الغرفة السفلية

" لبنان الذي لا يعرف الانكسار"

ضحى عبدالرؤوف المل

تعلو النبرة الشاعرية في رواية " الغرفة السفلية " للروائي يوسف البعيني الصادرة عن "دار النهار" لبنان في أكثر من صورة برع في تحميلها محبته" للبنان الذي لا يعرف الانكسار، ولا الخنوع، ولا الهروب إلى الحزن، صدح صوته مع بدايات ذلك العام، ترنيمة شوق إلى الحياة، أسمعها إلى أهله الطيبين وضيوفه الباسمين" وفي كل هذا الوصف الجمالي حرقة في المعنى تعيدنا إلى الماضي" فكل معزوفة أمل كانت تعاند حاضر تلك المدينة " وهذا الانتعاش في المعنى هو وليد الاستقرار الذي أحس به اللبنانيون بعد حرب طالت، وحملت الدمار الذي أعيد إعماره بعد سلسلة من اتفاقات دولية وقرارات إقليمية أفرحت قلوب اللبنانيين المتعطشين للأمن وللاستقرار، إلا إن النزاع الخارجي لم يبرأ منه لبنان، لأن المصالح وإن بدت ضيقة كانت تتسع في العمق، لأن من عاش العمر على أبواب الحروب مرتزقا أو مقيدا لسياسة ما لا يمكنه التخلي عن دوره الدرامي أو التراجيدي، لأن المعاناة رافقت لبنان لا سيما أن البعض حمل ندوبا وجروحا وعاهات مستديمة يستحيل الشفاء منها، فإن كانت قنبلة هيروشيما قد أصابت الشعب بآلام لا تنسى فقد أصاب شعب لبنان عاهات لا تشفى، وأماكن ما زلت تحمل الآثار المدوية لرصاص اخترقها أو قذائف هتكت جدرانها، لأن الومضة الإنسانية كما يصفها الروائي يوسف البعيني تستفز رقة الأحاسيس والمشاعر.

حروق أصابت وجه الأم، وعمل استغنى عن خدمات ابنة الثلاثين، ورجل عجوز غادر الحياة تاركا لها طفله المعاق هادي، وأزمات تتوارى مع صمت الأم العجوز التي غادرها ابنها مهاجرا حيث لا عودة، والحب الذي لا ينسى، وفي أوجاعه لذة تتناقض مع الخوف من القذائف والقتل، وفي التضحية وجوه وطنية جمة، ولكن الحياة لا ترحم، والقرارات التي تصدر بعزل مدرسة عن عملها لسبب طرأ على تقدم الزمن، لأنها لا تحمل شهادة جامعية، وهي التي مارست التعليم في مدرستهم طيلة سنين، وفي هذا لمحة إلى قرارات اتخذت آنذاك طابعا مأساويا، لأنها قرارات أساءت إلى الأساتذة القدماء الذين خسروا وظائفهم يومها بسبب قرار لم ينصف الأساتذة ذوي الخبرة في التدريس، فالبداية كانت من التربية والتعليم، ومن أم شوهت الحرب وجهها، وتركتها عمياء تحت رعاية ابنة هي نفسها تحتاج للقلب العامر بالحب والرعاية. عقدة قد تبدو للقارئ عادية في بدايتها بل هي من واقع معيش في كثير من العائلات التي خسرت أفرادها أو أعمالها أو حتى بيوتها ومصدر رزقها، وفي هذا تهتك للنسيج الاجتماعي بل تلميح حتى لقضية لبنان ربما" كادت تنسى أنها امرأة شرقية، مع أنها لم تنس أن استقلاليتها وسيادتها على نفسها لا تعنيان بالضرورة تحررها المطلق " فهل هذا يوحي بأن لبنان لم يتحرر مطلقا يوما ما؟ وهو الذي بقي يئن بعد إعمار مدينة بيروت التي مجدها في روايته الغارقة بالأحادية السياسية، فالروائي يوسف البعيني لم يترك للقارئ متعة النقاش أو رؤية الأبعاد أو منح الفضاء الروائي واقعية يتخللها البناء التخيلي الموازي للواقع، أي في التخيل والاستنتاج بل قدم الواقع بتقريرية نسبية، وبذاتية صحفية سلبت من الروائي بعض خيوطه التي تراخت في مواضع الزواج من المطلقة أو الأرملة أو حتى من مذاهب أخرى، واشتدت سياسيا عند تنفيذ رجل الأمن مهمته ببرودة ثنائية، في المرة الأولى عند اختيار زوجته لمصلحة عامة، ومرة أخرى عند قتل امرأة اختارت سواه.

