الشاعرة جوليت أنطونيوس للواء: "قصيدة شيء منّي هي الحفاظ على التواضع والقيم الإنسانية التي تمثّلها زهرة الياسمين"
حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل
انطلق الفعل في عنوان ديوان "اغمض عينيك لتراني" للشاعرة جوليت أنطونيوس عبر المخيلة، لتستفز القارئ بكلمات تحمل من نفحات الأنثى ما تعطر به ديوانها من سمات الحب والغزل والجمال، وبدعائم الصور الشعرية الرقيقة في ارتسام المعاني الصالحة لخدمة النغمات التي تنبعث من جمالية المفردة في القصائد التي قدمتها في هذا الديوان. ومع الشاعرة جوليت أنطونيوس أجريت هذا الحوار.
- جوليت أنطونيوس ولغة الشعر التي تتحرر منها وتتمسك بها، لماذا؟
بالنسبة لي، لغة الشعر تحرّر نفسها بنفسها. فهي، أولاً، تنبع من الداخل، تنطلق كثورة لتشقّ طريقها نحو الحرية. أما أنا، فما عليّ إلا أن أستسلم إلى نبضها الذي يفرض إيقاعه الخاص عليّ. أحيانًا يكون ذلك الإيقاع متمرّدًا، مندفعًا، غير مقيّد وربما يكون فوضويًا، وأحيانًا يأتي ملتزمًا، متأثرًا بما تختزنه ذاكرتي من موسيقى القصيدة الملتزمة وسحر إيقاعها. وفي كلتا الحالتين، لا أحاول أن أخضعها. فما يميز القصيدة برأيي لا يتعلّق بالشكل أو القالب فقط، وإنما بقدرة القصيدة على التحليق وتحقيق الانزياح الإبداعي بتجدد وحيوية وفرادة، بحيث تتمكن من شدّ انتباه القارئ إليها وإشباع ذهنه وحواسه بما يغني ويُمتع. وربما ذلك يفسر التنوع في قالب القصيدة.
- إيحاءات كثيرة في كتابك "اغمض عينيك لترى" تتغنى بالياسمين واستيراد الزهور، هل تؤدي رسالة في قصيدة؟
بالنسبة لي، الفن بالإجمال هو بحد ذاته رسالة جمال ووجود، وخاصة الشعر. أما رسالتي في قصيدة "شيء منّي"، فهي الحفاظ على التواضع والقيم الإنسانية التي تمثّلها زهرة الياسمين، التي ربما لو نظرنا إلى بتلاتها الصغيرة وحجمها المتواضع وتأملنا في قدرتها على محاربة الظروف الطبيعية القاسية وكمية العطر الفائح منها، الذي يفرض نفسه حيثما وُجد، لأدركنا فعلاً أن القدرة على الخلق والإبداع والحفاظ على خصوصية مجتمعنا، بعيدًا عن المظاهر والتباهي واستيراد الأفكار، لا تحتاج منا إلا القليل من قوة وتواضع الياسمين، وربما قد نستغني عند ذلك عن استيراد الأوركيد.
- رومانسية واعية ومعنى تمسك بالنقد الاجتماعي والسياسي وما إلى ذلك، لماذا؟
الشعر عاطفة غير واضحة، عاصفة علوية تجتاح مخيلتي، فتحولني إلى طائر يجوب فضاءات نفسي ليُخرج من أقصى أعماقي أسرابًا من الخفايا تتجول بين السطور لتتحول إلى أحاسيس رومانسية واضحة، ولكن ذلك لا يلغي وجود الوعي الاجتماعي. فأنا ابنة هذا المجتمع، وبيئة الإنسان تشكّل جزءًا مهمًا من شخصيته وسلوكه وثقافته، وبالتالي من الطبيعي أن أتفاعل مع محيطي وأعبّر عنه من خلال رؤيتي الشخصية وتفاعلي الإنساني والوطني. فالتجربة الشعرية برأيي تنطلق من الانفعال الذاتي ورؤية الشاعر المعنوية للأشياء أو الأحداث أولاً، ثم تمتد إلى الخارج فتسمو به. هي شرفة ننظر من خلالها إلى الواقع بشكل مغاير في محاولة لفك قيوده، وليست خروجًا مطلقًا عنه.
