حوار خاص مع الفنان التشكيلي زوهراب لجريدة اللواء لبنان
" إنّ جرح الشّعوب لا يُنتسى في أيّة بقعة من العالم مهما طال وعَنّفَ"
يسبغ الفنان" زوهراب" الخطوط بحركة تضفي على اللوحة صيغة موسيقية إيقاعية تنم عن انسجام بين الطبيعة والإنسان، وتتوازي فيها التراكيب الضوئية الممتدة مع المكونات الموحية بانفعالات تخيلية تتيح خلق علاقات تتمحور حول إيماءات فنية يمزجها مع الخطوط بوعي إدراكي، وخبرة ريشة جمالية تثير حسياً دهشة المتلقي ، فهو يمنح اللون المعنى المتناسق لعوالم لوحاته ، وطابعها الحركي المحسوس بصرياً ضمن ليونة الخط، وانحناءاته وتعرجاته واختلاطه بالأسود الواعي والحيوي بتواجده بين الخطوط والألوان، وكأنه الريشة النابضة بمفاهيم الأشكال المجردة ومعانيها، وايحاءاتها ، وانعكاساتها الأكثر جدلية لتوطيد العلاقة بين الخط واللون والضوء،ولخلق إثارة ذهنية تؤدي إلى فهم الدلالات التي يضعها " زوهراب" مع سينوغرافيته الخاصة في لوحات تحاكي الإنسان بكل تفاصيل الحياة والجمال.
تباين وتنامي في المسارات التي تعج بالضوء، وسكون وظفه للدلالة على الوقفات الزمنية المصحوبة بنظم خطوط لها أبعادها، ونظمها في تشكيل المعنى ضمن أسلوب يتميز بالجرأة والثقة، وبالخط المتمكن في حركته المؤثرة على الأخيلة الحسية ، وخواصها البصرية في تحديد الشكل الذي كلما نظرنا له رايناه يتجدد ، فالتشابك الزخرفي ألخطوط يؤلف متانة يبسطها " زوهراب" على مساحة مدروسة يتجاوز من خلالها الزمان والمكان، ويعيد للإنسانية بكوريتها الصافية، والمنطق الفني الذي يتكون من خلاله الفراغ والضوء، وباقي العناصر الشديدة الحركة في تعبيراتها المعبرة عن الطبيعة والحياة.
رؤية فنية متفردة تتابع في كل معرض من معارض" زوهراب"، فالمتلقي المتابع لأعماله تستهويه هذه الإنعكاسات البصرية للخط والضوء حيث يضعها في كل مرة ضمن معنى فني تشكيلي دال للحركة ، وطابعها الإيحائي لإضفاء جمالية خاصة على لوحات تجسد بوعي انفعالات وجدانية للخط ، وقدراته في خلق إيقاعات تستحوذ على الذهن ، وللتغلغل في أعماق الفنان " زوهراب" ومعه أجريت هذا الحوار
- متى تتلاقى الأهداف الخفية في الفن مع الواقع في أعمال الفنان زوهراب؟
إنّ الحياة اليوميّة تؤثّر على الفكر والرّوح، ويكون الفنّ تحت تأثير الواقع اليوميّ الممزوج مع الأفكار التي تخالدك خاصّة في اللّيل. لتكتمل الفكرة في الفجر.
- تحاول إثارة خيالات المتلقي في كل معرض جديد لك ليلتقط رموزك التشكيلية من أدق تفاصيل اللوحة ؟ ماذا يعني لك هذا ؟
إنّ إعطاء الفكرة للمتلقّي هي الهدف من الفنّ كي لا يكون الفنّ للفنّ فقط، بل يصبح تبادل الأفكار مع الغير وتكون الأحاسيس والأفكار متطابقة متكاملة أو متبادلة.
- نلمس في أعمالك إيديولوجية مثالية هل هذه فلسفة افلاطونية في فن زوهراب؟
هذه هي فلسفتي في الحياة لكي نصل إلى المثاليّة قدر المستطاع.
- ما هي مصطلحات زوهراب الفنية في الفن التشكيلي بشكل خاص؟
إنني استعمل كلّ مادّة لها لغتها التعبيريّة الخاصّة:
الإكريليك (Acrylic) قاسي ومادّة قويّة وصلبة.
الزيت (Oil) ناعم وحنون
الكواش (Gouache) يمدّ بسهولة لوجود الماء معه.
والمائيّات (Aquarelle) شفّاف وسريع العطب لأن كلّ ضربة ريشة لا تستطيع أن تعاودها.
هناك أيضاً الفحم (Fusain) والباستيل (Pastel) والسانغين (Sanguine) والرصاص (Crayon).
