سعيد عقل في ذاكرة الكلمة

ضحى عبدالرؤوف المل

"فما ضاق بإبن الجار جيران" سعيد عقل في ذاكرة الكلمة. رأيته على تلفزيون لبنان أول مرة، ولا أذكر بصراحة كم كان عمري يومها. لأن قصائده في كتب القراءة كانت تجعلنا نشعر بخيبات مدرسية تثير قلوب الأساتذة علينا. إلا أن لكلماته الرنانة إيقاعاتها التي تلعب دورها في الذاكرة، فتستقر ولا تغادرها. لأننا كنا نحفظ القصيدة ومن ثم نسمعها أغنية على شفاه فيروز أو شفاه من أحب كلماته ولم يعرفه أو يشاهده وجهًا لوجه. لم أحبّه يومًا لأن شعره الأبيض الذي يقف ويعلو كثلوج جبال صنين في لبنان يبدو كظل حركات الضاد المفتوحة والمكسورة التي يؤنبنا عليها أستاذ اللغة العربية، ولغته العربية الفصحى التي تحيا بين شفاه كضلوع صخر لبنان النايض بليونة معاني غامضة ذات تنهدات مغمومة في صدورنا وعقولنا العاجزة عن فهم المعنى. في بعض الأحيان لم نستطع فك شيفراتها اللغوية الموصدة على عقول لا تمتلك من المهارات الثقافية ما يجعلها مستنيرة كما البصيرة المضيئة مع شموس لبنان. تجاعيد وجهه ويديه وهو يقود الإيقاع الشعري كقائد أوركسترا يلاين الحركة لتذوب الكلمة بين شفاه تركت للقصائد أجنحة ترفرف مع علم لبنان أشبه بمجاذيف سفينة فينيقية تبحث عن شاطئ ترسو عليه، فما بال الكتب العتيقة التي نقشها الراحل "سعيد عقل" في ذاكرة الكلمة تبكي أحرفها مع أمداء طيب رجل بالعقل والفكرة وقوة البيان!

تتحدى الكلمة جميع المستويات الفكرية. إذ تبوح بالإيحاءات الكثيرة ومن ركائزها أنها مهد يترعرع فيه الحرف فينمو ويكبر معنا، ويتجلى بجماله في عقولنا وقلوبنا، وأحاسيسنا المفطورة على المحبة المجندة في قصيدة تكبر مع الأيام. لتبقى للأجيال القادمة نبراسًا، فأبعادها الزمنية ستتجدد، لنكتشف من خلالها بلادًا من أبجديات لم تستقر سفنها على شواطئ صور وصيدا وطرابلس، إنما تحط في القلوب والعقول لتعشش مع أحرفها في قصيدة لمكة أو لفلسطين أو للقدس، تلألأ عذوبة مع المعنى والمبنى والسبك الألماسي الساكن كزوابع تثيرها كلمات مفكر غنى.

"غنيت مكة أهلها الصيد والعيد يملؤ أضلعي عيدا/ فرحوا فلألأ تحت كل سما بيت على بيت الهدى زيدا/ وعلى اسم رب العالمين علا بنيانه كالشهب ممدودا/ يا قارئ القرآن صل له، أهلي هناك وطيب البيدا/ من راكع ويداه آنستا، أن ليس يبقى الباب موصودا/ أنا أينما صلى الأنام رأت عيني السماء تفتحت جودا/ لو رملة هتفت بمبدعها شجوا لكنت لشجوها عودا/ ضج الحجيج هناك فاشتبكي بفمي هنا يغر تغريدا/ وأعز رب الناس كلهم بيضا فلا فرقت أو سودا/ لا فقرة إلا وتخصبها إلا ويعطي العطر لا عودا/ الأرض ربي وردة وعدت بك أنت تقطف فإروي موعودا/ وجمال وجهك لا يزال رجاء ليرجى وكل سواه مردودا....."

تآلف الإيمان مع أنغام المعاني، فشذا عطر اللحن في ربوع قصائد التقطت رملة فهتفت بمبدعها، فهل نكتفي بلملمة الجواهر المنثورة على أثير صفحات وصفحات ارتسمت على سماء لبنان فراح البصر الذات الإنسانية النابعة من ضبط أساسه الفلسفة الفعالة في تحقيق التفاعل والتآلف الحسي بين المعنى والمبنى، والنضج الفكري المنبعث من كلمات أدركت مبدع الأكوان، وتركت كل سواه مردودًا. مرهف قلب الشاعر بل دقيق في أحكامه كالقاضي المتوحد مع موازين الحياة، والملتحم مع الرؤية الواعية فكريًا لكل تفاصيل يراها ببصيرة دون نظر قصير المدى، فمن غنى لشام ولقدس لا يمكن له أن يكون عدوًا للإنسان ولفلسطين التي تبكي شعبها المذبوح ومن نادى:

"شامُ يا ذا السَّـيفُ لم يِغب/ يا كَـلامَ المجدِ في الكُتُبِ/ قبلَكِ التّاريـخُ في ظُلمَةٍ/ بعدَكِ استولى على الشُّهُبِ..."

لا يمكن أن يخون عروبته التي مجدت لغة لو أبحرنا فيها لأصيب العقل بتيه لا وعي فيه، فالحقائق في كلماته واضحة في مناراتها، وخاضعة لتأويلات من أولي الألباب، فمن أدرك كنه كل كلمة في قصائده أدرك أن للقدس قدسيتها ولفلسطين وجودها، وحق العودة وإن طال الزمان في تحقيقه فهو الحق.

