ناثانيل راكو لـــ «اللــــواء»: «القلب الحقيقي للمدينة لا يكمن في مبانيها، بل في المساحات بينها وبين الأشخاص الذين يستخدمون هذه الأماكن ويسكنونها»
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
بدايةً، سأبدأ بالمقال الذي كتبته عن أعماله، ثم أستكمله بحواري معه.
استخراج قيمة الشكل من خلال الضوء في أعمال الفنان البريطاني ناثانيل راكو
يقدم الفنان البريطاني ناثانيل راكو Nathaniel Rackowe هياكله المعمارية الكبيرة ومنحوتاته التي تؤكد على جماليات المدن الحديثة وفق انطباعات التخيلات الهندسية الحديثة لتصورات الأماكن زمانيًا، مستخدمًا العناصر الضوئية لتمثيل الحركة وفق المواد الصناعية المستخدمة. وتحويل البصر إلى أزمنة قديمة وحديثة تنهل من الضوء ما يجعلها في حيوية دائمة أو حركة بصرية تدمج المواد الصناعية مع الحسية أو الضوئية، وبمرونة توحي بحضارات تعتمد على الحركة المرتبطة بالمادة، أو تلك التي تزيل جمود المادة البنائية في فن العمارة الكلاسيكي، ولكن ضمن خطوط الضوء والمادة معًا. ليخلق نوعًا من الإبهار أو الدهشة التي تعتمد على الأبعاد الضوئية، ومن ناحية أخرى تلك التي تحتاج إلى العتمة لإظهار فروقات التصميمات أو انسيابية الهياكل المعمارية أو المجسمات وأبعادها الفنية.
تضفي أعمال الفنان البريطاني ناثانيل راكو على المساحات ديناميكية تختصر الكثافة التي تزيلها فكرة الضوء النابعة من الطبيعة المتغيرة للأشياء التي يمثل الضوء نقطة انطلاق لها، إذ يعيد لها التجدد المستمر وفق المتغيرات البصرية التي يحدثها الضوء، وإن بشكل اصطناعي. إلا أنه يجذبنا نحو عامل العتمة والضوء والتضاد بينهما، أو بالأحرى ما يخفيه الليل ويظهره الضوء بجمالية تمثل السلبي والإيجابي، أو استخراج قيمة الشكل من خلال الضوء، وهذا ما يحدث عند الفجر حين انسحاب العتمة من الضوء كتسلل جمالي فطري. وهذا ما يؤكد عليه ناثانيل راكو في أعماله التركيبية ذات التقنية الحديثة المعتمدة على الضوء الاصطناعي. لكنها قادرة على التمسك بضوء الليل والنهار، حيث تختفي المدن في النهار وتظهر جماليتها في الليل، أو العكس. حقيقةً، لا أعرف مدى قيمة هذه الأعمال مستقبلًا لأنها تبشر باختزال الكثافة السكانية، أو بالأحرى كثافة الأبنية السكنية في المدن الكبرى. لتكون الأبنية ليلاً هي منحوتات قدمها ناثانيل راكو لجيل قادم وقادر على تطويرها كيفما يشاء. فهل تفاوت الضوء وأحاسيسه الشاعرية في الحياة المعاصرة هو المدن المتحركة التي تختفي نهارًا وتظهر جمالياتها ليلًا في زمن قادم؟
يستغل راكو المساحات الممتدة ليوزع عليها النقاط كالبذور لنباتات يضعها في أرض خصبة تثمر كل حبة فيها آلاف الوحدات الضوئية الشغوف بها، وبذلك كل نقطة على مساحة معينة هي مجسم يجمل العديد من الخلايا الضوئية الحية، وبذلك يفتح المدن على الاستقطاب السكاني غير المؤذي بيئيًا، لأنه يلغي المساحات الواسعة للأبنية، ويختصرها بنقطة تحمل آلاف الخطوط المتوازنة ضوئيًا، والمتوائمة مع المادة وجاذبية الأرض، وبالتالي هو يتلاعب على التوازن من خلال المساحة. ربما! القارئ قد يجد صعوبة في فهم مقالي ما لم يشاهد أعماله، لأنه يختصر كمية المادة من خلال الضوء، وببساطة شديدة هي قوة النقطة في مساحة يعتبرها قاعدة للخطوط وللكتلة من بعدها، وربما في هياكله الشبيهة بالورق البلاستيكي المموج تفاعلات بصرية تخيلية تأخذنا نحو عالم من ضوء وعتمة، أو من أحاسيس مادية وحسية، ومعنوية ذات بصمة فنية تتميز بالحركة الواسعة في مكان ضيق. فهل تمثل غرابة التخيلات الفنية حقيقة وجودية لمدن لن نرى جمالياتها مستقبلاً في النهار، أم هي دراسات فنية يقدمها ناثانيل راكو وفق تصوراته للمادة والضوء وتفاعلهما معًا؟