- تتميز ريشتك بعاطفة لون رومانسية لكنها تتمسك بعقلانية تظهر بالمساحات والتشابك بين الخطوط بتناغم تتضاد فيه الحركة، بماذا تفسر ذلك؟
إنّ الفكرة والأحاسيس هما اللذان يولدان اللّوحة فتكون سرعة التعبير وحركة اليد التي تأتي مع العقل والقلب هي النتيجة التي تولد في الشكل المطّاط للوحة من خطوط تتناغم أو تتضارب فتؤلف الهيكليّة.
- استخلاص لوني من الطبيعة والحياة ماذا يضيف الفنان زوهراب على لوحته من المعنين؟ ( الطبيعة والحياة)
إنّ ألوان الطبيعة والحياة هما من خلق الله الكامل. فالموضوع هو الذي يهدني إلى ألوان الطبيعة التي لا معنى لها بدون الإنسان، لأنّ هذا الأخير يعطي الطبيعة قيمتها فيكون الاثنان معاً مكملين للحياة.
- ثقافة، ادب فني، رسم ممهور بعقلانية ومقاييس تجذب المتلقي الى عمق اللوحة ، هذه مصطلحات ام حقيقة تهدف اليها في اعمالك الفنية؟
إنّ اللّوحة هي تعبير عن عدّة فنون (الرسم، الموسيقى، الشّعر، المسرح وأيضاً التاريخ..) ممّا يعطي للمتلقّي عدّة أفكار وثقافات تعبّر عن الإنسان وحياته الفكريّة والروحيّة، فيتفاعل معها ويقترب من اللّوحة.
- يتفاجأ المتابع لمعارضك كل مرة بدهشة مختلفة وتحتفظ دائما بإرث من معرض سابق بماذا يحتفظ زوهراب من هذا المعرض؟
إنّ في كلّ معرض يكون للفنّان قول جديد مثل كتاب جديد لكنّ المؤلّف هو هو. لذا تكون أحاسيس الفنّان مختلفة من لوحة إلى أخرى لكنّ المؤلّف ذاته.
- متى يستقرئ الفنان زوهراب ذهنيا الحدث المفاجئ في حياته ليضعه ضمن مساحة معينة في ذاكرة اللوحة التشكيلية؟
إنّ القماشة البيضاء أمامي تجعل من اليد والفكر والقلب يعملان سويّة وتخرج الأحاسيس إلى القماشة لتعبّر عن ما يدور في ذهني وروحي.
- هل لغياب أرمينيا حضورها المميز الذي تثابر عليه في في لوحاتك وانت ابن لبنان؟
إنّ جرح الشّعوب لا ينتسى في أيّة بقعة من العالم مهما طال وعَنّفَ ويكون في أحاسيسي كإنسان عادي وكفنّان أكثر.
- ماذا يقول الفنان زوهراب للجيل التشكيلي الجديد؟
إنّ الفنّ لا يحصل عليه بسهولة، فعلى الجيل الجديد أن يُثابر في عمله كي يصل إلى ذاته الفرديّة.
Doha El Mol
في هذا الحوار نكتشف أن زوهراب يرى أن الفن ينشأ من تداخل الحياة اليومية والأفكار العميقة. من منظور نفسي، يمكن تفسير ذلك على أنه تعبير عن كيفية تأثير التجارب الشخصية والعواطف على الإبداع الفني. من الناحية النقدية، يشير هذا إلى أن عمل زوهراب يتضمن تجسيدًا لعمق التجربة الإنسانية وكيفية تحويلها إلى لغة بصرية ملموسة. فنيًا، يمكن تفسير هذا التفاعل بين الحياة اليومية والفن على أنه تجسيد للإلهام المتبادل بين الفنان وبيئته. يعكس الفن هنا قدرة الفنان على تحويل التجارب الشخصية إلى تجارب بصرية تؤثر على المتلقي.
نكتشف أن زوهراب يعتبر أن الفن هو وسيلة لتبادل الأفكار مع الآخرين وليس مجرد تعبير عن الذات. نفسيًا، هذا يعكس فهمه لعملية التواصل العاطفي والفكري بين الفنان وجمهوره. النقديًا، يشير إلى أن الفن يجب أن يتجاوز مجرد الجماليات ليحقق تأثيرًا فكريًا وعاطفيًا.
