الروائي مقبول العلوي في حوار ل "اللواء" : "تراث أي أمة جزء أصيل من تكوينها الوجداني ولا انفصال عنه."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
ربط الروائي "مقبول العلوي" في روايته "البدوي الصغير" الأسماء بثلاثية انسجمت مع الأماكن، وأنه عبر مخيلة ذات حبكة روائية خرج منها درامياً بحركة سردية تناغمت مع الأحداث ومنطقها، بتخيلات رسم أبعادها الواقعية من خلال التفاصيل التاريخية التي مرت على المنطقة العربية بشكل عام، وبمعالجات تشابكت مع الهموم الإنسانية فاتحاً بقعة الضوء على التراث الثقافي بكل أنواعه الفوتوغرافي والموسيقي والغناء الشعبي دون الابتعاد عن التقاليد الشرقية وأهميتها، لإبراز أهمية ذلك بموازاة الآثار التي يتم اكتشافها، محافظاً على النمو الروائي السهل الممتنع. ومعه أجرينا هذا الحوار:
- نمو الأحداث وتطورها في الرواية اعتمد على عنصر الزمن، هل هذه دراما روائية تخيلية بخيوط روائية ارتبطت بالمكان؟
الزمان والمكان يسمى في عرف النقاد "الزمكانية"، وهما شيئان مرتبطان ويعتبران عنصرين أساسيين في العمل الروائي لأنهما يسيران بخط موازٍ مع الحدث الروائي، فهما لا ينفصلان بأي حال. وكون الرواية تخيلية، فقد كان لا بد من إيجاد منصتي الزمان والمكان لكي يحددان البعد الزمني والمكاني للحدث، وتساهم في إعطاء العمل مصداقية أكبر لدى المتلقي.
- مقبول العلوي والفن الروائي بشكل عام؟ أم الفن الروائي ومقبول العلوي بشكل خاص؟
الرواية كعمل إبداعي تأتي دائماً في المقدمة مهما بلغ كتابها من مكانة، فهي كجنس أدبي مهم وفاعل تفرض نفسها عليه، ولا يمكن أن يكون هناك كاتب أكبر من أي عمل يحمل صيغة الخلق والإبداع والتميز.
- هل ابتعدت عن الجنس في الرواية خوفاً من الرقابة أم لرقي الحبكة الروائية ومحو صورة الرجل الذئب؟
الجنس قد يأتي في سياق العمل الروائي بشكل عفوي فيحدث نوعاً من الإقناع السردي لدى المتلقي، أما إذا تم إدخاله بشكل فج فالعواقب قد تكون وخيمة، ويقلل هذا من مصداقية الكاتب لدى المتلقي ويوحي له بأن الكاتب يلعب على وتر غرائزه. لا بد من احترام ذكاء القارئ وعدم خداعه بمثل هذه الأمور التي تجاوزها الزمن. بالنسبة لموضوع الرقابة، فأنا شخصياً لا أضعها في اعتباري أثناء الكتابة لأنها قد تشلّ وتحجم من اندفاعك الطبيعي للكتابة وتقيدك، وفي النهاية تسلب من جودة العمل الشيء الكثير. أما بالنسبة لصورة الرجل الذئب، فهذه صورة نمطية رسخت في أذهان الناس عن الرجل العربي للأسف، ولو قمت بتحليل بسيط لبطل رواية "البدوي الصغير" ونظرت إلى بيئته البسيطة الوادعة لاكتشفت أنه ابن بيئته البسيطة تلك، فهو يؤثر فيها ويتأثر بها في نهاية الأمر.
- إيحاءات سياسية كثيرة غلفتها بتواريخ للأحداث، هل تنتقد الغرب أم العرب أم الجهل المرتبط بتقدم الحضارات؟
شيء طبيعي أن تكون هناك إيحاءات سياسية في عملي الروائي الأخير نظراً لوجود أحداث سياسية مهمة حدثت بالتزامن مع حيوات أبطال الرواية في ذلك الزمن. فالسياسة تؤثر فينا شئنا أم أبينا، فمنا من يتأثر بها بشكل سلبي فلا يكون له أي دور مهم في سير الحدث السياسي، والآخر قد يؤثر فيها بشكل أو بآخر. وفي عملي "البدوي الصغير" لا أنتقد لا العرب ولا الغرب ولا حتى الجهل، فهذا لا أراه مجدياً في أي عمل إبداعي لأنه سيشغلك عن رسم سير حيوات أبطال الرواية ويدخلك في دهاليز التنظير.
