المخرج كارل غوغ لمرايا: "إذا أردنا إخراج وثائقي عن لبنان، فلن يتمحور حول فكرة سياسية."
حوار مع مخرج الوثائقي "بعد غد" (After Tomorrow) كارل غوغ (Carl Gough)، حاورته ضحى عبدالرؤوف المل.
حمل المخرج كارل غوغ مع زميله توفيق بيهم بطاقة دعوة سياحية إلى الآثار في مدينة البتراء الأردنية، برؤية وثائقية ذات وجهين. استطاع تذليل صعوبتها لتكون بمثابة دعوة مفتوحة لرؤية جمال البتراء بواقعية وموضوعية وثائقية بعيدة عن الرتابة. وبتقنية إخراجية أضاف لها مع زميله أسلوبًا وثائقيًا معاصرًا انفرد به كل منهما، حيث أظهرا ديناميكية خفيفة الظل في وضع المشاهد بلعبة الدخول والخروج إلى البتراء، تاركين انطباعًا جماليًا في نفس المشاهد وبالاستمتاع بهذا الوثائقي الذي يدعو إلى السلام بين الناس.
فيلم "بعد غد"، هل هو مخطط له مسبقًا أم هو تصور ذهني تلقائي استطعت من خلاله خلق مادة وثائقية؟
بداية كانت عبارة عن فكرة تصوير فوتوغرافي، ثم تبلورت الفكرة في إخراج فيلم وثائقي عن هؤلاء "البدو" الذين يعملون في السياحة، لأننا وجدنا القصة شاملة أكثر بسبب ما أضافه الأشخاص من روح مشتركة في وجودهم بين السياح وأساليب حياتهم. وبالأساس هم يعشقون البتراء، حتى المرأة الأردنية الوحيدة التي تحدثنا معها قالت: "نحن مثل السمك، إن خرجنا من الماء نموت."
وجهة نظر خاصة حملتها في هذا الفيلم، هل يمكن اختصارها بجملة؟
وجهة النظر التي أحملها هي أمنيتي أن لا تخسر هذه القبيلة التي تسمى "البدو" للعادات والتراث الجميل الذي تتمتع به، وأن تحافظ على وجودها الحصري للعيش من العمل في السياحة ضمن البتراء، التي منحتهم إياها الدولة الأردنية.
تتر الفيلم له خاصية جميلة جدًا ودمج أغنية تحمل روح الفكاهة والتنوع التصويري. هل تحاكي الغرب أم العرب بهذا؟ أم أن اللحن والكلمة هما للإنسانية ولثقافة لغة تمحو الفواصل والحواجز والخوف في العالم؟
أول معنى للتتر هو أن الأغنية بدوية بامتياز وتتألف من كلمات إنجليزية. الأغنية تحكي عن السياح وكانوا يغنون عن الحب، وهي تخاطب بلغتها الجميع، العربي والغربي معًا. وتتخطى الحواجز اللغوية بجمال لحنها وبدويتها في أسلوبها الغنائي الممزوج بمفردة تخاطب السائح. وهي تتخطى أيضًا الفواصل التي يصنعها الإنسان أحيانًا، لأنها مفردة إنجليزية بلحن بدوي. والسؤال هو: ماذا سيحدث لهؤلاء في المستقبل، خصوصًا بعد أحداث سوريا وتوقف الحركة السياحية في البتراء تقريبًا؟
إلى أي مدى جذبت حبكة الشخصيات المشاهد في هذا الفيلم الوثائقي؟
هذه الحبكة كانت عفوية، لأننا بقينا معهم لمدة طويلة، أكثر من شهرين. حتى إننا عشنا معهم فترة حياة ليل نهار، والقصص التي يعيشونها كبرت معنا، وحتى الآن نحن ما زلنا أصدقاء ونتراسل باستمرار. ومن أجل هذه العلاقة التي ولدت معهم، أصابني الخوف من أنني قد لا أستطيع إيصال هذا الوثائقي بشكل موضوعي للناس، ليرى المشاهد إيجابيات وسلبيات هذه الفئة بحيادية تامة، ودون التأثر بالحب الشديد الذي أكنه لهم والذي تطور مع الوقت لنصبح أصدقاء حتى الآن.
إلى أي مدى يستطيع المخرج عكس الصورة وإظهار ما يريده بحنكة؟
هذه الحنكة في عكس الصورة التي تمت ملاحظتها من قبلك هي من المونتاج، لأننا صورنا الكثير والكثير من المشاهد. وخلال المونتاج اكتشفنا أربعة مشاكل أساسية كنا نريد تسليط الضوء عليها، وهي: المرأة الغربية في هذه المنطقة، والمرأة التي تسير في قرية البدو، والأولاد، وطريقة السكن المضغوطة. واستطعنا الحصول على تصوير للمرأة الغربية والأولاد وطريقة السكن، ولكن بقي موضوع التصوير الوثائقي للمرأة المحلية، واجهنا فيه صعوبة لأننا كنا نريد إيصاله بشكل أكبر، ولكن لم نستطع بسبب عادات وتقاليد هذه القبيلة التي لا تحب ظهور المرأة كثيرًا. إنما وجود الشخصيات مثل محمود وسكوتش وغيرهم أضاف متعة تخطى الفيلم بها هذه المشكلة.
