حوار مع الكاتب والروائي اللبناني يوسف البعيني عن روايته "الغرفة السفلية"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

لم يناقش الروائي يوسف البعيني أحداث روايته مع القارئ، بل طرحها للزمن ليحاكي بها الأجيال التي لم تستطع مواكبة الأحداث في لبنان خلال فترة حرجة اتسمت بالعديد من القضايا، ومن أبرزها ملفات البيئة أو تلك الملفات المخبوءة إيحاءً بين طيات إقليمية لا يمكن التكهن بها. كما أنه نسج من حالة المرأة ما يضعنا مباشرة في دائرة مشكلاتها التي بدأت من مدرسة استغنت عن مهامها لأنها لا تملك شهادة جامعية، وهي التي أمضت في المدرسة بضع سنين أكسبتها خبرة لم تشفع لها بالبقاء في مضمار التعليم، لتقرر بعدها الدخول إلى الجامعة لنيل شهادة جامعية وضعتها أمام مخاطر جمة كانت في ذاكرتها أولاً، ومن ثم أصبحت في ملف محفوظ بعد اغتيالها مع زوجها. رواية "الغرفة السفلية" الصادرة عن دار النهار للروائي يوسف البعيني، وبعد قراءة لها جعلتني أحداثها في حيرة قوية، كان لا بد من الحوار معه لتتبلور الأفكار الروائية التي انطلق منها في كتابة روايته "الغرفة السفلية".

- رواية توثيقية لفترة مهمة من أحداث لبنان، لماذا هذه الرواية بالذات؟

للأسف، نحن لا زلنا نعيش فترات مهمة من أحداث لبنان، فهذا المخاض مستمر منذ العام 1920، عند إعلان دولة لبنان الكبير، وبعد أن أصبح لبنان كيانًا مستقلاً. حتى العام 1943، تاريخ إعلان استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي، مرت أحداث متعددة ومفصلية. ومنذ ذلك الحين، والبلاد تمزقها الصراعات، فحيناً بالتحرك السياسي، وحينًا آخر بالتحركات الشعبية المطلبيّة، ثم بالانتفاضات المسلحة كما حدث في العام 1958، ثم بالاقتتال الداخلي وما تبعه من تسوية سياسية عبر اتفاق الطائف، وما حدث بعد ذلك من أحداث وتطورات أرهقت الوطن وأهله، ومستمرّة حتى هذه اللحظة. أنا ككاتب أتألم ككل فرد من أبناء بلدي، وهذا الألم حاولت ترجمته عبر هذه الرواية "الغرفة السفلية"، لأنني لمست كم تركت تلك الفترة التي تدور فيها أحداث الرواية (1998 – 2001)، مع العودة إلى الحرب اللبنانية ومآسيها، من آثار سلبية تبلورت ببدء حملة الاغتيالات لقيادات سياسية فاعلة في العام 2004، وصولاً إلى واقعنا المرّ اليوم.

- غرفة سفلية متعددة الجوانب في زواياها ما بين الحرب والحب، اشتقاقات ومذاهب وعلاقة زواج بين أديان مختلفة، هل هذه من الواقع المحسوس أو الملموس؟ وهل يمكن في ظل الحروب وأحداثها الدخول في قصص الحب؟

الحب لا ينمو في أجواء السلام فقط، وربما ينمو أكثر في أجواء الحروب، لحاجة الإنسان، أقلّه من الناحية النفسية، إلى الآخر وحبّه وحنانه. أنا لم أضف شيئًا على الواقع. الحب ينمو في كل الظروف. أما بالنسبة إلى الزواج المختلط بين الأديان، فهذا واقع أيضًا في لبنان، والأمثلة لا تُحصى في ظل وجود ثماني عشرة طائفة، يعيش أبناؤها مع بعضهم البعض، ويتفاعلون في ما بينهم.

- الروائي يوسف البعيني ولغة تقريرية بين الفصول المحبوكة بملفات البيئة في لبنان، ألا يشكل هذا خطرًا على نجاح الرواية؟

لقد تناولت ملفات البيئة وما يحيط بها من فساد ولامبالاة وعدم سهر من المسؤولين، لأن ذلك واقع. هذه من عناصر البناء السردي في الرواية وحبكتها. ربما في مجال آخر مع رواية أخرى أتناول ملفًا آخر. أما إذا كان هذا الأمر يشكل خطرًا على نجاح الرواية، فأنا كتبت ما يُقنع، وما هو ملموس. كتبت بأصابع كل طفلة وطفل وشابة وشاب وكهل. كتبت بحنجرة كل لبناني، حتى المتورطين بالفساد والفوضى وغيرها، هم ضمنًا يدركون الواقع. أنا لم أتخيل مواضيع وكتبتها، بل جعلت المواضيع القائمة والحاصلة ضمن خيالي، ولا أعتقد أن هذا يُفشل الرواية؛ بل العكس تمامًا.