تمحو الكلمة من ذاكرتها المواقف التي تسجلها حياة الإنسان المتناقض في مبناه ومعناه، وهنا يكمن جمال الإنسان. لأنه ليس بالإله وهو غير منزه عن الأخطاء أو مغسول بماء الغفران. بل ممسوح بمغفرة يدركها بعد وعي وإيمان، فالوعي ينضج كما تنضج الأفكار كلما نضجت عقولنا مع سنين العمر، وما عشناه في لبنان من صراعات على أرضنا لا يدركه البعض ممن يغرد بعيدًا عن السرب، فما بين الكبائر والصغائر فروقات تحاسبنا عليها الألسن الببغائية البعيدة عن المعضلة التي تجعلنا نخسر هناءة العيش وسيرورة النفس، فمن منا لا يحمل قضية فلسطين في دمه وعمق روحه المتعلقة بأرض الأنبياء، ومن منا لا يعشق بيت لحم مهد السيد المسيح، فهل البراق هو مبكى اليهود أم مسرى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل قصيدة زهرة المدائن تمجد شعائر الصهاينة وتصفق لوجودهم أم تدعو لتتآخي وللمحبة؟ "تعانق الكنائس القديمة/ وتمسح الحزن عن المساجد". فمن لم يفهم الأبعاد في ما يهدف إليه من موقفه الزمني، فالأمكنة لها شواهدها في حروفه وسنهزم "وجه القوة/ وبأيدينا سنعيد بهاء القدس/ بأيدينا للقدس سلام."

حقيقة تاهت الفكرة من رأسي عندما بدأت بكتابة كلماتي عن راحل لم يرحل، وعن شاعر تذبذت المواقف الرافضة والمؤيدة حوله فعادت بي الذاكرة لأول مرة رأيته على شاشة تلفزيون لبنان، وقلت لأمي هذا رجل مجنون. لكنني لم أدرك أن الإبداع يشع من بصمات وجهه، ولحن صوته وقوة كلماته التي عشقتها عندما بدأت أغوص في معاني الحرف والكلمة، فالعروبة لا يمكن أن تتنكر لذاتها وتمد يدها للصهاينة، وإن علت وتيرة الاستنكارات. لأنني في عمق أعماق نفسي أؤمن أن للحرف العربي مهابة لا يمكن أن تتنازعه الأهواء وتجعله إسرائيلي الهوى، وإن تشتتت اللغات وانضمت تحت جناح العربية الفصحى تبقى اللغات كالزهور المتفتحة في بستان الحياة. إنما هو العاشق للبنان الذي مدّ خشبة مسرحه لسياسات متصارعة على أرضه استنكرها وأراد لها أن تكون قوة على أرضها، ففلسطين الجرح الغائر في قلب كل عربي لم ينس القدس والمسجد الأقصى والعودة المحقة لشعب عانى ما عانى، التاريخ هو القاضي والشاهد على أفعالنا وإن كتبت اليد حرفًا صاغها اللسان بلحن كترتيلة وطنية لم تترك المدن العربية لتتغنى بشعب اغتصب رض وقتل فيها من قتل. بل تمسكت بكل بقعة في الوطن العربي من مكة لقدس لشام لبيروت للأردن "أُردن أرض العزم أغنية الظبا، نبت السيوف وحد سيفك ما نبا."

لم أحبّه في طفولتي لأنني لم أفهم معاني كلماته. بل رأيته كعجوز يقود أوركسترا لا أراها، ويبحر في سفينة بلا مجاذيف اتحسسها، وأن أخطأ في مواقفه، فالتاريخ لا ينسى، وإن أصاب فصمته عما أصابه دليل ضعف عقولنا التي لم يخاطبها. لأننا سنجادل فيلسوفًا حمل بجسده صخر لبنان لينقش على نعوشنا بقلم كتب فيه كلمات مجدت كل بقعة عربية، فهل ضاق فعلاً ابن الجار بالجار؟ أم أننا نترك الجوهر الباقي ونمسك بالقشور يا أولى الألباب؟ لا أعرف من الذي غفى في نعش من صخر لبنان. لأن تعرجات الخطوط تلاقت، وثنايا الكلمات استفاقت، وما بين النعش والجسد الذي سيفنى علاقة فناء تتجادل مع الوجود والعدم، وأما البقاء لروح كجوهر هو الأبقى، ولروح الكلمة ألف جوهرة تضيء الوجه الذي لم أحبّه في طفولتي، وإنما أحببت الفكرة التي ولدتها الحياة في لبنان وضم محاسنها النعش المنحوت من قلائد وطن أنجب العقل السعيد لعالم لن ينسى قصائد حملت المعجزات ولم تنس حق الجار وإن جار: "من أين يا ذا الذي استسمته أغصان من أين أنت فداك السرو والبانون/ إن كنت من غير أهلي لا تمر بنا أو لا فما ضاق بإبن الجار جيران/ ومن أنا لا تسل سمراء منبتها في ملتقى ما ألتقت شمس وشطآن/ لي صخرة علقت بالنجم أسكنها طارت بها الكتب قالت تلك لبنان."

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com