استطعت إظهار الواقع بنسبة معينة جعلتني أشعر بإخلاصك الإنساني وبجمالية روح السلام بين البشر. ما رأيك؟
حقيقة، نحن هذا ما أردنا إظهاره، لأن هذا المجتمع هو مسالم، وهم فعليًا يحبون الخير. وعندما يتواجد السياح بينهم، يلمسون جمالية هذه الفئة من "البدو" الذين يعيشون في البتراء ويكسبون رزقهم كمرشدين سياحيين وبائعين وغيره. ووجهة نظر السياح الذين يخرجون من المنطقة بعد الاستمتاع بجمالها وطيب هؤلاء الناس فيها هي التي تفرض إزالة الحواجز بين البشر. بل إن البعض منهم يحتفظ بصداقات مع سكان "البدو" والعكس صحيح. ونحن نحتاج لهذا السلام الذي يعيشه هؤلاء "البدو" مع السياح في هذه المنطقة الرائعة المسماة البتراء.
إلى أي مدى يشبه الفيلم الوثائقي الحياة؟ ولو أتيحت لك فرصة إخراج فيلم وثائقي عن لبنان، من أي منطقة تبدأ؟
نعم، الفيلم الوثائقي بمصداقيته هو قطعة من الحياة. أما إذا أردنا إخراج وثائقي عن لبنان، فلن يتمحور حول فكرة سياسية، لأننا نريد إظهار الإنسانية في لبنان. ولأننا في الغرب عندما نشاهد أي وثائقي عن الشرق الأوسط نرى الحروب والصراعات فقط، ولكن ما من مخطط في رأسي أو تصور لأي قصة حاليًا لأي فيلم. ولكن لو حدث ذلك، لن تكون إلا عن رؤية الناحية الإنسانية في الشرق الأوسط. وأنا كشخص جئت إلى لبنان لمست من شعبه المضياف كل المحبة والاحترام. والفيلم الوثائقي عن البتراء أيضًا هو لكي يرى المشاهد هذه الميزة السياحية المليئة بالآثار الفريدة من نوعها، وأيضًا ميزة هذا الشعب المضياف، وهذه الإنسانية والكرم في الضيافة تدفعني إلى العودة مرة ثانية إلى لبنان.
Doha El Mol
الحوار مع المخرج كارل غوغ يقدم انطباعًا قويًا عن التزامه العميق بالفن الوثائقي والإنسانية. تظهر تصورات غوغ في إجاباته عمق فهمه لقضايا الإنسان والمكان، ويبدو واضحًا أنه يسعى جاهدًا لإبراز جماليات وتجارب الحياة الحقيقية، بعيدًا عن الصور النمطية أو التقديمات السياسية. حبه الصادق للبتراء واهتمامه بالشخصيات التي يصور بها يعكس صدقًا وإخلاصًا حقيقيين.
من الناحية النفسية، يتضح أن المخرج كارل غوغ يتحلى بقدرة على التعاطف العميق مع الأشخاص الذين يوثقهم. تظهر مشاعره القوية تجاه شخصيات الوثائقي كيف يمكن أن تؤثر العلاقة الإنسانية العميقة على العمل الإبداعي. هناك تناقض بين شعوره بالخوف من عدم تقديم الوثائقي بشكل موضوعي، وحبه العميق وتعلقه بالشخصيات، مما يبرز الصراع الداخلي بين المهنية والإنسانية.
جماليات الفيلم الوثائقي تنبثق من أسلوب الإخراج الذي يتبعه كارل غوغ، حيث يركز على تقديم صورة غير نمطية للبتراء وسكانها. استخدامه لأساليب تصويرية متنوعة، مثل دمج الأغاني البدوية مع كلمات إنجليزية، يعكس إبداعه في تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية. تصوره للمناظر الطبيعية والإنسانية في البتراء يعكس اهتمامه بجمالية التباين والاندماج بين الثقافات.
يتناول الحوار جوانب مختلفة من الوثائقي، مع التركيز على الأشخاص الذين يعملون في السياحة في البتراء، إلى استخدام الأساليب التقنية والإبداعية في التصوير. يتناول غوغ القضايا الاجتماعية والإنسانية بموضوعية، ويبرز التحديات التي واجهها في تقديم صورة دقيقة وشاملة عن حياة هؤلاء الأشخاص. اهتمامه بتقديم صورة واقعية بعيدًا عن التقديمات السياسية أو النمطية يظهر حرصه على تقديم عمل يعكس الحقائق بموضوعية وصدق.
الحوار مع كارل غوغ يظهر اهتمامًا بالتفاصيل والقدرة في الإخراج على تقديم سرد متوازن وشامل. وحرصه على تصوير الحياة اليومية بطريقة تجسد التفاعل الحقيقي بين الشخصيات وسياقهم البيئي يعكس مهاراته العالية في الإخراج. تقنيات التصوير، مثل التركيز على ديناميكية الأشخاص والمشاهد، تساهم في خلق تجربة مشاهدة غنية وملهمة. حرصه على دمج الأساليب الوثائقية المعاصرة مع الحفاظ على أصالة المحتوى يبرز إبداعه وإتقانه لمهنته.
dohamol67@gmail.com