- رواية توثيقية لفترة ما، هل هذا يشكل بعض الهواجس لك؟ الجيل القادم سيقرأ وسيحلل ولن يسامح في أي خطأ تحليلي سياسي أوحيت له، ما رأيك بهذا؟

إن الهاجس الوحيد الذي شكلته الرواية لي هو عدم نشرها، وبعد نشرها شعرت وكأنني أزحت عني كابوسًا. ففكرة الرواية حضرت إلى ذهني عند سماعي نبأ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في الأول من تشرين الأول من العام 2004. غزت ذاكرتي حينها كل التطورات التي شهدها لبنان منذ بداية العام 1998، ومجيء عهد رئاسي جديد، وما حدث بعدها من تطورات أمنية، وخنق للحريات وغيرها. مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري وُلد لديّ إصرار على متابعة كتابة الرواية، وتابعت ببطء. مع العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006، وما تبعه، اتخذت قرارًا بعدم إكمال الرواية، ولكن مع بدء أحداث نهر البارد ومسألة فتح الإسلام، عاد إصراري لمتابعتها، وأنهيتها في العام 2009، ولفترة خمس سنوات لم أستطع نشرها لظروف عدة أبرزها أن العديد من دور النشر رفضت تبني نشرها، ومسؤول إحداها أبلغني بالحرف الواحد أنه خائف من نشرها لأنها تعالج بوضوح الإشكالية الأمنية في لبنان بين العامين 1998 و2001. أنا مرتاح لأن الجيل المقبل سيطلع على أمور ربما كانت خافية عنه، وأنا أقول له بوضوح: حريتك أغلى شيء لديك، بغض النظر إذا اعتُبر هذا الأمر تحليلًا سياسيًا أو ما شابه، وسيكتشف هذا الجيل أن وطنًا لا يحترم حريته، ولا يحافظ على كرامته وإنسانيته، هو وطن غريب عنه، وهو غريب فيه.

- نظرة أحادية ترمز إلى جانب سلطوي كان في لبنان وما زالت المعاناة مستمرة، هل هذا صحيح؟

لا أعتقد أنها نظرتي وحدي. أترك الإجابة عن هذا السؤال للقارئ. أنا مقتنع أنه كان ولا يزال يوجد جوانب سلطوية في لبنان.

- عندما نقرأ العنوان نتساءل عن معنى "الغرفة السفلية"، لماذا سفلية وفي منطقة معينة؟ هل هي قطعة من الواقع فعلاً أم تخيل روائي؟

الرواية مستوحاة من الواقع، والعنوان "الغرفة السفلية" هو المكان الذي ترتكز عليه مجريات أحداث الرواية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فـ "الغرفة السفلية" هي رمز للاعتقالات والتعذيب التي تقوم بها بعض الأجهزة الأمنية التابعة لدولة أو لفئة متسلطة، والإشكالية الرئيسية في روايتي أمنية بامتياز.

لا يمكن لقارئ "الغرفة السفلية" إلا أن يشعر باللغة الشاعرية والعاطفة المحبة الملموسة للبنان، هل في هذا مغالاة؟ أم أننا نكتب للوطن بموضوعية وأهمية في تاريخنا؟

أعشق وطني حتى العظم وبطريقتي. أنا ابن قرية، وعشت قسمًا من حياتي في قريتي، والقسم الآخر في بيروت. وأنا عايشت لبنان بكل تفاصيله قبل الحرب الداخلية، وعايشت الحرب، ورافقت كل تفصيل في وطني من مختلف جوانبه بعد الحرب. أين أذهب بكل هذا؟!.. منزلي في منطقة الشوف، والغرفة التي أكتب فيها، وأسمّيها "صومعتي"، مكشوفة على محمية أرز الشوف. أين أخبئ هذا الجمال؟ أين أخبئ النسمات الباردة وصوت المطر والغروب وسحر الثلج وغزل البحر لروحي؟ أين أخبئ هذا الخليط الفريد العجيب في لبنان، من تناقض ثقافات، وتناقض أهداف، وتناقض أحزاب؟ أين أخبئ نبض الشارع اليومي في لبنان في كل منطقة؟.. كل ما فعلته أنني استحضرت ذاكرتي وتركتها ترتاح على الورق بشغفي.

