البروفيسور لويس جان كالفي لـــ «اللــواء»: «اللغة العربية الفصحى لغة القرآن وأكثر من هذا
لغة مقدَّسة فكل حرف فيها له دلالة فكرية وإحساس خاص
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
استطاع لويس-جان كالفي، مؤلف كتاب "أي مستقبل للغات؟"، رصد العلاقة بين اللغات وتطورها ضمن جدول نسبي وضعه، وذلك لوزن اللغات في عصر العولمة كأداة لقياس أوزان اللغات في العالم. وهذا أيضًا ضمن عنوان الكتاب الذي تم توقيعه في جامعة القديس يوسف بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي، بعد محاضرة ألقاها لويس-جان كالفي، شرح فيها أبرز الإشكاليات التي عالجها في بحوثه عامة، وفي كتابه خاصة، الذي قال عنه مدير مؤسسة الفكر العربي، البروفيسور هنري العويط: "الكتاب الذي صدر ونحتفل به اليوم هو كتاب 'أي مستقبل للغات؟'، يجسد هذا البرنامج الواسع للترجمات عن اللغات الأجنبية، وموضوع الكتاب هو عن اللغات، عن حرب اللغات، وعن السياسات اللغوية".
لهذا، اخترنا عملية إطلاقه بمناسبة الاحتفال الذي أعلنت عنه منظمة اليونسكو عام 1999 بتكريس تاريخ 21 شباط من كل سنة لليوم العالمي للغات الأم. طبعًا، كل دولة تحتفل باللغة التي تمثل لغتها، ونحن في لبنان والعالم العربي نحتفل باللغة العربية. قمنا بدعوة البروفيسور كالفي لإلقاء محاضرة هي من صلب تجربته الطويلة عن هذا الموضوع. لذا، كان عنوان المحاضرة "ما هي أوزان اللغات في العالم؟". أردنا في اليوم العالمي للغة الأم أن نثير التفكير حول هذه القضية التي تثير إشكاليات، لأنه يميز بين اللغة العربية الفصحى واللهجات المحلية، أو لهذا يعتبر عدد الناطقين باللغة العربية أقل مما هو حقيقة في الواقع. وقد تم شرح العديد من النقاط في هذه المحاضرة، حيث التقينا البروفيسور لويس-جان كالفي وأجرينا هذا الحوار.
- يوجد حوالي سبعة آلاف لغة في العالم، كيف يمكن قياس أوزان اللغة بالنسبة للناطقين بها؟
عادةً عندما يُطرح هذا السؤال، نقول إننا أكثر الأشخاص الذين يتلقون هذه اللغة، ولكن هناك الكثير من الطرق لقياس أوزان مراتب اللغة الأكثر استخدامًا في العالم، تبعًا لاستخدام اللغة الرسمية في كل بلد. مثل الرسم البياني الذي يعرض النسب المئوية لسكان العالم الناطقين بهذه اللغات، ووجود اللغة على الإنترنت، والترجمات، والقدرة الاقتصادية التي يتمتع بها أصحاب البلدان الذين يستخدمون اللغة الرسمية. هناك الكثير من العوامل، وقد وضعنا معيارًا أو بارومترًا، حيث يوجد 11 عاملاً لإجراء الإحصاء والتصنيف باعتماد بارومتر كالفي.
- كيف يمكن تحديد اللغات واللهجات، خاصة أنها لا تتقيد بالنحو والقواعد؟
لا أعرف إن كنتم تعرفون الكود ISO، فهو نظام عالمي يُستخدم لوزن كل اللغات، وهو المقياس العالمي للغات والموجود على مواقع الإنترنت. إذا وضعنا كلمة ISO de langue، من خلال ISO نكتشف حوالي سبعة آلاف لغة، ولكل واحدة منها كود معين أو رقم خاص. كما يمكننا أيضًا تصنيف اللغات بحسب تداولها على الإنترنت (عدد مستخدمي كل لغة على الإنترنت). ومن خلال ISO، يمكننا حسم إشكالية هل هذه لغة فصحى أم لغة عامية. تطرح اللغة العربية إشكالية مهمة، لأن الفصحى هي اللغة الرسمية المشتركة في 21 بلدًا، في حين يتحدث السكان في حياتهم اليومية بما يسمى بالعاميات. مع الكود ISO الخاص باللغات، لا توجد إشكالية في ذلك، لأن لكل من هذه اللغات رقمًا خاصًا بها. لهذا، بما يخص اللغة العربية، يوجد ثلاثون منها، مثل العربية الجزائرية أو التونسية أو اللبنانية أو المغربية، إلخ.
- لغة تُكتب ويتم التداول بها على شبكات التواصل بالأرقام، هل يمكن أن تبدل هذه الأرقام اللغات مستقبلاً؟
لا، لأن ما نكتبه في الرسائل الهاتفية السريعة أو البريد الإلكتروني لا يشكل خطرًا، لأنها ليست شفهية، وإنما تُكتب مثل الرقم 7 الذي يمثل حرف الحاء في كلمة محمد، وهذا يخص الكتابة فقط. اللغة تبدأ شفهياً ثم تُكتب، ولم نر العكس، ولا أعتقد أنها يمكن أن تشكل خطرًا.
