المخرج الوثائقي توفيق بيهم لمجلة مرايا: "هذه الحضارة وهذا الشعب هما الحقيقة الكبرى للشرق الأوسط"
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
يسعى فيلم "بعد غد" لعرض الحياة الواقعية في البتراء، الأردن، والدخول مع سكان البدول في قصة لها رواتها المختلفون، وبمعالجة فنية تتخذ من الواقع مادة خام لها، لتكون بمثابة دراما وثائقية بمصداقية موضوعية تهدف إلى إبراز جمال المنطقة الأردنية المخصصة للبتراء، ولسكان البدول، وتأثير السياحة وانعكاساتها على شعب اندمج بمهنة المرشد السياحي واتقن لغات عدة دون تعليم، وإنما بالممارسة، اليوم في إرشاد السياح على مناطق وكهوف في البتراء، ومنهم من تزوج من سائحات أصبحن زوجات حيث تعيش كل منهن حياة مستقلة مع زوج أردني تأقلمت مع عشيرته لتصبح كفرد منهم. فهل أراد كل من توفيق بيهم وكارل غوغ تسليط الضوء على مفهوم التعايش بين الغربي والعربي في منطقة تعج بالسائحين؟
- فيلم "بعد غد" هل هو مخطط له مسبقاً أم هو تصور ذهني تلقائي استطعت من خلاله خلق مادة وثائقية؟
كنت أعيش في عمان وأعمل في شركة إعلانات ودعايات، أيضاً أردت فتح غاليري في ألمانيا، فتعرّفت هناك على فنان أردني يعرف هؤلاء البدول، وسألني إن كنت أرغب في المجىء معه لتمضية عطلة للقيام بمخيم، فقلت له نعم وذهبت إلى البتراء ورأيتهم، لكن لم أتعرف عليهم بشكل شخصي إلا عندما تعرفت عليهم وأمضيت ليالي في المخيم واستمتعت بطريقة حياتهم. أحسست أن هذا الفيلم الوثائقي الذي أبحث عنه. وعندما عدت إلى عمان، كتبت إيميل لزميلي "كارل غوغ" وقلت له: "هذا هو الفيلم الوثائقي الذي أريد القيام به". رغبت بداية في تصوير فوتوغرافي للبتراء وهؤلاء الناس الذين يتمتعون بطريقة حياة خاصة، وفكرت أن أقوم بتصويرهم بداية فقط فوتوغرافياً ليكتب عنهم "كارل غوغ" المقال. لأننا كنا نعمل معاً في الإعلانات بدبي، لكن عندما تكلمت معهم وسمعت اللغات التي يتكلمونها، قلت لكارل حينها يجب أن نقوم بإخراج فيلم وثائقي لأن الصور لا تكفي، يجب أن نسمع أصواتهم، لكن كارل كان يعمل في لندن وأنا كنت أعمل في مكان آخر، تركنا العمل وادخرنا المال اللازم وسألتهم من قبل هل يمكن التصوير الوثائقي معكم، فوافقوا على ذلك. هكذا نشأت فكرة الوثائقي "بعد غد" بداية.
- رمزية القارورة المعبأة بالرمال الصحراوية ماذا تعني حتى تركتها كشارة النهاية؟
ترمز القارورة للرسم بالرمال المعروف فنياً، وهي تشبيه قرية البدول لأنهم يعانون من ضيق المساحة السكنية، وحفاظهم على عاداتهم وتقاليدهم وتمسكهم بهذه الأرض التي يعيشون عليها والتي تحمل من آثار الماضي الكثير. والقارورة تباع للسواح وترمز للحياة الهادئة التي يعيشونها، والرمل من الصحراء يضغطونه في القارورة بأسلوبهم الخاص، والرمل يجب أن يكون في كل مكان في الصحراء وليس فقط في القارورة. هم كذلك لأنهم يتمتعون بالحرية ويحتاجون لمساحة سكنية أكبر، ولكن لآثار البتراء فتنتها التي تجعلهم فرحون بالبقاء قربها.
