أمير تاج ل" للواء": "بذا تكون زهور تأكلها النار رواية معاصرة بقدر ما هي مستلة من عمق التاريخ."
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
تدل رواية "زهور تأكلها النار" للروائي أمير تاج السر على أنه مغرم بالشعر كثيرًا، كما أنه استمد كثيرًا من الصور التي وظفها في السرد، وأحيانًا ربما انقطع السرد في مكان ما واكتمل بقصيدة أو مقطع من قصيدة. رامونا ريماس شاعر افتراضي، وهو في الرواية مع قصائده من الأدلة القوية على تحضر الرواية، وتذوقها للفن، وتحضر المدينة أيضًا إلى حد ما، بالرغم من افتقارها لكثير من نواحي الجمال باعتبار الفتاة جزءًا من المدينة. الرواية قائمة على ثنائية القبح والجمال، التعمير والخراب، الأمن والفوضى الناجمة عن الحروب، وأعتقد أن وجود شاعر افتراضي في الرواية كان مهمًا جدًا لترسم قصائده اللوحات المطلوبة. وهذا مهم حتى تكتمل الحكاية. ومع الروائي أمير تاج السر أجريت هذا الحوار...
- زهور تأكلها النار، هل هي احتراق المرأة بين المذاهب أم صورة الأب عند الفتاة ومؤثراتها السلبية على حياتها؟
لم آتِ بجديد بالنسبة لوضع المرأة في مجتمعاتنا الذي تحدثه الطائفية والفوضى في كل زمان، بالرغم من أن المرأة أنصفت بالفعل في الديانات، خاصة الدين الإسلامي، وكرمت بحق. نحن إزاء أفكار انحرفت بشدة عن الفكرة الصحيحة والسلوك القويم للدين، وكلنا شاهدنا ما حدث في هذا العصر من أذى كبير للمرأة لا لشيء سوى أنها أنثى، ومطمع لكل متشرذم. لن أقول إن الرواية مرثية للأنثوية في زمن شرس، ولكن هي مرثية لكل ما هو خصب وتحويله إلى يباب. وجليٌّ أن المرأة هي الخصوبة بالطبع. لقد اخترت الراوي امرأة، ويقيني أنني لم أخطئ في ذلك، واستطاعت خميلة أن تدلي بالدلو الذي لن يستطيع أن يلقي به رجل في الحكاية. بالنسبة للأبوة، لا يمكن الإلمام بتفاصيلها كلها، هناك أبوات رقيقة هادئة، وأبوات شرسة، وأبوات تحكمها المصالح كما قرأنا أبوة جماري لابنته، هو يشاركها أفكارها وفي الوقت نفسه يبتعد عنها كثيرًا بأفكاره الخاصة بتجارته وحياته، حتى الأم نفسها كانت امرأة فنانة لكنها داخل الفن وحده، ولم تعطه دورًا قويًا في بيت الأسرة.
- لماذا رافقت الصور الشعرية بنية الرواية، وما الهدف من هذه المؤثرات الشعرية لريماس؟
عشقي للشعر بلا حدود، وأنا تركت كتابة الشعر كنصوص منفردة منذ زمن طويل، لكني أضعه في الرواية، أحيانًا جزءًا ممسكًا بقوة بلحم السرد وأحيانًا إشارات يمكن الوثوق بها لتفسير ما لم يستطع السرد المتداعي تفسيره. لقد فعلت ذلك في روايات عديدة، كتبت أغنيات المغني في "زحف النمل"، وقصائد شبيهة بالتراث في "مهر الصياح"، وكانت "زهور تأكلها النار" بحاجة لهذا الدم الشعري، خاصة أن ريماس كان حالة اخترعتها وتشبعت بها، وأظنني لم أكن مبالغًا في ذلك. هناك مقاطع عديدة رسمت الحياة بألوانها كلها ورسمت الحب والدهشة والرعشة أيضًا، وكان يمكن أن ترسم أشياء أخرى حميمة، لو لم تجتاح الفوضى مدينة السور وتقضي عليها.
- جلوس الحملان تحت مظلة الذئاب. أغرقت الرواية بالتلميح لمذا كل هذا الغموض؟
لا يوجد في رأيي أي غموض، وطريقتي في الكتابة معروفة منذ زمن طويل. أنا أهتم بالحكاية وفي الوقت نفسه أكون حريصًا على كتابتها بلغة جيدة، ويمكن تذوقها. أحب رسم الشخصيات بتأنٍ، وأكتب حركتها في النص بحيث يفهم القارئ تمامًا ويستطيع أن يشمر عن ساعديه ويمشي خلف الحكاية. هناك أشخاص لا يعجبهم أسلوبي السردي، وهذا حق مشروع فهو ليس إجباريًا. ودائمًا ما أقول مخاطبًا القراء بأنهم ليسوا مجبرين على متابعة كاتب لم يتذوقوا أسلوبه من الكتاب الأول. وشخصيًا أفعل ذلك من دون أن أكرر في كل مرة أقرأ فيها كتابًا لأحد بأنني لم أتذوق أسلوبه.
