الروائي عدنان فرزات للواء: "هي أن يصبح قرار المثقف في الوطن العربي سيادياً ومؤثراً، ولا يكون تابعاً ومهمشاً."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
بدأ حياته الصحفية خطوة بخطوة، متدرجاً من محرر وصولاً إلى رئيس تحرير ومدير قناة البابطين الثقافية حالياً. كانت رحلته شاقة ومفيدة. افتتن بالأدب فغرق بجمالية اللغة العربية، فأول لغة تأثر فيها هي لغة قصة النبي يوسف عليه السلام في القرآن الكريم. وأصدر قبل سنة تقريباً كتاباً كاملاً عن قواعد القصة من خلال قصة يوسف عليه السلام، وجاء الكتاب بعنوان "لا تسأل أحداً: كتابة القصة على طريقة أحسن القصص". والتراث العربي برأيه مظلوم في ما يخص القصة، فالمؤرخون يذكرون الشعر على أنه ديوان العرب، وهذا صحيح، ولكن عدنان فرزات يؤكد أن فن القصص كان له وجود في التراث العربي، بدليل أنهم عندما سألوا النبي عليه وآله أفضل الصلاة والسلام أن يقص عليهم قصصاً، نزلت سورة يوسف: "نحن نقص عليه أحسن القصص". وطالما أنهم طلبوا منه أن يحكي لهم قصصاً، فهذا يعني أن فن القصة كان موجوداً.
- متى ننتفض على الشكل الروائي الأدبي بالمعنى والمبنى؟
قبل أي تمرد على أي شكل من أشكال الأدب والفن، علينا أن نتقن أو على الأقل نتطلع إلى قواعده وتصنيفاته، كي لا تختلط الأجناس الأدبية فيما بينها كما هو حاصل اليوم. فكثيرون لا يجدون الخيط الفاصل بين الخاطرة والسرد مثلاً، فالسرد كي يكون كذلك، يجب أن يتكئ على قواعده المعروفة كالحبكة وتصاعد الأحداث والعقدة والحل وتعدد الشخصيات وتطورها، وغيرها. علينا أن نتعلمها أولاً، ثم بعد ذلك ليحطم الكاتب ما يشاء. أما أن يكتب خاطرة وجدانية ويقول إنها قصة أو رواية، فهنا يُضيع نسب الأدب. على الصعيد الشخصي، أفضل الأسلوب الواقعي الممزوج بالشاعرية والحكمة. لا أحب الرمزية ولا الغموض، ولكن لا أستنكرها على غيري، فهذه حريته الأدبية. لكن تبقى الواقعية هي لوحة حياة على أن لا تقترب الواقعية من التصوير الفوتوغرافي، بل لا بد من ممارسة فن التخيل إلى أقصى مداه دون أن يتحول إلى غرائبي.
- كيف يمكن مخاطبة الجيل الذي ابتعد عن الأدب أو الثقافة عامة؟
الجيل لم يبتعد عن الأدب، الكاتب هو الذي ابتعد عن الجيل. وأعطيك الدليل، الجيل اليوم يهرب من الكاتب العربي إلى الكاتب الأجنبي، لأن الأخير يبتكر الأفكار الجديدة والمحفزة، ولكن مع ذلك، هناك إقبال على بعض الكتاب، وإلا فكيف نفسر ظهور عدة طبعات لعمل روائي واحد مثلاً؟ أما كيف نخاطب الجيل، فهذا يشبه جدلية الآباء والأبناء، حيث يرفض الأبناء غالباً تقاليد الآباء، ولذلك تجدين اليوم أن هناك شريحة جديدة من الكتّاب صغار السن بدأت تظهر وتصدر الأعمال التي تحاكي جيلهم، ونرى إقبالاً كبيراً من القراء الشباب أيضاً على هذه الأعمال، رغم عدم نضوجها أحياناً. هناك الكثير من القضايا المستجدة التي لم يواكبها الأدباء الأكبر سناً لأنهم تقوقعوا في ذاكرتهم التي يستمدون منها أحداث أعمالهم دون أن يفتحوا بوابات الحاضر بما فيه من معطيات جديدة.