أن تقوم المشاريع الكبرى في المدن على فكرة الضوء، هذا يعني أن الكثير من الخيال العلمي قد تم استخدامه لتوفير مساحات شاسعة يرتاح لها البصر، ويتركها في فضاءات متخيلة تبعث على الاسترخاء للخروج من قسوة المادة، وتساعد على الابتكار والاستجمام البصري في آن. إن ما عرضه ناثانيل راكو (Nathaniel Rackowe) في بيروت هو كيف يرى المدن مستقبلاً، وتحديدًا كيف يرى مدينة بيروت بين الليل والنهار، وإظهار فروقات الاكتظاظ في الأبنية بين العتمة والضوء. وهذه لعبة ناثانيل راكو الذي استطاع التقاط تغيرات الضوء والعتمة عند الفجر أو في مرحلة المغيب، وفي الأمرين بنى تصاميمه على اختصار مساحات الأبنية في المدن الكبرى. ومع الفنان البريطاني ناثانيل راكو، أجريت هذا الحوار:
- الشكل من خلال الضوء بين معنى الأشياء وتحديث المادة ديناميكيًا، ما رأيك؟
غالبًا ما يأخذ عملي الفني موادًا يمكن التعرف عليها كنقطة بداية، وفي الواقع، كل واحدة من هذه المواد لها وظيفتها الأصلية الخاصة بها ومعناها أو ما ترمز إليه. ترتبط المكونات التي أستخدمها بالأسس البنائية للمدن ومدى ارتباطها بالبيئة المبنية. على سبيل المثال، كتل الأسمنت، وألواح التسقيف، والطلاء الصناعي، وعوارض الصلب. ومن خلال دمج هذه المواد مع الضوء، أتمكن من تحويلها وكشف جمال جديد. أعطي هذه المواد معنى جديدًا وجمالية جديدة.
- هل ترسم مدنًا حديثة التصميم تعتمد على ضوء النهار والليل؟
أنا مفتون بكيفية تحول المدينة بين الليل والنهار. إنها ساعة التحول، لحظة الغسق والفجر في مدينة، هي الأكثر كثافة مع إمكانيات العثور على الجمال الخفي للمدينة. عملي، على الرغم من أنه حاد، فهو رومانسي نابع من القلب. إنني أسعى إلى مساعدة الناس على النظر بعينين جديدتين إلى المدينة التي يعرفونها، ومع هذا المعرض في بيروت، واكتشاف تلك اللحظات المتسامية التي ستسمح لهم بالنعومة أو الإحساس بالرخاء في محيطهم.
- كل نقطة عبر الفضاء تشكل فكرة. كيف توازن وزن المادة وتحريكها من خلال الضوء؟
هناك الكثير من التحديات العملية الصعبة مع الجمع بين الضوء والهيكل. إن الأعمال الفنية التي تم تقديمها كجزء من عرضي الفردي، شكل المدينة «The Shape of a City»، في «Letitia Gallery Beirut»، تقترب من هذا الموضوع بطرق مختلفة. مع سلسلة بلوك بيروت، يتم إنشاء الضوء كهيكل قائم بذاته حول كتل بناء خرسانية حقيقية موجودة في المدينة. ولكن مع المنحوتتين العامتين اللتين أقدمهما في وسط بيروت، فإن الضوء والهيكل أكثر تكاملاً. مع السقيفة السوداء الموسعة على سبيل المثال، يكاد الأمر كما لو أن الضوء نفسه يدفع الهيكل بشكل منفصل، وهو السبب الحرفي لتفكيكه.
- مادة وضوء وتحديث في مستقبل يمكن أن تتألف منه المدن الجديدة، ما رأيك؟
إن أعمالي الفنية موجودة كنقد للمدن، لكن ليس كعمل غير مؤهل أو يائس. لدي ثقة، فضلاً عن سحر، في. لقد تأثرت كثيرًا بالخيال العلمي، ولذا فإن تخيل ذكرى المستقبل هو شيء أعتبره كثيرًا. إن دمج الضوء، وكذلك فهم كيفية استخدام الناس للبناء أو كيفية تشييد البناء، أمر حيوي لخلق المساحات الحضرية المستقبلية التي نحتاج إليها. لدي في بيروت الكثير من العمل الذي يتعين القيام به في هذا الصدد، وهذا سيحدث فقط إذا بدأ الاستثمار العام في إحداث تأثير كبير في المدينة، كما حدث في المشاريع المملوكة للقطاع الخاص. يجب أن تكون المدينة لأشخاصها. المساحات العامة، والمساحات للمشي، والتجمع، والمباني التي تلهم وتُعد ديمقراطية. هذه الأشياء هي دماء الحياة في أي مدينة. بالنسبة لي، فإن القلب الحقيقي للمدينة لا يكمن في مبانيها، بل في المساحات بينها وبين الأشخاص الذين يستخدمون هذه الأماكن ويسكنونها كل يوم.