- يقول المخرج الروسي فيرتوف: "السينما الروائية مسممة وهالكة وأن المستقبل للأفلام الوثائقية". ما رأيك؟
نحن اهتممنا بالوثائقي بعد العمل لسنوات في الإعلانات، لأنني كلما كبرت أحسست أن اهتمامي الوثائقي هو نقل قصة حقيقية بعيدة عن الخيال، لأن الخيال أصبح موجوداً بكثرة، والأفلام التي تنقل الخيال أصبحت كثيرة جداً. لهذا من الأسهل نقل قصة حقيقية واقعية، والناس عندما تشاهد الأفلام الخيالية تتهرب من واقعها. الواقع الحالي محبط، ولا أستطيع الجزم أن الوثائقي سيحقق ثورة مستقبلاً، ولكنه يزداد. وفي بريطانيا، الأفلام الوثائقية تزداد جداً، والواقع الأليم الذي يعيشه الناس حالياً يدعونا لمواكبة هذه الحقيقة وثائقياً. صحيح أننا نقلنا صورة واقعية لمشكلة البدول في المساحة الضيقة التي يعيشون فيها، إنما أيضاً حبهم للبتراء وللأردن ولمنطقة الآثار التي يفتخرون بها هو جمال مضاف. هذا الوثائقي السلس والخفيف لينقل صورة إيجابية بشكل أكبر.
- يحمل الفيلم صبغة سياحية بحتة، هو دعوة مفتوحة للأردن، أم هو دعوة للسلام كي ترتفع القيم بالمجتمعات الإنسانية؟
لم تكن هذه الفكرة هي بداية هذا الفيلم الوثائقي، إنما أردت إيصال قصة البدول وجمال البتراء، ولكن من يتعمق في الفيلم أكثر سيستخرج هذا المعنى للسلام الذي نطمح أن يعم الإنسانية.
- واكبت تأثر سكان البتراء بالسائحين ووجود زواج من المرأة الغربية، هل هذه مقاومة ثقافية من طرف واحد؟
هذا المشهد تحديداً كان مقصوداً، ونحن أردنا أن يكتشف المشاهد كيف أن المرأة الألمانية أتقنت اللغة العربية بعد زواجها من الأردني، وهو يتكلم اللغة الألمانية والإنجليزية والعربية. وهذه ليست قصة علاقة عابرة، إنما قصة حب حقيقية وطويلة الأمد. ولأن السياحة موجودة واستطاعوا الاختلاط، تم هذا التزاوج، ولكنهم شعب متحفظ بالحضارة البدوية وبالوقت ذاته يتزوجون من المرأة الغربية ويتكلمون الإنجليزية بطلاقة. والملفت للنظر أن الرجال هم فقط من يتزوجون من المرأة الغربية التي تعيش بينهم كأنها ولدت بينهم، أما المرأة الأردنية فلا. وحين حدثت قصة حب بين فتاة من البدول وسائح فرنسي، كان الرفض قاطعاً لأنهم ما زالوا يتمسكون بالعادات والتقاليد الخاصة بهم.
- فن الرسم بالرمال وجمال اليد الأردنية في تكوين لوحات خاصة بالتراث البدوي، ما مدى التشابه بين هذا وفن الإخراج الوثائقي؟
لا أظن أننا كنا إلى هذه الدرجة من الفن، لأننا نقلنا الواقع كما هو وبمصداقية، إنما الانفتاح مع الكاميرا كان دائماً ممتعاً، لأن المنطقة بجمالياتها هي لوحات متعددة تروي قصة حضارة عمرها آلاف السنين.
- لعبة دهاء واضحة تهدف إلى المتعة والدخول في رحلة سياحية مع الكاميرا، ذات وجهين: جمالي وانتقادي، وكما يشاء المخرج، ماذا تقول عن هذا؟
حقيقة، عندما يأتي السائح إلى هذه المنطقة يرى أمامه هذه التفاصيل الجميلة بالنسبة لهم، مثل الركوب على الجمال والحمير والجبال العالية المنحوتة كعجيبة حضارية، ولكن حاولنا أيضاً مع هذه الرحلة السياحية رؤية ما وراء الكواليس، ليرى المشاهد هذه الخلفية بوجهين مختلفين.
