الفنان أحمد حسين الزعيم في حوار خاص :"الخامات المستخدمة في العمل هي من تخلق هذه الحبكة"

ضحى عبدالرؤوف المل

. تستمد الحركة غير المستقرة واللامتناهية في أعمال الفنان العراقي أحمد حسين الزعيم فيزيائيتها من تعاقب الأبعاد والخطوط، وانسجام الضوء مع الزوايا والنشوء الضوئي المعتم الخافت والمضيء. حيث توحي رسوماته برومانسية جمالية ذات خصوصية إيقاعية تؤدي فاعليتها المتناهية واللامتناهية من حيث الجمال الهندسي، والفيزيائي، والبصري المتآخي مع المساحة والشكل الذي يمنحهما الأهمية الكبرى في بناء اللوحة المختلفة في خاماتها الأولية، أو بالأحرى المادة التكوينية ذات العناصر المتناقضة. إلا أن الحس في المحاور الرأسية والأفقية التي بنى عليها تصميماته التشكيلية الموزعة توزيعًا هندسيًا هي بمثابة لغته الخاصة في التشكيل المحبوك بصريًا. ليوحي بالكم والكيف لانعكاسات تتكاثر فيها الخطوط، فالهيكل البنائي للوحة هو مساحة متينة بصريًا ومحبوكة بأسلوب فني هندسي يجمع التصوير مع الفكر الهندسي والرياضي بمرونة تثير البصر والحس الوجداني، وتعصف بذهن المتلقي برشاقة مضمونية خلاقة، وبتعبيرات فنية تحمل من التراث العراقي رسالة تاريخية تتجدد مع كل رؤية تبعًا للشكل، والمساحة، واللون، والفراغ، والخطوط وانعكاساتها، ومرئية الظل الحر كالمتوشح ببنية تتضاد فيها الضوئيات المرئية الانعكاسية، كالمرايا المقعرة أو المسطحة، وما توحي به من خفوت، وشدة، وتوازنات تتأثر بها كل من المساحة والشكل. فالصراعات الخطوطية المختلفة في الطول والقصر تثير البصر، وتجعل المتلقي في حالة ارتباك، محاولًا بذلك الفنان أحمد حسين الزعيم منح الصورة إيضاحات رؤيوية تتضح عند إعادة النظر للوحة في كل مرة.

مميزات وخصائص تنبع من قوة اتجاهات الخطوط وتأثيرها الجمالي على مضمون اللوحة أو الصورة الأساسية التي أراد الفنان أحمد حسين الزعيم إيصالها إلى المتلقي، أو بالأحرى للزمن المستقبلي، تاركًا للحاضر زمنيته الإيحائية، ليختصر الكثير من المعاني التي تنشأ من خصوصية الصورة والأسلوب المتعدد الخامات. لهذا كان هذا الحوار مع الفنان العراقي أحمد حسين الزعيم:

- تعطي أهمية للمساحة والشكل في لوحاتك، ألا يشكل هذا صعوبة ما في تنفيذ اللوحة؟

لا تشكل أي صعوبة عندي، بالعكس أنا أجد حرية أوسع في إيصال المضمون للمتلقي من خلال تلك المساحات.

- تتراى الأبعاد وفق انعكاسات مرئية متعددة، كيف هذا؟ ألا تخاف من صعوبة قراءة لوحاتك من قبل المتلقي؟

تعدد الخامات المستخدمة في العمل هي من تخلق هذه الحبكة. لم أجد أي صعوبة عند أي متلقي.

- رصانة الألوان في لوحاتك تثير دهشة الحواس، هل تعكس ذلك من خلال التوافق والتباين؟

يعتمد هذا على المضمون. أحيانًا تجدين توافقًا وتباينًا وانسجامًا، وأحيانًا طبيعة المضمون تنتفض على كل الثوابت.

- ماذا يريد الفنان أحمد حسين الزعيم أن يقول من خلال لوحاته التشكيلية المتعددة الخامات؟

في زمن التكنولوجيا وتطور التصوير، على من يؤمن بأنه في مشروع فنان أن ينتج أشياء تعجز عن إنتاجها الكاميرا أو برامج الرسم الرقمي.

- تشكل الخطوط الهيكل البنائي للوحة، هل تعتمد على نظم ثابتة أم أنها وليدة عفوية فنية؟

للخطوط أهمية مقدسة عندي، أكيد يعتمد على نظم ثابتة ودقيقة جدًا. أنا لا أميل إلى العفوية في الخط. يمكن أن تكون لي سياحة وجدانية لونية باللوحة أكثر من الخطوط.

- خطوط وهمية تحدد نهايات وبدايات لأكثر من شكل نراه في اللوحة، لماذا كل هذه التعقيدات الهندسية في لوحة واحدة؟

طبيعة المضمون وتعدد الخامات وتعدد آليات الاشتغال في اللوحة الواحدة هي من تخلق ما تسميه التعقيدات الهندسية، وهي سبب مهم في خلق تلك القراءة المتنوعة عند المتلقي.

- تراثيات نفذتها بأسلوب رصين ذي أوجه فنية متعددة، هل من خداع بصري إيجابي في هذا؟

الرسم على سطوح مختلفة التكوين والملمس يمكن أن يخلق أحيانًا هذا الخداع البصري النسبي، وبالتالي يخلق عنصر الديناميكية.

- ما هو اللون الذي يجذبك نحوه لا إراديًا؟

البنفسجي.

