمال ذات قيمة بعيداً عن شباك التذاكر، إلا فيما ندر. لذلك توجهت إلى المسرح وقمت مؤخراً بتأليف مسرحية غنائية بعنوان "الظلال"، التي تعاونت فيها مع الملحن القدير الفنان البحريني خالد الشيخ والموزع عمرو عبد العزيز، بمشاركة كل من نجم "آراب أيدول" حازم شريف والنجمة كارول عون، بمشاركة فرقة "إنانا". وقد عُرضت للمرة الأولى في دولة الإمارات العربية المتحدة وسط حضور جماهيري غير مسبوق. وقد شاركت في الأداء على المسرح، فكان عملاً فنياً وتجربة أعتز بها.
- الفن هو الفن بكل مقوماته .. ماذا تقولين عن الحركة الشعرية اليوم؟
بدايةً أود القول إننا مقصرون في الشأن الثقافي. ففي الماضي كنا ندرس الشعر لنتثقف. لا بد أن ندرك أن قراءة الشعر الحديث مشاركة في إبداعه. ولأننا مقصرون، أرى أننا لم نتوصل بعد إلى القراءة التي تستحقها قصائد حديثة كثيرة. الحركة الشعرية في لبنان والعالم العربي لطالما عاشت ازدهاراً ولا تزال. قد ينتقد البعض الحركة الشعرية الحديثة، لكنني أرى في هذه الحداثة مدرسة بحد ذاتها، مدرسة تخلق قواعد جديدة للإبداع كما هو محمود درويش وطلال حيدر وجورج جرداق وغيرهم. يجب علينا اليوم إدراك ماهية الشعر الحديث، فالحداثة تجربة دائمة البدء، والثورة الشعرية التي ولّدتها الحداثة خلقت تراثاً جديداً، وهذا التراث لا بد له من من يحميه ويدعم مسيرته. نعم، الفن هو الفن بكل مقوماته، والحركة الشعرية اليوم تحتوي على الكثير من مقومات الإبداع التي هي مسؤولية ملقاة على عاتق الشعراء لمواصلة المسيرة والارتقاء بها، خاصة هنا في لبنان.
- أين أنت من الصحافة؟ وما رأيك بما يحدث اليوم من بلبلة في أزمة الصحافة؟ وهل من نقد شعري يرضي الشاعر؟
لقد بدأت حياتي المهنية في حقل الصحافة، فأنا حاصلة على دكتوراه في الإعلام والصحافة من جامعة بوسطن الأمريكية. وعملت كأستاذة جامعية في عدد من الجامعات اللبنانية في الصحافة والأدب العربي. ولا زلت، بعد تجربة البدايات في الصحافة المكتوبة كصحيفة "الرياض" السعودية وصحيفة "الخليج" الإماراتية وغيرها، حيث كان لي إسهامات في العمل الصحفي في عدد من الصحف والمجلات الخليجية والعربية. لا زلت أخوض غمار الإعلام عبر تجارب متنوعة. واليوم أنا عضو لجنة تحكيم في واحدة من أهم الجوائز المخصصة لتطوير منظومة الإعلام والاتصال في الوطن العربي، وهي جائزة الشارقة للاتصال الحكومي. أما فيما يتعلق بما يحدث اليوم من أزمة للصحافة العربية بشكل عام، فهي برأيي أزمة عالمية وليست محلية فقط، خصوصاً إذا كنا نتحدث عن الصحافة الورقية. نرى أنها قد شهدت خلال السنوات الأخيرة أزمة حقيقية، وقد أخذت هذه الأزمة تتفاقم في العديد من الدول الغربية ليست في لبنان والوطن العربي فقط، وذلك كنتيجة حتمية لثورة الإنترنت والإعلام الاجتماعي في ظل تغير أنماط الاهتمام والقراءة لدى المجتمع، وشيوع ثقافة الحصول المجاني على المعلومة، مما أدى بشكل طبيعي إلى انخفاض مبيعات الصحف الورقية وانخفاض عائداتها المالية من الإعلانات. فتحولت الكثير من الصحف إلى صحف رقمية، حيث تصفح الصحف الإلكترونية أقل تكلفة والوصول إليها أسهل بكثير من الصحف الورقية. أعتقد أن الصحف الورقية لم تعد اليوم قادرة على مجاراة الصحف الإلكترونية كوسيط نقل جديد للمعلومة والإعلان، والتنافس مع مواقع التواصل الاجتماعي التي تجتذب مئات الملايين من المتصفحين مثل "تويتر" و"فيسبوك" وغيرهما في سرعة نشر الخبر للقارئ وقت حدوثه وتحديثه لحظة بلحظة في زمن سمته السرعة. أما فيما يتعلق بالنقد، فلا شك أن النقد المنهجي البناء يرضي الشاعر، وذلك حين يكون النقد حول فكرة موضوعية يمكن قياسها. حيث يتجه الناقد بفكره عبر طرح يهدف إلى تطوير العمل الأدبي والارتقاء به. فالنقد البناء برأيي هو ما كان بعيداً عن الهوى والتعصب والأحكام المسبقة، ولابد أن يكون مبنياً ومرتكزاً على أصول علمية صحيحة.