- ما هو البارومتر الحقيقي لوزن اللغات في العالم؟
البارومتر يرصد العلاقة بين اللغات وتحديد الأهمية النسبية لكل لغة، مثلًا، هو يأخذ في الاعتبار 563 لغةً، وهي اللغات التي يتم تداولها بين أكثر من 500.000 شخص كلغة أولى، ويتم عرضه على الإنترنت من خلال موقع مؤسسة Ethnologue الإلكتروني. وبهدف تجنب الوقوع في نقاش لا جدوى منه حول فصل اللغات عن اللهجات المحلية، سنعتبر أن اللغة هي ما تم تسجيله في قائمة رموز أيزو 693. وهكذا، من خلال قالب أيزو (شريحة رقم 14) APC، تظهر اللغة العربية المشرقية على غرار تلك المتداولة في لبنان.
- ما هو المنظور الاجتماعي الذي تقدمه الثقافة للغات كافة؟ وما هي المشاعر اللغوية؟
البارومتر يرتكز على الشيء الذي يميل إلى التمثيل اللغوي. أما الشعور اللغوي، فلا يمكن قياسه. نعم، هذا النظام الإحصائي للأرقام والأشياء التي تعتمد على الأرقام. أما المشاعر اللغوية، فلا يمكن قياسها. ولعل أهم مثال في هذا الشأن هو المسلمون الذين يرون في اللغة العربية الفصحى لغة القرآن، وأكثر من ذلك، لغة مقدسة، فكل حرف فيها له دلالة فكرية وإحساس خاص لا يخضع لقانون القياس الحسي، بل يعبر عن أيديولوجية قائمة بحد ذاتها. ففي المغرب العربي، وأثناء الاحتلال الفرنسي، كان للجزائريين تعلق كبير بلغتهم العربية التي تعرضت للقمع والإلغاء من خلال فرضها كلغة رسمية في المدارس. فتمسكوا بها أكثر، ونشأ بينهم وبينها حب عظيم، وهذا ما نسميه بالإحساس اللغوي أو الشغف اللغوي.
Doha El Mol
في هذا الحوار، يتناول البروفيسور لويس-جان كالفي موضوعاً بالغ الأهمية في عصر العولمة، وهو وزن اللغات وتطورها في عالم متشابك ومتداخل. يقدم كالفي رؤية عميقة حول كيفية قياس أوزان اللغات باستخدام أدوات إحصائية ومعايير دقيقة، من خلال ما يعرف ببارومتر كالفي. يربط النقاش بين اللغة الرسمية، عدد الناطقين، وتداولها عبر الإنترنت، مما يوفر أداة قوية لفهم مدى تأثير كل لغة في الساحة العالمية.
كما يعكس الحوار تساؤلات عميقة حول الهوية والانتماء، خاصة عندما يتعلق الأمر باللغات. اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي عنصر أساسي يشكل جزءاً من الهوية الفردية والجماعية. يسلط الحوار الضوء على كيفية تأثير اللغة الفصحى واللهجات المحلية على الشعور بالانتماء والتفاهم الثقافي. يمثل الشعور اللغوي، الذي يناقشه البروفيسور كالفي، تجسيدًا للعاطفة والتعلق العميق الذي يشعر به الأفراد تجاه لغاتهم، مثلما يظهر في المثال المغربي، حيث تصبح اللغة رمزًا للصمود والمقاومة الثقافية.
يقدم هذا الحوار مادة غنية للتأمل في مفهوم اللغة ككيان حي وديناميكي. يعبر البروفيسور كالفي عن العلاقة بين اللغات بطريقة تشبه إلى حد كبير رواية تُروى عبر الأجيال. يشير إلى أن اللغة ليست ثابتة، بل تتغير وتتكيف حسب السياق الاجتماعي والثقافي. التصنيف الذي يقدمونه يذكرنا بالحبكة الأدبية المعقدة، حيث تتداخل اللغات وتتشابك في دراما عالمية واسعة.
استخدم الأمثلة والرموز لتوضيح النقاط الرئيسية. كما استخدم مصطلحات مثل "بارومتر كالفي" و"كود ISO" يعزز من دقة التحليل ويعطيه طابعًا علميًا موثوقًا. كما أن استخدام الأمثلة العاطفية، مثل تعلق الجزائريين بلغتهم العربية أثناء الاحتلال الفرنسي، يعزز من تأثير الرسالة ويجعلها أكثر قربًا للقارئ. يعكس الأسلوب البلاغي قدرة على الجمع بين الجوانب التقنية والعاطفية في النقاش، مما يجعل الرسالة أكثر جاذبية وفعالية.
تجسد المحاضرة وأمثلة البروفيسور كالفي صراعًا إنسانيًا أعمق من مجرد الأرقام والمعايير. تكمن جمالية اللغة في قدرتها على الجمع بين العلم والشعور، بين الإحصائيات والمشاعر. اللغة ليست مجرد مجموعة من القواعد والأحرف، بل هي حياة وأمل وشغف. تثير المحاضرة تساؤلات حول قيمة اللغة في حياة الإنسان وكيف يمكن لها أن تكون منارة ثقافية تشع بالمعنى والهوية في وجه التحديات العالمية.
من خلال هذا التحليل، نرى كيف يمكن للغة أن تكون أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ فهي نافذة على الروح الإنسانية وأداة لفهم أعماق المشاعر والتجارب الثقافية.
dohamol67@gmail.com