المخرج إيلي خليفة لمجلة "مرايا": "طبيعي في كل فيلم أن يقع تصادم أو استفهام صغير بين المؤلف ككاتب للنص والمخرج."

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

يضفي الواقع السينمائي الذي اختاره المخرج إيلي خليفة نوعًا من الاستنكارات وأيضًا من القبول، تبعًا للرؤى الاجتماعية التي يتميز بها لبنان، وإن حمل الأسلوب الإخراجي ديناميكية بسيطة من حيث التصوير أو بالمشاهد وأسسها التكوينية أو التأليفية، والتي برزت فيها الوجوه التمثيلية بجمالية لها ميزتها الخاصة. إلا أن للفنانة جوليا نصار بصمة مختلفة؛ لأنها الأقرب اجتماعيًا إلى قلوب الجماهير، فقد استطاعت منح الفيلم ضحكة بخاصية شفافة داعبت فيها الأفكار الرافضة والمتوافقة مع العمل. كما أن للإخراج رؤية حياتية تلامس الجميع لما تحمله المشاهد من بساطة في الصورة والكلمة والموسيقى المشبعة بالتعابير الإيقاعية الموائمة للحدث المبني على أسس اجتماعية مأخوذة من الحياة البيروتية بشكل خاص. لكنها تضع المرأة ضمن مفارقات تختلف عن بعضها البعض بمحاولة انتقادية اجتماعية شاركت فيها شخوص الفيلم بأسلوب سلس وخفيف وناضج، رغم سلبيات المواقف الجريئة التي سلطت عليها الضوء الكاتبة نبال عرقجي، والتي استطاع تبسيطها المخرج إيلي خليفة بتقنية تتفاوت فيها المشاهد من حيث القوة السينمائية، لتكون متوافقة أو متناغمة مع مجتمع حساس كمجتمع بيروت. ولفهم المعطيات الإخراجية في فيلم استطاع فيه المخرج إيلي خليفة تذليل صعوبات عديدة منها التوافق بين النص والرؤية الإخراجية، كان هذا الحوار:

- غازل المخرج إيلي خليفة مشاهد فيلم "يللا عقبالكن" بإحساس مرهف وبطبيعة مشهد من الحياة. هل لأن الفيلم هو اجتماعي بالدرجة الأولى؟

هو فيلم اجتماعي ونحن كنا نريد تسليط الضوء على مشكلة اجتماعية في لبنان. عندما بدأنا بالمشروع فكرنا أن نقوم بفيلم للجمهور دون التفكير بالمهرجانات، بفيلم ذكي وجريء وبأسلوب عفوي يطرح هذه المشكلة الاجتماعية بأسلوب سلس ومضحك.

- متى يفرض المؤلف الدرامي على المخرج رؤيته من خلال النص؟ وهل استطعت استخراج مكنون كل شخصية بقناعة بذلك؟

طبيعي في كل فيلم أن يقع تصادم أو استفهام صغير بين المؤلف ككاتب للنص والمخرج. من أجل ذلك نرى في السينما العالمية أو نقرا في الصحافة أن رؤية المؤلف كانت مخالفة لرؤية المخرج. وهذا بالنسبة لي أن النص كسيناريو يختلف عن الإخراج في الفيلم. وأنا و"نبال عرقجي" اتفقنا على بعض المفاهيم واختلفنا بالنسبة لأخرى. لكن بالنهاية الفيلم هو من ربح، أو بالأحرى هو الربح الحقيقي فهو فرض نفسه. لأن خلال التمارين لأسابيع مع الممثلين، تغير الكثير من النص واستطعت رؤية الإخراج كيف سيكون في كل مشهد، خصوصًا تلك المشاهد الحوارية الطويلة والجريئة التي استطعت التلاعب بها نوعًا ما مع الممثلين من خلال تدريبهم على ذلك في مسرح في بيروت. لهذا عندما بدأنا بالتصوير استطعنا توفير الوقت لأن الكل كان مستعدًا لذلك بعد التدريبات التي قمنا بها.