"- اغمض عينيك" هل هي لغة الخيال أم هي واقع المرأة؟
قد تكون لغة الخيال بالنسبة للمرأة إبحارًا مؤقتًا خارج حدود الواقع، ولكنها بالتأكيد ليست واقع المرأة. المرأة هي لغة الحياة وصميمها، وجديرة بعيش الواقع بعينين مفتوحتين دون خوف. قد تحتاج أحيانًا أن تغمض عينيها قليلاً كي يسقط الإبهار الخارجي في لحظة مواجهة مع حقيقة الذات التوّاقة إلى التجرد، فتستمد القوة من ذلك الضوء الداخلي غير المحدود. هي تحتاج للحظة تأمل وحلم ترتفع فيها لتعود أكثر تصميمًا برؤية أكثر وضوحًا ونضوجًا تجعلها تتقدم بثبات نحو واقع أفضل.
- هل من ديوان قادم؟
إن شاء الله، هناك ديوان جديد ولكنه يحتاج للمزيد من الوقت.
Doha El Mol
يعكس الحوار تفاعلًا فلسفيًا بين الشاعرة والمقابِلة حول طبيعة الشعر وتجربته. الشاعرة تؤكد أن لغة الشعر تحرّر نفسها، وأن الشاعر لا يسعى لفرض قيود على إيقاع القصيدة، بل يتجاوب مع نبضها. هذه الفكرة تدل على اعتراف الشاعرة بالقوة الداخلية للقصيدة التي تتجاوز الشكل والقالب لتصل إلى جوهر التعبير الفني. كما توضح الشاعرة دور الشعر في تحقيق التوازن بين التزامن مع الإيقاع الداخلي والتحليق إلى فضاءات جديدة، مما يدل على فهم عميق لطبيعة الإبداع الشعري.
يُبرز الحوار اهتمام جوليت أنطونيوس بتكريس الشعر كوسيلة للحفاظ على القيم الإنسانية والتواضع، كما يتضح من تفسيرها لقصيدة "شيء منّي" التي تستلهم زهرة الياسمين. تركز الشاعرة على أن الفن، وخاصة الشعر، هو تعبير عن جمال ووجود متصل بالتواضع والصدق بدلاً من التفاخر والمظاهر. هذا المنظور يعكس التزامًا قويًا بالقيم الإنسانية ويعزز من أهمية الفن في معالجة قضايا اجتماعية وثقافية بطريقة عميقة وملهمة.
تعكس كلمات الشاعرة علاقة عميقة بين الشعر والحالة النفسية. الشاعرة تصف الشعر كعاطفة غير واضحة تتحول إلى رومانسية، لكنها تؤكد على الوعي الاجتماعي والالتزام بالقيم. يشير هذا إلى تداخل عوالم الإبداع والشعور الداخلي، حيث يسعى الشاعر لتفريغ أحاسيسه الشخصية من خلال عمله، بينما يظل ملتزمًا بواقع اجتماعي وسياسي. يُظهر هذا الجانب من الحوار كيف أن الإبداع الشعري يمكن أن يكون وسيلة للتعبير عن مشاعر داخلية معقدة بينما يحافظ على اتصال مع قضايا أوسع.
يقدم الحوار رؤية عميقة للروح الفنية لجوليت أنطونيوس. تستحضر الشاعرة صورة الياسمين كرمز للتواضع والقوة الإبداعية، مما يعكس كيفية استخدام الرموز الشعرية لتمثيل مفاهيم أعمق. تعبيرها عن "لغة الخيال" و"واقع المرأة" يبرز التوتر بين الخيال والواقع، وبين الذات والتجربة. الشاعرة لا تكتفي بالتصوير التقليدي للشعر بل تتناول أيضًا كيف أن الخيال يمكن أن يكون ملاذًا من واقع الحياة القاسي، بينما يبقى مرتبطًا بالوجود الحقيقي. هذا التوازن بين الخيال والواقع يعزز من عمق الرسالة الشعرية ويعطي القارئ فرصة للتأمل في طبيعة الإبداع والتجربة الإنسانية.
الحديث مع جوليت أنطونيوس لا ينتهي وهو ممتع من خلال قدرتها على التوازن بين الرومانسية والوعي الاجتماعي. استخدامها لصور شاعريّة مثل زهرة الياسمين والتعبير عن القيم الإنسانية عبر الشعر يمكن أن يلامس القلوب ويحفز التفكير العميق. الشاعرة تقدم نموذجًا ملهمًا للفنان الذي يسعى لإيصال رسالة ذات مغزى عبر فنّه، مما قد يشجع القارئ على التفكير في كيفية تفاعلهم مع الفن والقيم الشخصية والاجتماعية. كما أن الشاعرة تعتمد على عمق رؤيتها الفنية وتجربتها الشخصية لخلق أعمال شعرية تتسم بالإبداع والصدق، مما يجعلها تجربة مثيرة وملهمة للقراء الذين يبحثون عن اتصال أعمق مع الفن والشعر.
dohamol67@gmail.com