المخرج السينمائي والأستاذ الأكاديمي حسام خياط لمجلة "مرايا":
"فيلم التحريك يحمل فكرة فلسفية اجتماعية أو سياسية يعجز عن حملها الفيلم الروائي المعروف."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
هو الأستاذ الجامعي الذي رافق تلاميذه في رحلتهم الفنية في عالم الإخراج والسينما، وخصوصًا أفلامه الوثائقية المهمة على صعيد لبنان والخارج. وهو المخرج ورئيس لجنة الانتقاء لأفلام مهرجان طرابلس وعضو هيئة التحكيم الذي برز في ظهوره أثناء المهرجان الأخير من حيث قدرته على النقد السينمائي ورؤيته الأكاديمية الموزونة في دراسته لنوعية الأفلام المشاركة، مع اهتمامه بالفن الإخراجي بشكل عام. ومعه أجرينا هذا الحوار.
- المخرج حسام خياط: متى بدأت بفن الإخراج وما المميز في هذه الرحلة الطويلة؟
بدأت الإخراج منذ السنة الدراسية الأولى في معهد السينما بمدينة موسكو، وكان على كل طالب أن يقوم بإخراج فيلم قصير كل سنة على مدار سنوات الدراسة الخمس وصولًا إلى فيلم التخرج. الدبلوم كان فيلمًا روائيًا قصيرًا (30 دقيقة) مقتبسًا عن رواية غادة السمان "كوابيس بيروت". وبعد تخرجي من المعهد، أخرجت العديد من الأفلام الوثائقية مع حلمي الدائم بإخراج فيلم روائي طويل، هذا الحلم الذي ما زلت أحمله على كاهلي منذ عشرات السنين على أمل إيجاد الفرصة المناسبة، وذلك إلى جانب ممارستي لمهنة التدريس الجامعي. فأنا أستاذ متعاقد في الجامعة اللبنانية، كلية الفنون، أقوم بتدريس مادتي الإخراج السينمائي والسيناريو.
- الحياة فيلم طويل، هل استطعت ضبط الإخراج في كل مشهد حياتي واستخرجت منه مضمونًا ما؟
هذا يذكرني بقول المثل القدير يوسف وهبي: "الحياة مسرحية ونحن الممثلون في هذه المسرحية، كل منا يقوم بدوره المطلوب". فالحياة بتنوعها تبقى المصدر الرئيسي للموضوعات السينمائية التي يتناولها كل حسب رؤيته الفنية وثقافته ونشأته. والحياة باختصار هي مصدر الوحي والإلهام لكل فنان.
- صناعة اللقطة تحتاج إلى حبك متين، هل ترى هذا حاليًا في الإخراج اللبناني؟ وأين؟
اللقطة السينمائية هي رؤية المخرج البصرية على الشاشة. اللقطة السينمائية تبدأ في ذهن المخرج كالجنين منذ اللحظة الأولى على صفحات السيناريو، وصولًا إلى وضعها حيز التنفيذ أي أثناء التصوير، لكي تؤدي دورها المطلوب إلى جانب اللقطات الأخرى من أجل إيصال المعنى إلى المشاهد. اللقطة السينمائية هي رؤية المخرج من زاوية التصوير وحجم اللقطة، وهي حركة الكاميرا إلى جانب الإضاءة وأداء الممثل داخل اللقطة. هي عملية معقدة جدًا، وهي أجمل شيء بالنسبة للمخرج.
- هل من تربية سينمائية في مدارسنا وما هي أهميتها برأيك؟
بصراحة، وللأسف، لا. والسبب يعود إلى غياب مادة السينما في البرامج التعليمية للمدارس، علمًا بأن الجهة المسؤولة عن المدارس في لبنان اسمها وزارة التربية والفنون الجميلة. ففي الماضي، كانت تقام عروض سينمائية بشكل أسبوعي في المدارس تحت إشراف أخصائيين يتولون إدارة النقاش حول الأفلام مع التلاميذ من أجل مساعدتهم في التحليل والفهم الصحيح لجمالية اللغة السينمائية. هذا إلى جانب الغياب التام لدور العرض السينمائي في المدينة. فجميع الصالات أغلقت أبوابها زمن الحرب اللبنانية ولا تزال حتى يومنا هذا مقفلة للأسف. فمن أين تأتي الثقافة أو التربية السينمائية؟
- حسام خياط، من هو وما رأيه بمهرجان طرابلس للأفلام الذي يقام كل سنة؟
مهرجان طرابلس للأفلام هو خطوة رائدة وضرورية، وذلك من أجل إخراج المدينة من وضعها الراهن. مهرجان طرابلس هو مهرجان دولي بكل معنى الكلمة، فالأفلام المشاركة في المهرجان بلغ عددها 178 فيلمًا من أكثر من أربعين دولة، ثم اختيار 39 منها للمشاركة في المسابقة، تتوزع على خمسة فئات: الروائي الطويل، الروائي القصير، الوثائقي الطويل، الوثائقي القصير، هذا إلى جانب فيلم التحريك. والمهرجان هو فرصة ذهبية من أجل تعريف الأجيال بالسينما وأهميتها، خاصة للأسباب التي ذكرتها سابقًا.