رواية سياسية تحمل في ثناياها انتماءات محددة، وملف بيئة تأججت شعلته، لتودي بمن حمله الى الموت، وهذا لم يمنح القارئ البعد في الرؤية أو روحية الاستنتاج الذهني المبني على حدث مرآتي متعدد الوجوه والتحليلات بل وجه أصابع الاتهام في روايته نحو عنوان سياسي واحد، وفي هذا إحراج للرواية، فبرغم مصداقياتها ولغتها التقريرية في بعض منها، إلا إنه اعتمد تصوير الخروج السياسي عن المنهج الإقليمي المكسو أحيانا بالأسى والتغطيات، فالحقيقة السياسية أبدا تبقى بغموضها حتى انتظار الإجماع والموافقة على إظهار الجزء الضئيل منها، وهذا يدركه تماما من هو متابع لقضايا لبنان والمنطقة في تلك السنين التي تعيدنا إلى خط ساد في فترة قاسية على لبنان، وأودت بحياة العديد من الأشخاص الذين كانت لهم اليد في بلسمة جروح لبنان، ولو بالعين التي يرى المواطن العادي فيها تلك الأحداث.

رمزية لابنة الثامنة عشرة التي تشابهت صفاتها مع لبنان، وفي المرأة دائما صفات الوطن الذي نحلم به، ونحن بأشد الحاجة إليه فهي الابنة "التي اعتادت في مسيرة حياتها أن تكون منفتحة على جميع الطوائف التي تكون الخليط الاجتماعي الفريد في لبنان، وهذه من صفات لبنان التي تجمع الإنسان تحت سماء إلهية واحدة ، فالشابة" آمنت بالاعتدال في المواقف، والمحافظة على المبادئ التي تساعد على تطوير الإنسان في لبنان." فالرمزية والإيحاء والواقع مفردات روائية تلاعب بها الروائي بدرامية عفوية، لتتزن الصور. فما بين الموت والحب تضحيات ارتسمت في عمق شخوصه المتحركة اجتماعيا وسياسيا حتى مذهبيا، فالموت لا يصنف الإنسان بل حين تزهق روحه في انفجار يبكي الملايين هو شهيد بكل المقاييس، لأنه عندئذ يكون ضحية تفجير جماعي من إعداد ضابط أمن أو سواه.

ارتكزت رواية الغرافة السفلية على الحدث المحلي الذي أصاب بفترة ما الناس بالذهول، وبأحداث فجائية غير متوقعة، كتلك الشابة التي لجأت من القصف لتجد فريد عطا بحالة هذيان بعد إخراجه من شقته بالقوة، حيث التقت المذاهب وتناحرت في آن، فالبناء السياسي في الرواية توحّد مع الطبقة الاجتماعية متجاهلا الأدوار العلوية من البناء الأساسي للرواية، وهو اتجاهات الدول، ربما اتخذ لها دورا ثانويا وترك للمعنى السفلي رمزية الطبقة الأكثر تأثرا في الحروب، وهي طبقة الشعب الرازح تحت وطأة الأحكام والقرارات والتفجيرات، وعلاقة التركيبات الأمنية في المس بخصوصية أصابه "سيادته " وهي مفردة توحي بنموذج بارع بالتقارير وباعتداءات تبقى كالسر المخفي المسبب لاغتيالات ولاختراقات تمس حتى حقوق الإنسان والبيئة والمجتمع .

ربما القارئ اللبناني بالأخص لم يشعر بالتخييل السياسي، لأنه عايش التشكيلات الدبلوماسية والقرارات الدولية، والمشاكل الاجتماعية في لبنان حتى البيئية منها، لكن التخييل السياسي بدا بالأسلوب من حيث رؤية خلفيات الأحداث بمنظار صحافي تحليلي، وبتقريرية اتخذت عدة معلومات وقرارات، حتى بوجود صحافة تعتمد على البقية تأتي والخبر المحبوك والمنظم، والإعلام الموالي لجهة استاءت من ميول حاربتها بشتى الطرق والوسائل، وبأحداث تتكرر في أكثر من زمن مر على لبنان حيث الأخبار هي الأخبار نفسها التي تتطابق مع سني الماضي. إلا إن للعنوان" الغرفة السفلية" اتجاهات جمعت الخيوط الروائية عند نقطة واحدة توجهت إليها الأنظار بدهشة عندما استفاقت الذاكرة التي لا تنسى ذكرى حبيب أنجبت منه مولودها المعاق الذي أتى بلحظة غيبوبة تشبه غيبوبة لبنان في حرب دمرته، واستفاق ليبحث عن ذاته في ذاته ضمن الغرفة السفلية التي لجأت إليها ابنة الثامنة عشر بعد أن توقف فيها الزمن عند هذا اللقاء، وشغفه الذي يصعب نسيانه، فهل باسمة الحسان في جزء منها هي لبنان أم هي لبنان الساكن فيها والباقي بروحه الخالدة وأرضه الحنون؟

Doha EL Mol