- أين الترجمة التي تجعل من الأديب العربي مقروءاً في كل مكان؟
حقيقة هناك تقصير كبير في الترجمة، وخصوصاً من العربية إلى لغات العالم، ولا تترجم الأعمال غالباً إلا بعد فوزها بجائزة مثل جائزة بوكر بنسختها العربية، أو غيرها. أو أن تتم الترجمات بمجهودات فردية للكاتب وليس عن طريق مؤسسات تتبنى ترجمة الأعمال العربية إلى اللغات الأخرى. وهذا المشروع يحتاج إلى وعي من وزارات الثقافة العربية تجاه إيصال نتاج الفكر العربي إلى العالم.
-ألا تشعر أننا نحتاج لأعمال روائية في الدراما العربية وبكثرة؟
الرواية غالباً ما تتحول إلى فيلم سينمائي، واعتمدت السينما كثيراً على الأعمال الروائية، ولكن في ما يخص المسلسلات، فهي غالباً ما لا تكون كذلك، حيث يتم كتابة المسلسل منذ البداية بمعالجة مستقلة، وبعض الأعمال الروائية التي تحولت إلى مسلسلات لم تنجح، مثل رواية "ذاكرة الجسد" للكاتبة أحلام مستغانمي التي تحولت إلى مسلسل فاشل وثقيل الظل. ولكن هذا يجب أن لا يمنع المخرجين من استلهام روايات أخرى يمكن أن تتحول إلى مسلسلات مهمة، لأن في الرواية فكراً ينمي عقلية المشاهد وليس مجرد أحداث بلهاء كما يحصل في المسلسلات التركية مثلاً.
- برأيك، ما المسافة بين السيناريو والرواية، ولماذا لم نجتازها بشكل ودي حتى الآن؟
أقمتُ مرة دورة عن الرواية التي تصلح أن تتحول إلى عمل مرئي، وذكرت يومها أن على الروائي أن يضمّن روايته سيناريو جاهزاً للمخرج أو لكاتب السيناريو، أي حين يكتب الروائي عمله، يتوجب عليه أن يرسم فنياً هذا السيناريو كي يكون جاذباً للمخرجين، ولأن الكثير من الروائيين لا يدركون ذلك، فإن المسافة التي تتسع بينهم وبين السيناريو تصبح شاسعة.
- أين يقف الآن الأديب والإعلامي عدنان فرزات، وما الذي تفكر به ولم تحققه حتى الآن؟
لا توجد نهاية لأفق الكاتب، فمهما قطع من طرقات في دروب الأدب، يبقى واقفاً على مشارفه. ولكنني دائماً، كلما تقدمت خطوة، أنظر إلى المسافة التي قطعتها، وأقيسها وأسأل نفسي: هل هي مرضية أم لا؟ وبفضل الله تعالى، فإن المسافات التي مشيتها كانت جيدة فقد ألفت خمس روايات وكتاباً وفزت بجوائز ذهبية وفضية في أفلام وثائقية وتُرجمت بعض أعمالي إلى الإنجليزية، وطُبعت منها عدة طبعات. ربما هو إحساس بشيء من الرضا يخامره تعب وشقاء وكفاح مرير.
- لماذا "تحت المعطف" وهل تأثرت بالكتاب الروس؟
"تحت المعطف" حكاية معاناة المرأة العربية المغتربة وما تتعرض له من ابتزاز يصل إلى درجة تجنيدها في مجموعات إرهابية من عرب مهاجرين إلى الغرب يتربصون بالعربيين القادمين حديثاً. وربما أن الذي أوحى لك بتأثري بالكتب الروسية هو الأسلوب الواقعي الذي كتبت فيه الرواية، ويعجبني هذا الأسلوب جداً كما تعجبني الأعمال الروسية، ولكن ليس تأثراً بقدر ما هو منهج موجود تمكنت من تطويره بإضافة الشاعرية إليه وحرية التنقل بين الأحداث خارج الصرامة الواقعية أحياناً.
-لو جعلتك تختار بين الرواية والقصة، ماذا تختار؟
بالتأكيد سأختار الرواية، رغم أنني كتبت الإثنين معاً، ولكن الرواية فضائي الفسيح الذي لا تمنحني إياه حدود القصة.. يكفينا ما نعانيه من حدود جغرافية.
- كلمة للكاتب العربي من الأديب والروائي عدنان فرزات؟
أود أن أغرس شجرة من كلمات التقدير لكم لاهتمامكم بالثقافة في وقت جنحت فيه الصحف عن هذا المسار. وكلمتي الأخرى هي أن يصبح قرار المثقف في الوطن العربي سيادياً ومؤثراً، ولا يكون تابعاً ومهمشاً.