- صنعت لوحة للبتراء، الأردن بتماثل مع لوحة الرمال في الشارة، أضفت له اللحن، قصدت هذا أم هي لحظات عفوية؟
هذه الموسيقى تم التخطيط لها من زمن، ونحن قصدنا دمج هذه الحضارة مع الكلام باللغة الإنجليزية مع اللحن العربي وصوت الآذان الذي كان يرتفع. وحين كنت في برلين في الغاليري خاصتي دخل رجل سويدي اسمه "يونس هلبورغ"، وتعرفت عليه حين أراد شراء العود، ومن ثم عرفت أنه موسيقي مهم. سمعت ألبومه الموسيقي وأعجبت به، وقررت أن تصاحب موسيقى يونس بالوثائقي، والباقي هو موسيقى وأغانٍ بدوية مسموعة بشكل شعبي بكثرة، ولم نستعمل أي شيء بعيداً عن الموضوع.
- لمن تتوجه بهذا الفيلم بشكل عام؟
نحن نخاطب الشعب الغربي بهذا الوثائقي أكثر، لأن في الغرب الفكرة عن الشرق الأوسط هي سلبية ومعممة بأن هذا الشعب هو كذلك، فاردنا إظهار وجهة نظر أخرى إيجابية غير المعروفة في الغرب كالصراعات والحروب، لأن هذه الحضارة وهذا الشعب هما الحقيقة الكبرى للشرق الأوسط، وهي الجمال الحضاري في الآثار وطيبة ونخوة هذا الشعب المضياف.
- معالجات فنية بسيطة في رؤاها وذات قيمة مرئية، ألا تظن كان بالإمكان العمل عليها بشكل أدق كي تتجنب التكرار في بعض المشاهد التي لم تنف جمال الفيلم؟
وصلنا إلى التخمة عند نهاية إخراج الوثائقي، لأننا كنا قد شاهدناه أكثر من مرة، وكنا نتمنى رؤية وجهة نظر خارجية، لأننا كنا جداً قد عملنا فيه لأكثر من خمس سنوات، والقيمة العالية بالنسبة لي هو وجودي في مهرجان طرابلس لألمس هذا التفاعل عند حضوره.
- مرونة في تجسيد فني واقعي، لكن لم نر من نساء الأردن من تتحدث بالعربية إلا عجوزاً، أضفت تنوعاً زاد المشاهد تعطشاً ليتعرف على المرأة الأردنية؟
من الصعوبة تصوير نساء هذه المنطقة لوثائقي أو تسليط الضوء عليهم، لأننا لسنا أبناء المنطقة، ولاحظنا أن العجائز يتكلمون بطلاقة أمام الكاميرا ودون خوف، لكن لم نستطع انتقاء من هن الأفضل للظهور في هذا الوثائقي إلا هذه المرأة العجوز.
- استطعت تشكيل الواقع بنسبة عالية وامتاع بصري جذبنا نحو ما يستحق المعرفة من زمنين: العجوز الراوي وجيل الشباب، هل تطرح تساؤلاً مبطناً عن أطفال هذه المنطقة والمستقبل المجهول؟
ثلاثة آلاف من السياح يدخلون إلى البتراء كل يوم حين كنا هناك، لهذا بعض هؤلاء البدول كانوا بحالة ممتازة مادياً. الآن أقل من خمسمئة سائح بسبب الحالة في سوريا، لأنهم يعتمدون على السياح كمورد رزقهم، خصوصاً أنهم لم يتعلموا أي مهنة أخرى. مارغريت التي تزوجت من الأردني قالت إن أولادها تعلموا في المدرسة والجامعة، ومن بعدها مارسوا مهنة التجارة في المنطقة السياحية، أي بيع السياح القطع الرمزية للبتراء التي يشترونها. ولهذا السبب أنهينا الفيلم بالأطفال الذين يلعبون في الأحياء بفوضوية تحتاج لإعادة نظر بعد أن خف عدد السياح في هذه المنطقة بسبب الأحداث في سوريا.
- للفيلم مصداقيته التي وصلت للمشاهد دون تحيز، إلى أي مدى هذا صحيح؟
المصداقية ربما لأن اللقطات أخذناها بأسلوب عفوي، ولكن تخوفاً من عدم المصداقية في الوثائقي، قام بالعمل معنا وبحيادية شخص آخر كي نحافظ على هذه الرؤية بدون أي تحيز أو محاباة.