- تهدف الرواية إلى إظهار الفواحش الفكرية المرتبطة بموروثات لا علاقة لها بالأديان، ما الذي تريد معالجته؟
أظنني وضحت الكثير في الرواية، وتطرقت لكل ما رأيته معوجًا في الحكاية من دون أن أسعى لتقويمه لأن الكاتب ليس مصلحًا اجتماعيًا، ولم يعد التنوير من الأدوات الحساسة في هذا الزمان، الذي أسميه زمن الوعكة. أبسط شيء، ومع وجود التكنولوجيا وإمكانية الوصول إلى الناس في أسرة نومهم، أن يشتمك شخص لا يعرف عنك أي شيء، ولا يعرف أصلاً ماذا تكتب. وتمر بي يوميًا صور لعينة لأشخاص انتشلوا سير كتاب أعلام من الماضي، وعلقوها على مشانق الكلام الفارغ وادعاء المعرفة. وهناك من لا يعرف أصلاً من هؤلاء العظام وماذا قدموا.
- سطوة الرواية حاليًا تشبه سطوة الفكرة التي تناولتها روايات، هل لأنها تخدم المجتمعات في إظهار سلبياتها؟
لا، سطوة الرواية بسبب الفراغ والوهم وسهولة الوصول لقارئ ما في مكان ما، وأيضًا دور النشر التي سهلت طباعة اللغو، وتلك التي تصنع يوم الكاتب كما وصفته، وهو اليوم الذي يتأنق فيه الكاتب ويأتي بزهوره وحلوياته ليوقع لأصدقائه في معارض الكتب. الموضوع لم يعد ظاهرة وإنما مرض مستوطن في كل المعارض.
- تعدد الطوائف والهويات، ألن نعاني منه اليوم؟
بالطبع نعاني منه، وبذا تكون "زهور تأكلها النار" رواية معاصرة بقدر ما هي مستلة من عمق التاريخ.
Doha El Mol
أمير تاج السر يقدم روايته "زهور تأكلها النار" كعمل معاصر مستلهم من عمق التاريخ، مما يشير إلى دمج بين الواقعية الأدبية وتفاصيل التاريخ. هذا يُظهر سعي الروائي لخلق عمل أدبي يجمع بين الأصالة والحداثة، مما يتيح للقارئ فهم قضايا معاصرة من خلال عدسة تاريخية.
تاج السر في هذا الحوار يُبرز أهمية الشعر في عمله الأدبي، حيث يتم توظيف القصائد كجزء من السرد، مما يضيف عمقًا وإحساسًا شعريًا للكتابة. هذا يدل على استخدام الشعر ليس فقط كأداة للتعبير الفني، ولكن كوسيلة لتمرير الأفكار والمشاعر التي قد لا تكون واضحة من خلال السرد التقليدي وحده.
الرواية تستكشف القضايا الاجتماعية مثل الطائفية، وتأثيراتها السلبية على المرأة، بالإضافة إلى الثنائية بين القبح والجمال. يوضح تاج السر عبر روايته كيف يمكن أن تعكس الأعمال الأدبية الصراعات الاجتماعية والنفسية، ويستخدم الشخصيات لتعكس تلك الأبعاد.
يظهر تاج السر تعاطفًا عميقًا مع القضايا الإنسانية، خاصةً مع معاناة المرأة في ظل الطائفية والفوضى الاجتماعية. تعكس إجاباته في الحوار اعترافه بالألم والأذى الذي تعاني منه المرأة، وهو ما قد يخلق لدى القارئ مشاعر التعاطف والإدراك لأبعاد المشكلة. إن عشقه للشعر واستخدامه في الرواية يشير إلى أن تاج السر يعتبر الشعر وسيلة لتفريغ الأحاسيس العميقة والتجارب الشخصية. قد يشعر القارئ بأن الشعر يُحسن تجربته العاطفية ويعمق فهمه للمواضيع المطروحة. فالسر يعبر عن رؤيته الشخصية للأبوة والمرأة، مما يتيح للقارئ فرصة للتفكير في تأثير التجربة الفردية على الرؤية الجماعية. تعكس هذه التجارب تعقيدات العلاقات الإنسانية وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات.
الحوار يترك انطباعًا قويًا على القارئ فيستفزه لمعرفة ماهية الرواية أكثر من خلال حديثه عن دمج الشعر مع السرد، وتقديم صورة معقدة عن الواقع الاجتماعي والتاريخي. الرواية تترك انطباعًا بأنها ليست مجرد قصة بل دراسة في الأدب والفن والتأملات النفسية والاجتماعية.
القارئ قد يتأثر بالصورة التي يرسمها تاج السر عن تعقيدات المجتمع والعلاقات الإنسانية. التأملات في الرواية قد تخلق لدى القارئ انطباعًا عن عوالم متشابكة من الألم والجمال، مما يعزز التجربة القرائية ويشجع على التفكير العميق.
بناءً على الحوار مع أمير تاج السر، يمكن القول أن "زهور تأكلها النار" تندرج تحت تصنيف الأدب الذي يجمع بين السرد الشعري والواقعية الاجتماعية. الرواية توفر رؤية معقدة للأبعاد النفسية والفكرية للقضايا المطروحة، مما يؤثر على القارئ من خلال التعاطف والتفكير النقدي. الرواية تعكس تجربة إنسانية عميقة وتدعو إلى إعادة تقييم القضايا الاجتماعية، مما يجعلها عملًا أدبيًا ذا تأثير كبير على القراء.
dohamol67@gmail.com