- رواية ذات أسلوب هادئ ومنطق واقعي في حواراته المبنية على أحداث تلمس الوجع الاجتماعي، هل حاولت نبش الجراح الماضية والتي تتشابه الآن؟

تألمت بصدق مع الناس التي تتألم، وإذا كنت قد ذكرت أمورًا مرّت في الماضي، فهدفي ليس نبش الجراح، بل التعلّم لعدم تكرار ذلك الغباء الذي أصابنا في فترة زمنية طويلة، وحملنا السلاح في وجوه بعضنا البعض، بدل التحاور والاستماتة لتكريس السلام الدائم والاستقرار. أردت القول من خلال ذلك أن الحروب دمار بلد واقتصاد، ودمار إنساني اجتماعي لا تُمحى آثاره بسهولة.

- لو حذفت العنوان وتركت روايتك في ملف سري للغاية أو بلا عنوان، ماذا تقول؟

أحيانًا لا نحتاج لعناوين إذا كان المحتوى واضحًا. وليس الهدف من نشر روايتي تركها في ملف سري. وإذا وُضعت في هذا الملف، يعني أن جهة ما لم يُعجبها العنوان ولا المحتوى، وهذا ليس من شأني.

- كنت بمحاذاة شخوصك دون استثناء، والتوازن ملموس في سير الرواية. إلا أن رأي الروائي متحيز لفئة سياسية واحدة، هل هذا عادل؟

أنا المؤلف، يعني ما كُتب في الرواية يعبر عن قناعاتي، ولكن كل ما قيل تم قوله بلسان شخصيات الرواية وهي متنوعة، وحاولت أن أكون مكان هذه الشخصيات: على ألسنتهم، وبتصرفاتهم، وبنواياهم.

- ألم تشعر بظلم النهاية التي وضعتنا أمام حوادث التفجير التي طالت العديد من الوجوه في لبنان؟

أين الظلم في ذلك؟.. كم حصدت التفجيرات من وجوه متعددة ومن أبرياء؟.. ما أردت أن أنهي روايتي بطريقة تُريح القارئ بالمعنى الذي تعودنا عليه مع أبطال رواياتنا العربية، أي النهايات السعيدة. أردت أن أترك صدمة توقظ ذاكرة القارئ، وتنبّهه إلى أمسه وحاضره ومستقبله.

- أعطيت المرأة قوة في المواجهة في اتخاذ قرارها، ماذا تعطي للطفل المعاق هادي الآن عبر حوارنا؟

للأسف، لا أستطيع إعطاء شيء لهادي وأمثاله. الإعاقة لا زالت عيبًا عند الكثيرين في بلدي، ولن تتغير هذه الذهنية إلا بتغيير مستوى الوعي والثقافة، وهذا يلزمه الكثير من الوقت والجهد. ربما تقلص المرأة منهما. نعم، المرأة الأم، والمرأة المثقفة والواعية، فدورها أساسي في درء الأخطار المختلفة عن مجتمعاتنا ووطننا، مهما كانت الصعوبات التي تواجهها. انظري إلى المرأة في الغرب – بغض النظر عما يُطلق عليها البعض من صفة التحرر اللاواعي – فقد أثبتت قدرتها، وكانت المرتكز لتطور مجتمعات وأوطان برمتها.

- يوسف البعيني ورواية سياسية، هل تعتبرها بمثابة وجود تاريخي محفوظ بلغة روائية؟

في الرواية قصة حب غير عادية، وقصة حياة تثبت الذات، وقصة مجتمع، وقصة وطن. روايتي هذه تطرح إشكاليات عدة. كتبت في هذه الرواية عن المرأة ونظرة المجتمع إليها، عن المرأة بعد زواج انتهى، عن المرأة وحاجاتها ورغباتها وقناعاتها وتحررها. كتبت عن إشكالية الزواج المختلط، وعن آثار الحرب، وعن حراك المجتمع المدني، والسياسة، وكتبت عن الأمن، عن القمع، عن الترهيب، عن الإعلام الموالي، و"فبركة" الأخبار والأحداث، عن المسؤول الأمني واستغلاله لمنصبه وتداخل قرارات القيادة بالمصالح الخاصة، كتبت عن الرأي والكلمة كيف يُخيفان العقليات المتسلطة، عن الوسائل المستخدمة لاغتيال المعارضين، عن أساليب الضغوطات عليهم لإسكاتهم، وكتبت كيف أدار الأمن البلاد في تلك الفترة، وكتبت عن الأصوليين ودور الأمن في تنفيذ عملياتهم الإرهابية. وعليه، لا أدري ما التصنيف الدقيق الذي يمكن إطلاقه على الرواية. أترك هذا للقراء والنقاد.