- يترجم المخرج العمل الفني تبعًا لرؤيته الخاصة، متى يتحكم السيناريو بالمخرج؟
فن السينما، كما هو معروف، فن جماعي، وتنفيذ أي فيلم سينمائي يتطلب وجود فريق عمل متكامل يعمل كل من أعضائه في مجال تخصصه تحت إدارة شخص واحد، هو المخرج. فالمخرج مسؤول أولًا وآخرًا عن نجاح أو فشل الفيلم. والسيناريو هو الخطوة الأولى في عملية تنفيذ الفيلم، مما يعني المدماك الأساس، فالسيناريو الجيد ينتج عنه فيلم جيد، أو ربما سيء، وذلك يعود إلى مقدرة المخرج. أما السيناريو السيء الصنع، فمن المستحيل أن ينتج عنه فيلم جيد ولو كان المخرج من عباقرة السينمائيين. والسيناريو عادةً يكتب مع السيناريست حسب رؤية وأسلوب المخرج الذي يحب أن يشارك في كتابة العمل.
- وصية عن فن الإخراج تتركها لتلاميذك؟
ليس هناك وصية محددة، ولكن أقول دائمًا لطلابي أن يعملوا بحب وشغف. وأجمل لحظات الإبداع يعيشها طالب قسم الإخراج السينمائي وهو على مقاعد الدراسة لأنه يتمتع بمساحة من حرية التعبير لا حدود لها. هذه المساحة التي تبدأ بالانكماش والتقلص مع النزول إلى سوق العمل والعلاقة بالجهة التي تتولى إنتاج العمل السينمائي، والتي غالبًا ما تحد من حرية المخرج في الإبداع والتعبير.
- الكثير من الأفلام باتت متشابهة، والبعض منها غير مثير للذائقة الشبابية، ما هي المعايير التي تم اتخاذها لدخول الفيلم في مهرجان طرابلس للأفلام؟
صحيح أن هناك العديد من الأفلام المتشابهة، وهذا شيء طبيعي من حيث الموضوعات، ولكن يبقى أسلوب المخرج في المعالجة والتعبير هو ما يعطي الفيلم شكله النهائي والمتميز عن غيره من الأفلام. المعايير التي تم اعتمادها في عملية اختيار الأفلام المشاركة في المهرجان هي معايير دولية ترتكز على موضوع الفيلم أولًا، ثم الشكل الفني للفيلم. والملفت للنظر أن غالبية الأفلام المشاركة هي على درجة عالية من الجودة والجدية، ومن هنا كانت صعوبة اختيار أفضل فيلم.
- أفلام التحريك نخبوية كما لمست في مهرجان طرابلس، ماذا تخبرنا عن أهميتها؟
لا أوافقك الرأي مئة بالمئة، فأفلام التحريك ليست نخبوية، ولكن الجمهور لم يعتد على هذا النمط من أفلام التحريك الجادة والموجهة إلى الكبار. فعمومًا اعتدنا على أفلام التحريك الموجهة للأطفال والتي تعرض عبر شاشات التلفزيون. أما أهمية الأفلام التي شاركت فهي التعبير بالرسوم عن رؤية وفكرة المخرج الذي يريد إيصالها إلى الجمهور. وفي كثير من الأحيان نجد أن فيلم التحريك يحمل فكرة فلسفية اجتماعية أو سياسية يعجز عن حملها الفيلم الروائي المعروف.
- كلمة أخيرة من المخرج حسام خياط لطرابلس ولجريدة عمان:
كلمة أخيرة أحب توجيهها إلى مجلة "مرايا" الغراء، والشكر والامتنان لإدارتها ولأسرة التحرير، وتمنياتي لها بالتألق الدائم.
Doha El Mol
من خلال حواري معه يظهر المخرج حسام خياط كفرد يمتاز بشغف عميق وحب حقيقي لفن الإخراج. حديثه يعكس تجربة غنية ومعرفة واسعة، مزيج من الفلسفة الشخصية والتقنية السينمائية. تنبثق من أقواله قدرة على توجيه وتدريب الآخرين، مما يعزز صورته كمعلم مخلص ومبدع. اعتزازه بعمله وتقديره للسينما يظهر بوضوح من خلال تأكيده على أهمية الجودة والإبداع في اختيار الأفلام وممارسته.