- ما هو الشكل التراثي العراقي الذي تحتفظ فيه بالذاكرة ولم ترسمه بعد؟

أحتفظ بالكثير جدًا، وهو قليل أمام بلد عمره سبعة آلاف سنة. لذلك أنا أحرص على أن أنتج (الشكل) باللوحات المرسومة أجمل عندي من أن أرسمه بالكلمات.

- ما من استقرار حركي ثابت في لوحاتك، وكان الفنان أحمد حسين الزعيم تأثر بالأوضاع المهيمنة على العراق والبلاد العربية الأخرى، هل هذا صحيح برأيك؟

لا أنكر أنني متأثر بما يحصل، لكن ما يجعلني مطمئنًا جدًا هو أن الهوية العراقية والعربية باقية ببقاء الإنسان العربي. وهذا ما تسميه عدم استقرار حركي هو جاء نتيجة تكوين شكل العمارة الرافدينية أو البغدادية، لم يكن له أي صلة بالأوضاع.

- كلمة تقولها للبنان الذي استضاف معرضك من خلال المركز الثقافي العراقي؟ أو ما هي اللوحة العراقية التي تهديها للبنان؟

شكرًا وانحني احترامًا لهذا البلد الجميل بكل شيء. اللهم يحفظه من كل شر. وشكرًا للمركز الثقافي العراقي وكل العاملين فيه. وشكرًا لمؤسسة ميزوبوتاميا للتنمية الثقافية. لوحة النخلة العراقية أجمل هدية للبنان، شجرة الأرز، لأن كلاهما عنوان الحياة والجمال.

Doha El Mol

الفنان أحمد حسين الزعيم يعبر عن فلسفته الفنية من خلال استخدامه المتقن للخامات والتقنيات المختلفة، حيث يشير إلى أن الحركة غير المستقرة في أعماله تستمد فيزيائيتها من الأبعاد والخطوط والتفاعل بين الضوء والظل. هذا يعكس وعيًا عميقًا بتركيبة العمل الفني وأثره على المشاهد. فهو يتعامل مع اللوحة كمساحة حية يتم تنسيق العناصر فيها بدقة لتحقيق تأثير بصري وجمالي معين.

يشير الزعيم إلى أنه لا يعتمد على العفوية، بل يتبع نظمًا ثابتة ودقيقة. هذا يؤكد نهجه المنظم والمخطط بدقة في العمل الفني، وهو ما يجعله قادرًا على خلق تأثيرات بصرية معقدة ومثيرة. يبرز الحوار أيضًا كيفية دمج التراث العراقي ضمن تقنيات حديثة، مما يعكس قدرة الفنان على دمج الأصالة مع الحداثة . كما يوضح أن تعدد الخامات والتقنيات لا يشكل صعوبة في قراءة لوحاته، بل على العكس، فهي تساهم في إغناء تجربة المشاهدة. وهذا يوضح أن الفنان يهدف إلى تحفيز القارئ على التفاعل العميق مع العمل بدلاً من تقديم رسالة بسيطة وسهلة الفهم.

يشير الحوار إلى أن الفنان يعبّر عن تجاربه وتصوراته الشخصية من خلال أعماله، مما يعكس طبيعة العمل الفني كوسيلة للتعبير عن الذات. تطرقه للموضوعات التراثية والرموز العراقية يعكس ارتباطه العاطفي العميق بجذوره وتاريخه. الفنان يحرص على أن تكون أعماله محملة بكم من المعاني والمشاعر، مما يفرض على المشاهد أن يكون في حالة تأمل وتجربة انفعالية لفهم الرسائل العميقة. هذا يمكن أن يثير مشاعر مختلفة في المشاهد، مثل الإعجاب، الحيرة، أو التأمل.

الزعيم يبرز استخدام الألوان والخطوط بشكل يثير دهشة الحواس، مع التركيز على التوافق والتباين. يتضح أن الفنان يستخدم الألوان لخلق تأثيرات نفسية وبصرية، ويعتبر اللون البنفسجي مثالًا على جذب الانتباه لا إراديًا. كما أن الأعمال الفنية للزعيم تتضمن عناصر بصرية متعددة، مثل التباين بين الضوء والظل، وتعدد الأبعاد، مما يعزز من القدرة على جذب الانتباه وإثارة التفكير. الخداع البصري والتعقيدات الهندسية في لوحاته تساهم في خلق تجربة بصرية غنية ومعقدة. فالحوار يعزز من فهم القارئ لتقنيات وأفكار الفنان، مما يعزز تقديره لأعماله. من خلال شرح فلسفته ومنهجيته، يساعد الفنان القارئ على رؤية العمل من زوايا متعددة، ويجعلهم أكثر حساسية للأبعاد الفنية في اللوحات. ويؤكد من خلال الحوارعلى جوانب مثل التراث والتكنولوجيا وتفاعل الأبعاد يعزز من قدرة القارئ على التفكير النقدي حول كيفية تأثير الفن على المجتمع وكيفية تطوره. الحوار يساهم في زيادة الاهتمام بالفن التشكيلي وتقدير التعقيدات والإبداع المرتبطين به. كما أن التركيز على الجوانب التراثية والتاريخية في أعمال الفنان يعزز من الاتصال العاطفي بين القارئ والفن، مما يجعله يشعر بالتقدير والاحترام لثقافة وتاريخ معين.

بالنهاية الحوار مع الفنان أحمد حسين الزعيم يكشف عن عمق تفكيره الفني واهتمامه بالتراث والتقنيات، ويعزز من قدرة القارئ لهذا الحوار والتحليل على فهم وتقدير الأعمال الفنية بشكل أعمق.

dohamol67@gmail.com