- الفيلم جريء نوعًا ما على مجتمعنا اللبناني، إلا أنه موجود اجتماعيًا. ما رأيك بهذا؟ ألا تظن أنك أفرطت ببعض المشاهد بحميمية العلاقة مع الآخر؟

الفيلم هو فشة خلق وأوكسجين، لأن الكثير من النساء شعرن بذلك، خصوصًا أن نسبة الحضور النسائي في هذا الفيلم كانت الأكبر. وهذا الفيلم يطرح مشاكل المرأة دون تورية أو خوف من السائد المعروف، لأننا استطعنا استخراج ما هو مخفي في المجتمع، وإن بجرأة قد انتقدها البعض وأحبها البعض الآخر.

- كيف تصف مراحل العمل الإخراجي في هذا الفيلم؟

في هذا الفيلم كان يوجد معي فريق كامل متكامل ومتعاون جدًا. بالنسبة للممثلين، للفريق التقني، وللكاستينغ، بالنسبة للممثلين من الدرجة الأولى. ونحن عندما بدأنا مع مدير التصوير بالعمل، كانت روح الجماعة طاغية علينا، والاعتماد على البساطة. وبنفس الوقت، لم أبحث عن التعقيد التقني بالتصوير وغيره، لأن أهم شيء بالنسبة لي في السينما هو الممثل أمام الكاميرا. ولأن كل مشهد يفرض نفسه بنفسه، لهذا تختلف المشاهد كما يتطلب أن تكون تلقائيًا منسجمة مع رؤيتي الإخراجية.

- استطعت المطابقة بين فهم النص الدرامي وخواص الممثلين بنسبة عالية. هل تم هذا أيضًا مع الموسيقى التصويرية؟

قمنا بتمارين كثيرة مع الممثلين والنص الدرامي والإخراج، ونفس الشيء كان رائد الخازن، الموسيقي ومؤلف الموسيقى التصويرية لفيلم "يللا عقبالكن"، يرافقنا أثناء التصوير. ومن ثم، بعد المونتاج أيضًا، حاول أن يطابق الموسيقى التصويرية بشكل أوسع مع الفيلم بشكل كامل واستطاع تطبيق رؤيته على المشاهد. فالموسيقى كان دورها مهمًا في هذا الفيلم.

- يتميز الفيلم بالبساطة الاجتماعية وبضوء مسلط على المجتمع البيروتي تحديدًا. لماذا؟

الفيلم يتحدث عن شريحة من المجتمع في بيروت، وهؤلاء البنات الأصحاب من ريفيرا وجيم وبيوت أهاليهن. والإخراج ليس لفيلم وثائقي عن بيروت، إنما لهؤلاء الشخصيات، لكي أسلط الضوء على الأماكن بقدر ما أردت تسليطها على الوضع الاجتماعي والسلوكي للصبايا. وأنا دائمًا أتبع الشخصيات والفيلم يتجه نحوهم. منذ كم سنة قمت بإخراج فيلم بعنوان "فان إكسبرس"، قصة لشابين بمنلكان (فان) أو باص صغير مستعمل، ويبيعان قهوة إكسبرسو. وهو مختلف عن "يللا عقبالكن" لأن أحداثه تدور تحت الجسور بمناطق شعبية جدًا، وكان يعكس صورة عن بيروت وبشكل مختلف كليًا عن فيلم "يللا عقبالكن". لهذا أعتقد أن شخصيات الفيلم هي التي تفرض على جمهور الفيلم متابعته.

- وجود الفيلم ضمن مهرجان طرابلس ماذا أضاف له؟ وما رأيك بمهرجان طرابلس للأفلام؟

أنا سررت جدًا أنه تم عرض فيلم "يللا عقبالكن" في مهرجان طرابلس، وهو يختار أفلامًا نخبوية. وأنا مسرور جدًا بذلك لأن الأفلام فيه جميعها مهمة.