Doha El Mol
من خلال تحليل الحوار نكتشف فيلم "بعد غد" يسلط الضوء على حياة سكان البدول في البتراء، الأردن، ويقدم دراسة متعمقة لتأثير السياحة على حياتهم. يتناول الفيلم بطريقة موضوعية العلاقة بين السياح والمجتمع المحلي، وكيف أن هذا التفاعل يؤثر على حياتهم اليومية وتقاليدهم. كما يعرض الفيلم التحديات التي يواجهها البدول نتيجة الضغط السياحي، ولكنه أيضاً يستعرض الجوانب الإيجابية لهذه العلاقة، مثل تحسين مستوى المعيشة وظهور قصص حب بين الأجانب والمحليين.
يسعى الفيلم إلى تقديم صورة متوازنة للبدول، ليس فقط كموضوعات سياحية ولكن كأفراد يعيشون في بيئة تتغير باستمرار. يعكس الفيلم الصراعات الداخلية والخارجية التي يواجهها هؤلاء الأفراد، مثل التكيف مع السياحة، والتمسك بالتقاليد، وإدارة التغيرات الاقتصادية.
يقدم الفيلم تجربة بصرية مؤثرة تتسم بجمالية منقطعة النظير، حيث يعرض جمال البتراء وتفاصيل حياة البدول بطريقة تجذب العين وتثير المشاعر. الصور الملتقطة تتميز بدقة ووضوح، مما يعزز تجربة المشاهد ويجعل من السهل الانغماس في بيئة الفيلم.
رمزية القارورة المعبأة بالرمال تعكس بشكل بديع وضع البدول وتقاليدهم، مما يضفي بعداً عميقاً على الفيلم. القارورة، التي تباع للسياح، تعد رمزاً للهدوء والاستمرارية في حياتهم بالرغم من التغيرات الخارجية. هذه الرمزية تجسد الصراع بين التقليد والحداثة، مما يعزز من تعقيد وتجربة الفيلم.
يقدم الفيلم معالجة موضوعية للقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها البدول. يتم التعامل مع موضوع التأثير السياحي بشكل عادل، دون مبالغة أو تهوين، مما يسمح للمشاهدين بفهم حقيقي ومعمق للموقف. الفيلم يعرض الجوانب المتعددة لهذه الظاهرة، بما في ذلك الفوائد والتحديات.
الفيلم يتجنب التحيز ويعرض حقائق واقعية بدقة، ما يعزز مصداقيته. المخرج توفيق بيهم يتبع منهجاً محايداً في تقديم الصورة، وهو ما يساعد على فهم أعمق للتجربة الإنسانية للمشاركين. هذا النهج يساهم في تقديم وثائقي ذو قيمة عالية ومؤثر.
توفيق بيهم يظهر قدرة بارعة في توظيف الأسلوب الوثائقي بطريقة تعكس بصدق حياة البدول. استخدامه للكاميرا، والتصوير الوثائقي، والتفاعل مع الأفراد، يعكس مدى التزامه بالموضوعية والصدق في العرض. التنقل بين اللقطات السينمائية الجميلة والحوارات الوثائقية يخلق توازناً مثيراً يساهم في جذب المشاهد وإبقائه مشدوداً إلى القصة.
الوثائقي يترك أثراً عميقاً على المشاهدين من خلال تقديمه نظرة شاملة ومعقدة عن حياة البدول وتأثير السياحة. الطابع الإنساني للفيلم يعزز من التعاطف والتفاهم بين المشاهدين والأفراد المعروضين، مما يعكس قوة الفيلم في تقديم رسالة عميقة ومؤثرة.
فيلم "بعد غد" هو عمل وثائقي مؤثر بصرياً وموضوعياً. المخرج توفيق بيهم يستخدم المهارة والموضوعية لعرض واقع حياة البدول في البتراء، مقدماً تصويراً دقيقاً وعاطفياً يعكس جماليات وتحديات الحياة في هذه المنطقة. توازن الفيلم بين الجمالية البصرية والموضوعية يعزز من تأثيره ويجعل منه تجربة غنية ومؤثرة للقارئ والمشاهدين على حد سواء.
dohamol67@gmail.com