نستطيع أن نؤكد أعمال زوهراب تعكس حرصه على خلق تفاعل حقيقي مع المتلقي، حيث يستهدف الإيحاءات والتفسيرات التي قد تختلف من شخص لآخر، مما يعزز من قدرة اللوحات على تقديم تجارب بصرية فريدة. كما يصف فلسفته بأنها تسعى إلى تحقيق المثالية قدر الإمكان، ويشير إلى أنها ليست فلسفة أفلاطونية. من الناحية النفسية، يعكس هذا سعيه لتحقيق أعلى مستويات التعبير الفني والجمال، وهو ما يعزز من إبداعه وفهمه العميق للفن.
فنيًا، يمثل هذا تأكيدًا على سعي زوهراب لتجاوز حدود التقليدية والبحث عن تحقيق نموذج فني مثالي، ما يعكس التزامه بالتحسين المستمر وتطوير أسلوبه. فزوهراب يستخدم مصطلحات متخصصة لوصف المواد الفنية بناءً على خصائصها. من منظور نفسي، هذا يعكس معرفة عميقة وقدرة على استغلال المواد لتعزيز التعبير الفني. نقديًا، يظهر هذا التباين في المواد الفنية كوسيلة لتحقيق تأثيرات مختلفة على المشاهد. كما أنه يربط بين العاطفة والعقلانية في أعماله. من منظور نفسي، يعكس ذلك توازنًا بين المشاعر والتفكير المنظم، مما يساعد في خلق عمل فني متوازن ومعبر. فنيًا، هذا التوازن بين الرومانسية والعقلانية يعزز من تنوع الأساليب الفنية التي يستخدمها زوهراب، مما يجعل أعماله غنية بالتفاصيل ومليئة بالتعبيرات المتباينة.
يرى زوهراب أن الألوان تعكس جمال الطبيعة والحياة التي لا معنى لها بدون الإنسان. من منظور نفسي، يمكن تفسير هذا على أنه تقدير للطبيعة ودور الإنسان في تفسيرها. نقديًا، يظهر هذا كيف يمكن للفن أن يكون جسرًا بين الإنسان والطبيعة. فنيًا، يعكس هذا الاستخدام للألوان إبداع زوهراب في دمج عناصر الطبيعة مع التجربة الإنسانية، مما يخلق أعمالًا ذات طابع فني يعبر عن توازن وتكامل بين الألوان والتجربة الحياتية. كما يرى أن اللوحة تعبير عن عدة فنون وثقافات. نفسيًا، هذا يعكس انفتاحه على تجارب متعددة وتأثيرها على إبداعه. نقديًا، يعكس هذا تعدد الأبعاد الثقافية والفنية في أعماله. فهو يعتبر كل معرض ككتاب جديد يحمل أحاسيس وتجارب جديدة، بينما يظل هو نفس الفنان. من منظور نفسي، هذا يشير إلى تطور مستمر في أسلوبه وتجربته، مع الحفاظ على جوهره الشخصي. نقديًا، يعكس هذا التزامه بالتجديد مع الاحتفاظ بالاستمرارية الفنية.
يستخدم القماشة البيضاء للتعبير عن الأحاسيس والذكريات. من منظور نفسي، يشير هذا إلى كيفية استجابة الفنان للأحداث المفاجئة وتحويلها إلى تعبير بصري. نقديًا، يعكس هذا استجابته العاطفية الفورية التي تنعكس في أعماله. يعتبر هذا الأسلوب طريقة لدمج اللحظات الشخصية المفاجئة في عمل فني دائم، مما يضيف طابعًا فريدًا للتجربة الفنية. إذ يربط بين جرح الشعوب وتجربته الشخصية كإنسان وفنان. من منظور نفسي، هذا يعكس التزامه بالذاكرة والتأثيرات الثقافية التي يحملها. نقديًا، يظهر هذا الارتباط العاطفي العميق مع تاريخ أرمينيا. يعكس هذا التأثيرات الثقافية العميقة التي تشكل جزءًا من رؤيته الفنية، مما يضيف عمقًا تاريخيًا وثقافيًا لأعماله.
في النهاية يشجع الجيل الجديد على المثابرة لتحقيق النجاح في الفن. من منظور نفسي، يشير هذا إلى التزامه بتمرير خبرته وتقديم دعم معنوي للفنانين الناشئين. نقديًا، يعكس هذا إيمانه بأن الفن يتطلب جهدًا وتفانيًا. تعتبر هذه الرسالة دعوة للجديدين في المجال الفني للالتزام والمثابرة لتحقيق إبداع حقيقي ومستدام.
هذا الحوار معه يظهر زوهراب كفنان يمتلك رؤية عميقة وفلسفة واضحة حول دوره وتأثيره في الفن. تفاعله مع المتلقي وتنوع تقنياته تجعله نموذجًا مثيرًا للاهتمام في الساحة الفنية.
dohamol67@gmail.com