- علاقة صداقة مفتوحة مع ديكين لا يمكن أن يستنكرها القارئ، هل تعتبر هذا مفتاح سلام؟
نحن في نهاية الأمر بشر مثلنا مثل بقية شعوب الأرض نؤثر فيهم بقدر ما يؤثرون فينا، والقارئ ربما لا يستنكرها لأنها عفوية جاءت في سياق طبيعي بعيداً عن التصنيفات والصور النمطية المرسومة في الأذهان مسبقاً.
- اهتمامك بالفن والأدب يعتبر أن الفن والأدب لا يقلان أهمية عن الأثر المدفون، ما رأيك؟
الفن والأدب شيئان لا يمكن أن يفترقا، وهما يكملان بعضهما البعض ولا يمكن فك الارتباط بهما. فغسان مثلاً، بطل الرواية، كان يستمع لأغنيات ألفيس بريسلي وفرقة "أبا" بشغف، على ماذا يدل هذا برأيك؟ أعتقد أنه يدل على أن الفن والموسيقى، خصوصاً، لا تحفل بالعرق أو اللون، إنها شيء عالمي يتفق على جدواه كل البشر الأسوياء في كل العالم.
- ثلاثية الأسماء في "البدوي الصغير"، هل تعتبر هذا نوعاً من الإنسانية؟ أم مجرد صدفة في رواية جمعت صورة وافية عن الماضي لتكون منارة المستقبل؟
أسماؤنا لا نختارها نحن، ومن الصعب لبسها ثوب الإنسانية لأن هناك من الناس لا تعجبهم أسماؤهم. وهي في رواية "البدوي الصغير" جاءت في سياق الأحداث ومن ثلاث عقليات مختلفة التكوين والتفكر: الأب، القريب، والأستاذة نادين، فكل واحد من هؤلاء الثلاثة أطلق اسماً على البطل من المنظور الذي يراه هو في صورة هذا الشخص، وفي نهاية الأمر تجد أن الاسم يلتصق بك فلا تستطيع الفكاك من شركه.
- مقبول العلوي في كلمات إلى القارئ في كل مكان؟
القراء هم رأسمالي في كل مكان، فمن أمسك بعمل لي وضيّع عليه جزءاً من وقته الثمين، أعتبر ذلك هبة ثمينة منه، واضعاً نصب عيني دائماً إسعاده بقدر الإمكان.
- بناء العالم الروائي شد أواصر القارئ مع الشخصيات التي لامست بوجدانيتها المنطق الواقعي، ما رأيك؟
لو حدث ذلك بالفعل لكفاني. أن تشد انتباه القارئ من أول سطر حتى آخر سطر، هذا شيء رائع، وكون العمل قد لامس وجدان قارئك، فما بعد ذلك مطلب.
- لماذا "البدوي الصغير" الآن وتحديداً في الأحداث التي تلف المنطقة؟
ليس لكتابة الرواية زمن محدد. الفكرة قد تأتيك أولاً ثم تعشش في تلافيف عقلك قبل أن تستقر في وجدانك، ثم تأتي المرحلة الأهم والأصعب وهي صياغتها أدبياً سواء كان ذلك في رواية أم قصة قصيرة أم شعراً. أعتبر أن رواية "البدوي الصغير" هي ضريبة النوستالجيا التي تعذب الشخص حينما تدلهم الخطوب أمامه فيلجأ إلى الماضي ليستمد منه العون والسلوان على بشاعة الحاضر.
- هل تلميحاتك الروائية هي للاهتمام بتراثنا الغنائي وبالفنانين والأدباء؟
تراث أي أمة جزء أصيل من تكوينها الوجداني ولا انفصال عنه بأي حال. نعم، معك حق، هناك لمحات وجدت في بعض صفحات الرواية وقد جاءت عفويّاً في السياق السردي.
- ما هي المعادلة التي تضيفها إلى الرواية الزاخرة بإبراز المتناقضات بين مجتمعين؟
إذا جاز تسميتها بالمعادلة، فهي المعادلة الإنسانية وحدها. التناقضات بين المجتمعات تحكمها في نهاية الأمر الثقافة وطريقة الحياة، ولكننا في منظومة واحدة اسمها "الإنسانية".
- كلمة من مقبول العلوي إلى جيل روائي افتراضي.
ولماذا افتراضي؟ وعلى العموم، كلمتي هي: القراءة هي السبيل الوحيد لفهم ما يدور حولنا.
- علو شأن المرأة في الرواية منحها مساواة مع الرجل، هل هذه نظرتك الحقيقية في الحياة أم لكسب ما؟
هذه ليست نظرتي أنا، بل جاءت بها كل الأديان السماوية والقيم الحضارية المؤثرة والفاعلة، وقام البشر بتشويهها لحاجة في نفس يعقوب. ولو نظرت إلى الأمر من ناحية المكسب والخسارة لاختل التوازن. العلاقة بين الرجل والمرأة أراها علاقة تكاملية لا سبيل لأحد أن يستولي على الآخر تحت أي ذريعة أو سبب.