كما يُظهر تقديرًا كبيرًا لمهرجان طرابلس للأفلام، معتبرًا إياه منصة دولية هامة تسهم في إثراء الثقافة السينمائية في المدينة. تعبيره عن أهمية المهرجان يعكس اعترافه بالدور الحيوي الذي تلعبه مثل هذه الفعاليات في دعم السينما وتعزيز المشهد الفني.
فالحوار يعكس التحديات التي يواجهها في مجال السينما، مثل نقص التربية السينمائية في المدارس وإغلاق دور العرض. لكن خياط يظهر أيضًا نظرة متفائلة حول الأمل في تحسين المشهد السينمائي من خلال المهرجانات والبرامج الأكاديمية. كما يتناول خياط في حديثه الجوانب الفنية والإخراجية بدقة، موضحًا كيف أن اللقطة السينمائية هي نتاج رؤية المخرج وتخطيطه الدقيق. يُظهر فهمًا عميقًا لأهمية السيناريو في تشكيل الفيلم ونجاحه. من خلال حديثه عن عملية اختيار الأفلام في مهرجان طرابلس، يُبرز المعايير الدولية التي تعتمدها اللجنة، مما يشير إلى التزام بالمعايير الاحترافية والتقنية في تقييم الأعمال الفنية.
يقدم خياط نقدًا موضوعيًّا لغياب مادة السينما في المدارس، موضحًا كيف يؤثر ذلك على فهم الطلاب للغة السينمائية. من خلال تعليقه، يبرز أهمية إدخال التربية السينمائية ضمن المناهج الدراسية لتعزيز الثقافة والفهم السينمائي بين الأجيال الشابة. إذ يشير خياط إلى تميز أفلام التحريك وقدرتها على تناول موضوعات فلسفية واجتماعية، مما يبرز تنوع أساليب التعبير السينمائي وقدرتها على التأثير. تعليقه حول افلام التحريك يعكس فهمًا عميقًا لأهمية هذا النوع من الأفلام في توسيع آفاق التفكير والتعبير الإبداعي.
فالحديث معه يعكس شخصية مليئة بالشغف والتفاني في العمل. خياط يظهر اهتمامًا كبيرًا بفنه وتدريسه، مما يعكس دافعًا عميقًا لتحقيق النجاح والإبداع. اعترافه بصعوبات العمل والنقد البناء يدل على استعداد للتركيز على التحسين والتطوير.
فرغم التحديات التي يواجهها، يظهر خياط نظرة واقعية تتسم بالتفاؤل. يشير إلى الصعوبات في القطاع السينمائي ولكنه أيضًا يتحدث عن الأمل والفرص التي توفرها المهرجانات والبرامج التعليمية. هذا التوازن بين الواقع والأمل يعكس مرونة نفسية وإيجابية في التعامل مع الظروف. كما يعبر عن رؤيته الشخصية للفن السينمائي وكيفية تأثيره على المشاهدين. تتجلى شخصيته الإبداعية من خلال تأكيده على أهمية التعبير الفني الفريد والتجارب الجديدة، مما يعكس إبداعًا عميقًا ورؤية واضحة في مجال عمله.
ومن خلال حديثه، يظهر خياط تقديرًا عميقًا للفن السينمائي والإبداع. يعبر عن كيف أن السينما ليست مجرد صناعة، بل هي شكل من أشكال التعبير الفني الذي يحتاج إلى تفكير وتأمل عميق. هذا التقدير يعكس فهمه للأهمية الفنية للمشروعات السينمائية ويبرز التفاني في تقديم أعمال ذات جودة عالية. ىكما يُظهر خياط قدرة على النقد والتحليل الموضوعي، سواء من خلال تقييمه للأفلام في المهرجان أو تعليقه على تربية السينما. هذه القدرة على التحليل تعكس خبرته الواسعة في المجال ومدى اطلاعه على التوجهات والأساليب المختلفة في الإخراج والسينما.
خياط يولي أهمية كبيرة لتعليم السينما وتوجيه الطلاب. من خلال إشادته بأهمية الإبداع والحرية التعبيرية في التعليم، يعكس اهتمامه بنقل معرفته وتجربته للأجيال الجديدة، مما يعزز دوره كمعلم ومرشد في مجال الإخراج.
بشكل عام في هذا الحوار يقدم حسام خياط نفسه كمبدع متفاني ومعلم ملتزم بتطوير مجال السينما وتعليم الأجيال القادمة. تحليله يعكس فهمًا عميقًا للفن والتقنيات السينمائية، ويظهر قدرة على التوازن بين الواقعية والتفاؤل في مواجهة التحديات.
dohamol67@gmail.com