Doha El Mol

من خلال الحوار، يتضح أن يوسف البعيني يتمتع بقدرة بارزة على التعبير عن المعاناة الإنسانية والتاريخية. يظهر شغفه في التوثيق الأدبي لأحداث لبنان بوضوح، حيث يعبر عن الألم الذي يعيشه كأحد أبناء البلد. يُبرز البعيني اهتمامه العميق بمسائل البيئة والأمن والوضع الاجتماعي في لبنان، ويعتبر روايته "الغرفة السفلية" محاولة لرصد تأثير تلك القضايا على الأفراد والمجتمع . إذ يُلاحظ في الحوار أن البعيني لا يتردد في تناول قضايا حساسة قد تكون مثيرة للجدل. يظهر التزامه بالقضايا الاجتماعية من خلال اهتمامه بالمواضيع المتعلقة بالفساد، والعنف، والبيئة، وسوء الإدارة. هذا يظهر شجاعته الأدبية في مواجهة التحديات التي قد تنجم عن تناول قضايا ذات طابع سياسي وأمني. كما يُظهر البعيني رؤية إنسانية قوية في تعاطيه مع قضايا الحب، والزواج المختلط، والمعاناة الفردية. يُبرز في روايته اهتمامه بالجانب الإنساني من خلال تسليط الضوء على الألم والأمل في حياة الشخصيات. كما يعبر عن اعتقاده أن الحب يمكن أن ينمو في ظروف صعبة، وهو ما يعكس فهمه العميق للواقع الإنساني وتناقضاته.

من خلال الحوار معه يتضح أنه يحاول تقديم سرد موضوعي في روايته دون تبرير لأي جهة سياسية أو استقطاب. يُلاحظ في الحوار أنه يسعى لتقديم رواية تعكس التباين في الأحداث والواقع، مما يبرز نزاهته في محاولة تقديم صورة دقيقة وشاملة. فالأسلوب الذي يتبعه البعيني في كتابة الرواية يعكس مشاعره العميقة تجاه وطنه، وهذا واضح من خلال وصفه العاطفي للبنان وجماله وتناقضاته. يظهر تأثره العميق بالواقع الاجتماعي والسياسي، ويترجم ذلك إلى عمل أدبي يتسم بالعاطفة والجمالية.

يبدو أنه من خلال هذا الحوار يمتلك روحًا نقدية ذاتية قوية، حيث يعترف بالتحديات التي واجهها أثناء كتابة ونشر الرواية، ويعبر عن قلقه من أن الجيل القادم قد لا يتفهم أو يقدر تعبيره الأدبي بشكل كامل. هذا يعكس وعيه بالمسؤولية التي يتحملها ككاتب في تقديم رواية يمكن أن تثير التفكير والنقاش. كما يشير البعيني إلى رغبة في التعلم من الماضي وتجنب تكرار الأخطاء، وهذا يعكس التزامه بالعدالة والنهج التقدمي. من خلال تناوله لأحداث الماضي وتأثيرها على الحاضر، يسعى إلى تقديم رسالة تحث على التغيير والتقدم، مما يعكس رؤيته الإيجابية نحو المستقبل.

يوسف البعيني يظهر كشخصية أدبية ملتزمة، ذات حس عميق بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية. يظهر في حواره شخصًا شجاعًا قادرًا على التعبير عن قضايا معقدة بصدق وواقعية. قدرته على دمج الحبكة الأدبية مع القضايا الاجتماعية تعكس إبداعه ومهنيته كروائي. بقدر ما هو ملتزم بالتوثيق الواقعي، فإنه أيضًا يتمتع بروح إنسانية تعبر عن الأمل والتغيير، ما يجعله كاتبًا مميزًا يستحق التقدير والتفكير النقدي.

dohamol67@gmail.com