- الجمال في الشكل والمضمون في القصيدة يوحي بالمخزون الثقافي والشعري.. ماذا تقرأين وكيف يصقل الشاعر موهبته؟
لا شك في أن الشعر هو موهبة بالدرجة الأولى، والموهبة تحتاج لصقل. هذا الصقل يأتي من خلال رفع الشاعر لمستوى مخزونه الفكري والأدبي والثقافي، وهذا يأتي من خلال القراءة. كما يمكن للتجارب التي يمر بها الشاعر أو ما يشهده من حوله من قضايا إنسانية أو حالات مختلفة يعيشها أن تحرك في داخله عطاءً أدبياً لا حدود له. أنا على المستوى الشخصي لدي شغف كبير للقراءة والإطلاع والتنقل بين الأدب الفرنسي والياباني والإسباني وغيرها، تماماً كما هو شغفي بالأدب العربي. هذا يمنحني سعادة بالغة حيث أجد نفسي بين طيات الكتاب، كما أنه يمنحني ربما دون أن أشعر مخزوناً أدبياً واسعاً.
-أهم مؤلفاتك الشعرية وبرامجك التلفزيونية؟
لقد صدر لي في الشعر أربعة دواوين: "حدثني جسدي قال"، "رائحة رجل"، "علمني الحب"، "ظل القصيدة". وفي الرواية لي رواية واحدة هي "رياح الرغبة". وقد قمت مؤخراً، وكما ذكرت في بداية هذا الحوار، بتأليف مسرحية غنائية تحت عنوان "الظلال"، تم عرضها في الإمارات العربية المتحدة. وأطلقت في شهر فبراير من العام الجاري ديواناً شعرياً جديداً يحمل عنوان "ورقة أنا" حصرياً عبر موقع أنغامي، وذلك للمرة الأولى من بين مختلف إصداراتي في الشعر والرواية، حيث جاء ديوان "ورقة أنا" ديواناً شعرياً بصوتي. ولقد ضم الديوان، الذي قمت بتسجيل قصائده ووضع التوزيع الموسيقي لها مع الموزع القدير عمرو عبد العزيز في استوديوهات ميكس برو بدبي، ستة قصائد هي: "ورقة أنا"، "كل ما إجي حاكيك"، "العشق نار"، "الطقس"، "أوقات"، "شاعرة الأحلام". وقد تنوعت هذه القصائد بين العامية اللبنانية والعربية الفصحى. ولله الحمد، فقد لاقى هذا الديوان الصوتي الأول نجاحاً كبيراً منذ إطلاقه. أما فيما يتعلق بالعمل التلفزيوني، فقد عملت كمعدة ومقدمة لعدد من البرامج التلفزيونية والإذاعية الهامة في لبنان والمنطقة، أبرزها (إل بي سي) و(تي آر تي التركية) و(إم تي في) و(نيو تي في). وكانت لي العديد من التجارب مع هذه القنوات، ومنها برنامج "كتاب"، و"Z Ladies"، وغيرها.
