الروائية زينب مرعي للواء: "أعتقد أنّ الحرب لا تزال تسيطر على مؤلفاتنا الروائية بما أنّها لا زالت تُعدّ ضمن تاريخنا القريب."

حاورتها: ضحى عبدالرؤوف المل

صنعت الروائية زينب مرعي في روايتها الهاوية الصادرة عن "دار نوفل" و"مكتبة أنطوان" لغةً مسبوكة بطابع الشارع اللبناني، لبث المزيد من التشويق الواقعي لحياة نقلت وقائعها من خلال الحرب اللبنانية ومؤثراتها النفسية المترابطة بالأحداث والعقد التي لا مفر منها إلا بالدخول إلى البيضة أو الحلم بالعودة إلى الولادة والصفاء. ولمعرفة المزيد عن خبايا رواية الهاوية أجرينا هذا الحوار مع الكاتبة زينب مرعي.

- لماذا الهاوية والابتعاد عن السقوط؟

يشرح سهيل، الشخصية الرئيسة في الرواية، معنى "الهاوية" بالنسبة إليه. شرحه لهذه الكلمة يبرّر اختيارها كعنوان للرواية في النهاية. وقد يكون سهيل قد انحدر وسقط منذ وقت طويل ربما، بالنسبة إلى الكثير من القرّاء، لكن من وجهة نظره، هو يمشي رويدًا رويدًا نحو هاوية ستبتلعه، بهدف الولادة من جديد!

- سيطرت لغة الشارع على الرواية، ألم يخيفك هذا في رواية أولى؟

سهيل ولد وتربّى في حيّ فقير في الجهة الغربية لبيروت. هو لم يكمل تعليمه الابتدائي وقضى معظم أوقاته يجول في الطرقات لأسباب مختلفة، ثم باغتته الحرب وهو فقط في السادسة عشرة من عمره، فانتقل ليصبح مقاتلاً. خلفية الشخصية هذه فرضت عليّ ككاتبة معجمًا لغويًّا معينًا ومحدودًا بالنسبة إلى هذه الشخصية. فهو غير استعماله الكبير للغة السباب والشارع، إلا أنّه أيضًا لا يمكنه التحدث باللغة العربية الفصحى، وحتى استعاراته التي يستعملها في الرواية كلها تشبهه وتشبه البيئة التي خرج منها. يُضاف إلى ذلك الوضع النفسي والصحي لسهيل الذي جعله غير قادر أبدًا على ممارسة أي نوع من الرقابة الاجتماعية على نفسه. طبعًا، ترددت قليلاً في البداية في اختيار واستعمال هذه اللغة، خاصة أن الهاوية هي روايتي الأولى. لكن في سياق تحضيري لنسج شخصية سهيل، التقيت بعدد من المقاتلين القدامى في الحرب الأهلية اللبنانية، الذين عاشوا ظروف سهيل الاجتماعية نفسها، ونقلت لغتهم التي من دونها لن يكون سهيل "حقيقيًّا". وأصبح الخوف من استعمال "لغة الشارع" ثانويًّا أمام الخوف من الفشل في خلق شخصية يعرفها ويخبرها اللبنانيون جيدًا. فالنجاح في بناء الشخصيات يعني بالنسبة إليّ تخطي صعوبة جوهرية في بناء الرواية. ولو كان سهيل أكثر "تهذيبًا" لما كان مقنعًا بنظري ولكان تحول إلى شخصية كاريكاتورية.

- "هذه حرب والقتل من قواعدها"... هل هذه جدلية الحرب والقتل أم تبرير لسهيل؟

هذا سهيل يبرّر لنفسه ربما. فسهيل نفسه، كما نقرأ في الرواية، يعيش حالة من التخبّط بين ذنب القتال والقتل في الحرب وبين فكرة الدفاع عن أهله وأرضه. وذلك يعود إلى جدلية الحرب بكل الأحوال. وسهيل، كما الناس كلّها، له وجه ظالم وآخر مظلوم. لذلك أنا لا أحاكم، أبرّئ أو أبرّر أي شيء لسهيل. أترك للقارئ الحرية الكاملة في فهم وبناء علاقته الخاصة مع الشخصية.

- ما المقصود من رمزية البيضة في الرواية؟

المقصود هو العودة إلى ما قبل الولادة، إلى الطهر. إلى رغبة في الولادة من جديد وعيش حياة مختلفة. حياة يكون فيها سهيل قادرًا ربما على ارتياد المدرسة واللعب مع الأطفال، حياة يمكن لوالده فيها أن يشتري له الألعاب، كما يعرب عن رغبته في الرواية، وعيش مراهقته وشبابه من دون حرب.