Doha El Mol
في هذا الحوار عدنان فرزات يعبر عن رؤية عميقة تجاه الأدب والثقافة في العالم العربي. يصف الروائي التحديات التي يواجهها المثقف العربي، ويشدد على أهمية أن يكون المثقف ذا تأثير مستقل وغير تابع. هذه النظرة تعكس إحساساً قوياً بالمسؤولية تجاه النهوض بالمجتمع العربي ثقافياً وفكرياً. يشير إلى أهمية الاتقان والتعلم في الأدب قبل الانطلاق في التجريب، مما يعكس احتراماً عميقاً للأدب كفن وصناعة تحتاج إلى مهارة ومهنية.
فرزات يعبر عن نظرة متوازنة تجاه الأدب المعاصر، حيث يرى أن الجيل الجديد يحتاج إلى التواصل مع الأدب عبر أساليب حديثة تواكب اهتماماته وتطلعاته. يبرز التباين بين الواقع الأدبي التقليدي والتوجهات الحديثة، ويعترف بوجود فجوة بين الأدباء الأكبر سناً وجيل الشباب. هذه النظرة تعكس الوعي بتغيرات المجتمع ومتطلبات الجيل الجديد، مما قد يثير تأمل القارئ في كيفية تفاعل الأدب مع تغيرات العصر.
كما يؤكد على نقص الترجمة من العربية إلى لغات العالم يظهر قلقاً مشروعاً بشأن كيفية وصول الأدب العربي إلى جمهور عالمي أوسع. يشير إلى أهمية دور المؤسسات الثقافية في دعم الترجمة، مما يسلط الضوء على الحاجة لتطوير استراتيجيات أفضل لنشر الفكر العربي عالميًا. وينتقد بعض التعديلات التي تطرأ على الروايات عند تحويلها إلى مسلسلات، ويشير إلى أنه يجب على المخرجين أن يستلهموا من الروايات بشكل يحافظ على قيمتها الفكرية ويعززها. هذا النقد قد يعزز عند القارئ الوعي بقيمة الروايات الأصلية ويدعوه للتفكير في كيفية معالجة الأعمال الأدبية في الإعلام. أما توضيح المسافة بين الرواية والسيناريو يعكس فهم فرزات العميق لعناصر الكتابة والتقنيات المختلفة. إشارته إلى ضرورة دمج عناصر السيناريو في الرواية لتكون جذابة للمخرجين يمكن أن يثير لدى القارئ اهتماماً بفن الكتابة وتفاصيلها، مما يعزز قدرته على تقدير كل من الرواية والسيناريو بشكل أفضل.
إن الحديث في هذا الحوار عن مشاعر الرضا والتعب والشقاء يعكس جانباً إنسانياً وعاطفياً عميقاً في حياة الكاتب. يعرض فرزات تجربته الشخصية بصدق، مما يمكن أن يخلق تواصلاً عاطفياً مع القارئ. هذه الصراحة في التعبير عن الصعوبات والإنجازات تعزز من مصداقيته وتعمق من فهم القارئ للتحديات التي يواجهها الكتّاب.
إلا أن الاعتراف بتأثير الأسلوب الواقعي في الكتابة وتطويره عبر إضافة الشاعرية يعكس مرونة في التفكير الأدبي وقدرة على الدمج بين الأساليب المختلفة. يمكن أن يشجع هذا القارئ على استكشاف تنوع الأساليب الأدبية وكيفية تأثيرها على التجربة القرائية.
في النهاية النصيحة التي يقدمها فرزات من خلال هذا الحوار للمثقف العربي تعكس أمله في تعزيز تأثيرهم ووجودهم بشكل أكثر استقلالية وقوة. قد تكون هذه النصيحة ملهمة للقارئ الذي يسعى لتحقيق تأثير إيجابي في مجاله.
هذا الحوار يكشف عن عمق التفكير والتفاني الذي يظهره عدنان فرزات تجاه الأدب والثقافة. يؤثر الحوار في القارئ عبر تقديم رؤى نقدية وبناءة حول قضايا الأدب واللغة والترجمة، ويعزز من الوعي بأهمية الاستقلالية والتطوير في مجال الأدب. كما يعكس البعد الشخصي في حياة الكاتب وتجربته، مما يخلق تواصلاً عاطفياً ويزيد من تقدير القارئ للجهود التي يبذلها الأدباء.
dohamol67@gmail.com