- قصيدة تكررها الشاعرة نادين الأسعد دائماً، ما هي؟
كلُّ عمري الآنَ يزهو
وعلى ثغري ابتسامة
هات عينيك، حبيبي
ورموشاً كالسَهام
لغةُ العينين ذابت
وعلى جفني تنام
كلُّ حاءٍ، كلُّ باءٍ
كلُّها رفُّ حمام
- كلمة للشعراء والكتاب عامة؟
أعتقد أنه بات لزاماً علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نلعب دوراً ريادياً فعالاً على الصعيد الفكري والأدبي. فالأدب هو رسالة نقدمها لمجتمعاتنا على اختلاف ثقافتها وتنوع مصادر تلقيها للشعر بشقيه الفصيح والعامي، والنثر، والرواية وغيرها. وفي الوقت ذاته، لا بد من وجود منظومة حكومية ثقافية تمنح الكتاب والأدباء قدراً كبيراً من الاهتمام، وذلك لحثهم على تقديم ما هو جيد ومفيد للمجتمع بشكل عام. الثقافة هي مرآة المجتمع، والأدب بات موثقاً للحدث. فكما وثق المتنبي عصراً ووثق جبران عصراً آخر، لا بد أن يدرك الشعراء والأدباء اللبنانيون اليوم أنهم مطالبون بتوثيق زمن هم رواد الفكر والثقافة فيه.
- ما هي مشاريعك القادمة؟
أستعد الآن للانطلاق في جولة جديدة لعرض مسرحية "الظلال" في كل من قطر وعمان، ومن ثم سأعود إلى بيروت حيث بدأت بالعمل على أحدث إصداراتي الأدبية التي ستصدر في صيف هذا العام، وذلك عقب النجاح الكبير لديواني الأخير "ظل القصيدة" الذي تعاونت فيه مع دار "مدارك" للنشر.
Doha EL MOL
في هذا الحوار مع الشاعرة والإعلامية د. نادين الأسعد، لمست تألقاً مستمراً في عالم الفن والأدب، حيث يعبّر حديثها عن تفاعل عميق بين الجماليات الفنية والاهتمامات الشخصية. هذا الحوار يعكس جوانب متعددة من شخصيتها وتجربتها، ويقدم لنا صورة واضحة عن رؤيتها للفن والإبداع، مما يتيح لنا فرصة استكشافها بشكل أعمق.
تتسم د. نادين الأسعد بقدرة استثنائية على التوازن بين مختلف مجالات الإبداع، من الشعر إلى الرواية والإعلام. إن استشهادها بتجربتها مع "رياح الرغبة" وعرض مسرحية "الظلال" يعكس اهتمامها العميق بتقديم أعمال متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود جنس أدبي واحد. هذا التوازن يكشف عن قدرتها على دمج عناصر متعددة لتكوين أعمال متكاملة، مما يبرز نضجها الفني وابتكارها.
يتضح من حديث د. نادين الأسعد أنها تعيش تجربة مستمرة من الصراع والإبداع. تأخذها التجربة الشعرية إلى عمق ذاتها، مما يجعلها تشعر بأنها مقصرة في جوانب أخرى مثل الرواية. هذا الصراع الداخلي بين الطموحات الفنية والوقت المحدود يعكس طبيعة الفنان الذي يسعى لتحقيق توازن بين مشاريعه المتعددة، وهو ما يعزز من فهمنا لكيفية تأثير الفن على حياة الأفراد. كما تعبر الأسعد في حديثها عن شغفها العميق بالأدب والشعر والدراما، مما يخلق شعوراً بالانغماس الكامل في عوالمها الإبداعية. تعكس مشاعرها تجاه النقد، وصعوبة تحقيق التوازن بين النقد البناء والتعصب، عمق إحساسها بالمسؤولية تجاه تحسين المشهد الأدبي وتطويره. تأكيدها على أهمية النقد الموضوعي والمبني على أسس علمية يبرز عاطفتها وحرصها على تحقيق تقدير حقيقي للأعمال الأدبية.
إن أسلوب د. نادين الأسعد في التعبير عن تجاربها الإبداعية يمس القارئ عاطفياً. استخدامه للأمثلة الشخصية مثل تجربتها مع "الظلال" وتعاونها مع الفنانين يؤكد تفانيها في العمل الفني ويحفز القارئ على الشعور بالإعجاب والتقدير. كما أن إلقاء الضوء على مشاعرها حول الشعر والدراما والمسرح يجعل القارئ يشعر بالاتصال الشخصي معها، مما يعزز تجربة القراءة ويخلق رابطاً عاطفياً قوياً.
بالمجمل، هذا الحوار يقدم لنا نافذة على عالم د. نادين الأسعد من خلال تحليل منطقي وموضوعي يعكس جمالية أعمالها وتحدياتها النفسية وعاطفتها. إن توازنها بين الإبداع والفن يعزز من فهمنا لأبعاد شخصيتها ويساعدنا على تقدير تأثيرها الكبير في مجالاتها المتنوعة.
dohamol67@gmail.com