- ماذا تقول لمدينة بيروت؟
كانت مدينة بيروت مصدر إلهام كبير بالنسبة لي، وهذا يعود إلى عام 2009 عندما قضيت شهرين هناك في إقامة فنية (مع مؤسسة دلفينا) بحثًا، ورسمًا، وصنعًا للفن. يبدو أن المعرض الذي أقيم في بيروت الآن يشبه تراكم تسع سنوات من عملية التفكير! بيروت هي مدينة تبدي بكل فخر تاريخها المعقد في نسيج بنيتها المبنية، من الفيلا القديمة ذات الطراز الفرنسي، إلى الارتفاعات العالية المهجورة، إلى العمارة العالمية الجديدة المثيرة التي يتم تشييدها. كل مرحلة ومرحلة من المدينة مرئية إذا كنت تعرف كيف تنظر إليها، وهذا هو ما أحب قوله حول هذا الموضوع. مثل الناس الذين يعيشون هناك، فإن المدينة تفخر بما هي عليه، وما كانت عليه، وما ستصبح إليه.
Doha El Mol
أعمال ناثانيل راكو تركز على إدماج الضوء مع العناصر المعمارية لخلق تجارب بصرية ديناميكية. من خلال استخدام المواد الصناعية والضوء الاصطناعي، يقدم راكو تجسيدًا مميزًا للمساحات الحضرية، حيث يتمثل في أعماله تحويل الكتل المادية الجامدة إلى تجارب ضوئية حيوية. يدمج بين مواد مثل الأسمنت والصلب والطلاء مع الضوء لتطوير شكل جديد من التعبير الفني.
يتعامل راكو مع العلاقة بين المادة والضوء بطريقة غير تقليدية. لا تقتصر أعماله على إظهار جمالية المواد بحد ذاتها، بل تهدف إلى تسليط الضوء على تفاعلها مع الضوء لخلق تأثيرات بصرية تجمع بين الثبات والحركة. هذا التفاعل يعكس تحول المدينة بين الليل والنهار، ما يبرز جماليات مخفية تُكشف بواسطة الضوء.
يستخدم راكو الضوء والعتمة للتعبير عن تناقضات داخلية في التجربة الإنسانية. الضوء يمثل الوضوح والتجدد، بينما العتمة تشير إلى الغموض والهدوء. من خلال التلاعب بهذه العناصر، يخلق راكو تأثيرات تشجع المتلقي على استكشاف مشاعره وأفكاره الشخصية حول التغيير والتحول.
التجارب البصرية التي يقدمها راكو قد تؤدي إلى استجابات نفسية متنوعة. يمكن أن يشعر المشاهدون بالإثارة من الأشكال المتغيرة والمعقدة، أو بالتأمل والهدوء نتيجة لاستخدام الضوء والعتمة لإظهار جماليات جديدة. تفاعلهم مع العمل قد يتغير بناءً على توقيت المشاهدة (نهارًا أو ليلًا) وحالة المزاج الشخصية.
أعمال راكو تتسم بالجمالية الحركية التي تنبثق من تفاعل الضوء مع المادة. المنحوتات التي يصممها ليست ثابتة، بل تعكس حركة وتغير في الطريقة التي يتفاعل بها الضوء مع الأشكال، مما يخلق تجربة بصرية ديناميكية. الجمالية هنا تأتي من توازن الضوء والعتمة وتأثيرهما على فهم المشاهد للفضاء.
من الناحية الفنية، راكو يتلاعب بالأبعاد من خلال الضوء والعتمة لخلق عمق بُعدي في أعماله. التقنيات المستخدمة تمزج بين العمارة والمجسمات الضوئية لخلق تأثيرات متعددة الأبعاد، مما يضيف إلى العمل الفني أبعادًا جديدة في كل مرة يُنظر إليه.
يمكن النظر إلى أعمال راكو من خلال الهندسة الضوئية. استخدامه للضوء في تشكيل المواد يمكن تحليله باستخدام معادلات الانكسار والانعكاس، حيث يمكن قياس تأثير الضوء على الأسطح المختلفة واستخدام الرياضيات لوصف كيف تتغير الإضاءة والشكل بتغير الزاوية والموقع.
يمكن استخدام التحليل الرياضي لقياس كيف يؤثر الضوء على الأبعاد المختلفة للعمل الفني. على سبيل المثال، يمكن استخدام معادلات الهندسة لتحليل كيفية تشكيل الضوء لظلال وأشكال جديدة على أسطح العمل، وكيف تؤثر هذه الأبعاد على التجربة البصرية للمشاهد.
يستخدم راكو التوزيع الضوئي بطرق متعددة لتعزيز جمالية أعماله. من خلال تحليل رياضي لتوزيع الضوء، يمكن دراسة كيفية تأثير كثافة الضوء واتجاهه على الأشكال المختلفة، وكيف يمكن لهذه التأثيرات أن تخلق تجارب بصرية متغيرة.
أعمال ناثانيل راكو تدمج بين الأسس النفسية والفنية والعلمية لتقديم تجربة بصرية معقدة وجذابة. من خلال التلاعب بالضوء والمواد، يخلق راكو بيئات فنية تتفاعل بشكل ديناميكي مع المشاهدين، وتستفز تأملاتهم حول جماليات المدينة وتحولاتها بين الليل والنهار. التحليل العلمي الرياضي يوفر أدوات لفهم كيف يؤثر الضوء على الأشكال ويشكل تجربة المشاهدة، مما يعزز الفهم العميق لفنه وتأثيره على المشاهد.
dohamol67@gmail.com