- اهتممت بالشق الفني والأدبي والصحافي في الرواية، لماذا؟
سير الأحداث في الرواية وشخصيات الرواية فرض علي هذا. وعلى العموم، الفنون والأدب شيئان لا يمكن الفصل بينهما، فهما يتماهيان ويكملان بعضهما البعض.
- الوظيفة السردية في الرواية حققت غايتها، هل حققت غايتك كروائي؟
عظيم لو حدث ما تقولينه هذا. أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فالجواب هو: لا، فلا يزال الطريق أمامي طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر، وسأسعى بدأب وصبر لتطوير تجربتي الروائية والاستفادة القصوى من تجارب الآخرين في هذا الصدد.
Doha El Mol
أما تحليلي للحوار فهو كالآتي
الحوار يسلط الضوء على عدة جوانب هامة تتعلق بكتابة الروائي مقبول العلوي، ويركز على قضايا تتعلق بالزمان والمكان في الرواية، تأثير السياسة على الأدب، وطبيعة العلاقة بين الأفراد في الرواية. كما يناقش القضايا المتعلقة بالرقابة والتصوير النمطي للأفراد، ويعطي تسليط الضوء على أهمية التراث والفن والأدب. كما يرى الروائي مقبول العلوي أن الزمان والمكان مرتبطان بشكل وثيق بالحدث الروائي، وأنهما يشكلان جزءاً أساسياً في أي عمل روائي، حيث يساهمان في إضفاء المصداقية على الرواية.
الرقابة والتصوير النمطي: الروائي يوضح أنه يتجنب استخدام الجنس بشكل فج لضمان عدم التأثير السلبي على مصداقية الرواية، ويشير إلى أن صورة الرجل الذئب هي صورة نمطية غير دقيقة. إذ تعكس الرواية تأثير السياسة على الأفراد والمجتمعات دون أن تكون نقدية بشكل مباشر، بل تتناول السياسة كعنصر يؤثر في سير الأحداث وتطور الشخصيات. يبرز الروائي علاقة الصداقة بين الشخصيات كعلاقة طبيعية وعفوية تتجاوز التصنيفات النمطية، مما يعكس تنوع العلاقات الإنسانية في الرواية.
الحوار يقدم انطباعاً إيجابياً حول تعامل الروائي مع موضوعات معقدة بطريقة متوازنة. يُظهر مقبول العلوي اهتماماً عميقاً بالتراث الثقافي والفني، ويُعبر عن اعتزازه بهذا التراث من خلال روايته. الانطباع العام هو أن الكاتب يسعى للحفاظ على الأصالة الثقافية بينما يوازن بين إبداعه الأدبي واهتمامه بالتراث. إذ يظهر الروائي اهتماماً واضحاً بالقضايا الإنسانية والتراث الثقافي، وهو ما يخلق لدى القارئ انطباعاً إيجابياً حول جديته وعمق تفكيره. الروائي يعكس من خلال إجاباتهم انطباعاً عن عفوية الشخصيات وواقعية الأحداث، مما يساهم في جعل الرواية أكثر جذباً وواقعية للقارئ.
يوضح النص أن الرواية تتناول موضوعات متعددة ومتشابكة مثل التراث، السياسة، والعلاقات الإنسانية. الروائي يحرص على تجنب النمطية ويقدم رواية تأخذ بعين الاعتبار التطورات التاريخية والثقافية دون التورط في التنظير أو النقد المباشر. فالرواية تعكس اهتماماً بالتراث الثقافي وتعتبره جزءاً أساسياً من تكوين الهوية الإنسانية.
الحوار يعكس اهتماماً بالتفاصيل الأدبية والروائية. الروائي يشدد على أهمية الحبكة والتسلسل الزمني والمكاني في بناء الرواية، ويعبر عن اعتزازه بالتراث الثقافي والفني. الرواية التي يتحدث عنها تعتمد على حبكة متقنة تتكامل مع تسلسل زمني ومكاني دقيق، مما يعزز من جودة السرد. أما تقديم التراث الثقافي والفني بشكل إيجابي يعكس قدرة الروائي على دمج العناصر الثقافية في السرد الروائي بشكل مؤثر. يظهر الحوار التزام الروائي بمبادئ أدبية رفيعة مثل الصدق والواقعية وعدم الابتذال. الروائي يحرص على تقديم عمل أدبي يوازن بين الإبداع والحفاظ على القيم الثقافية. فهو يحرص على تقديم سرد واقعي وغير مبتذل، مما يعزز من مصداقية الرواية.
dohamol67@gmail.com