Doha El Mol

من خلال هذا الحوار، يُظهر إيلي خليفة وعيًا عميقًا بالمفاهيم الإخراجية وكيفية التعامل مع النصوص والممثلين. يُشير إلى وجود تصادمات طبيعية بين رؤى المؤلف والمخرج، وهو ما يعكس فهمًا دقيقًا لعملية التعاون الإبداعي. يظهر أن خليفة يقدر التفاعل بين النص والرؤية الإخراجية، ويعتبر أن التعديلات على النص أثناء التمرين تساعد في تحسين الجودة النهائية للفيلم. عبر الحوار يؤكد أهمية العمل الجماعي ويعطي أهمية كبيرة لفريق العمل، بما في ذلك الممثلين وطاقم التصوير. يبرز التفاعل بين التمارين والتصوير كعنصر أساسي في إنجاح المشروع.

يُفضّل خليفة البساطة في الإخراج، حيث لا يسعى للتعقيد التقني بقدر ما يركز على التعبير البصري والتمثيلي، مما يعكس رغبة في الحفاظ على الأصالة والصدق في العمل السينمائي. إذ يظهر من الحوار أن خليفة يحاول تقديم فيلم يتناول قضايا اجتماعية حساسة بجرأة، وهو يعي التأثير الذي يمكن أن يحدثه الفيلم على الجمهور. يتضح من إجاباته أن هناك اهتمامًا بجذب انتباه المشاهدين من خلال تقديم محتوى يلامس قضايا واقعية بطريقة غير تقليدية.

هويعترف بأن الفيلم يحمل طابعًا جريئًا ويهدف إلى تحدي الأعراف الاجتماعية. يعكس ذلك رغبة في إثارة النقاش وزيادة الوعي حول قضايا النساء والمجتمع اللبناني. إذ يبرز خليفة إدراكه لتباين ردود الفعل بين من يحب الفيلم ومن ينتقده، مما يشير إلى استعداد لتقبل النقد والاستفادة منه. كما يتضح أن خليفة يشعر بالفخر والإنجاز تجاه فيلمه، ويعكس شعورًا بالرضا عن التعاون والتفاعل الإبداعي مع فريق العمل. يعبر عن تقديره للعمل الذي قام به فريقه ويظهر تفهمًا عميقًا لتأثير الفيلم على المشاهدين.

أيضاً يظهر ثقة بالنفس تجاه عمله واعتزازًا بالنتائج التي حققها. يشعر بالرضا تجاه كيفية تطور النص والإخراج، ويعتبر التعاون مع فريقه عنصرًا حيويًا في نجاح المشروع.

إذ نكتشف من خلال الحوار أن عند خليفة الوعي بتأثير الفيلم على المشاهدين، حيث يعترف بأن الفيلم يمكن أن يكون له تأثيرات مختلفة على مختلف الأشخاص. يعكس ذلك فهمًا عميقًا لأهمية تأثير العمل الفني على الجمهور وكيفية تلقيه.

المخرج إيلي خليفة يظهر من خلال هذا الحوار قدرًا كبيرًا من الفهم الإخراجي والنفسي لمشروعاته. تعكس إجاباته توازناً بين الجريء والواقعي، مع التركيز على التعاون والتفاعل الإبداعي. كما يعكس وعيه بتأثير العمل على الجمهور ومدى أهمية تبادل الأفكار بين أعضاء الفريق لتحقيق أفضل النتائج. من خلال تحليله لعملية الإخراج، يظهر خليفة القدرة على الجمع بين الرؤية الإبداعية والمرونة في التعامل مع التحديات، مما يعزز من تقديره للمشروعات التي يقوم بها واهتمامه بالاستجابة لردود فعل المشاهدين.

dohamol67@gmai.com