- هل من اهتمامات أدبية أخرى ولماذا الحرب تسيطر روائيًّا على العديد من مؤلفاتنا؟

أعتقد أنّ الحرب لا تزال تسيطر على مؤلفاتنا الروائية بما أنّها لا زالت تُعدّ ضمن تاريخنا القريب. وإن أراد الكاتب(ة) أن يرسم أيّ شخصية بعمر الأربعين أو أكبر، فإنّ الحرب تبقى جزءًا ومكوّنًا أساسيًّا في بناء هذه الشخصية.

أما على الصعيد الشخصي، فكانت لي تجارب في الشعر، فنشر لي الشاعر الراحل أنسي الحاج قصيدتين في صفحته الأسبوعية "خواتم" في جريدة "الأخبار"، كما نشر لي الشاعر والكاتب عباس بيضون قصائد في ملحق "السفير" الثقافي.

- لا بد وأن يتعاطف القارئ مع سهيل. هل هذا نوع من التفكير بإعادة تأهيل مقاتلي الحروب؟

إعادة تأهيل مقاتلي الحروب هو أمر ضروري لكنه للأسف لم يحدث عندنا. الرواية انطلقت من هذه الفكرة، أو من التساؤل عمّا حدث لهؤلاء المقاتلين بعد أن وضعت الحرب أوزارها. أين هم بيننا؟ وهل فعلاً استطاعوا التأقلم في زمن السلم؟ تطرح الرواية، بين تيمات أخرى، هذا الموضوع.

- ماذا تقول الروائية زينب مرعي للقارئ عن الرواية؟

"الهاوية" بالنسبة إليّ هي رواية جيلي، جيل ما بعد الحرب. الجيل الذي يبحث ويحاول أن يفهم ما حدث في حرب لا يزال يعيش تداعياتها وانقساماتها حتى الآن، بين قصص الأهل ومناظر الأنقاض والدمار التي تربى حولها. هي رواية فيها الكثير من الحقيقة كما الخيال، وتعبّر عن اهتماماتي بالغوص والبحث في أكثر الأمور غموضًا وغرابة بالنسبة إليّ: النفس الإنسانية.

Doha El Mol

في الحوار معها ، تبرز الروائية زينب مرعي تبريراتها لاختيار "الهاوية" عنواناً لروايتها. منطقياً، يُشير اختيار هذا العنوان إلى حالة التردّد والانتظار لمصير محتوم، وهو ما يعكس شعور الشخصية الرئيسية، سهيل، الذي يرى في "الهاوية" نقطة التحول نحو ولادة جديدة. كما تبرر مرعي استخدام لغة الشارع من خلال تجسيد واقع الشخصية وتأكيدها على أصالتها، مما يعزز من مصداقية الرواية في تصويرها للبيئة التي تنتمي إليها الشخصية. إذ تنقل الرواية إحساسًا عميقًا بالمعاناة والبحث عن الهوية. مرعي تتعامل مع موضوعات الحرب والدمار بشكل مؤثر، مما يخلق تجربة قراءة ملهمة ومؤثرة. القارئ قد يشعر بالانجذاب إلى شخصية سهيل والتعاطف معها بسبب تعقيداتها النفسية وتحدياتها. الرواية توحي بأن هناك مسعى للبحث عن الأمل والنقاء حتى في أحلك الظروف، وهو ما يجعل التجربة الانطباعية أكثر قوة.

كما تُظهر الرواية الصراع الداخلي للشخصية الرئيسية، سهيل، الذي يعاني من ضغوط الحرب والتجارب المؤلمة. يظهر الصراع بين الذنب والتبرير، وهو انعكاس لمفهوم "الجدلية" في الحروب، حيث يتصارع الأفراد مع أنفسهم بشأن أفعالهم تحت الضغط. رمزية "البيضة" تعكس رغبة في العودة إلى حالة نقاء وبداية جديدة، وهو ما يُظهر حاجة الشخصية للشفاء والتجديد. إضافة إلى ذلك، الاستعمال المكثف للغة الشارع يعكس الاضطرابات النفسية للشخصية وعدم قدرتها على التكيف مع العالم المحيط.

نفهم من الحوار أن الرواية تُعالج قضايا الحرب وتأثيرها على الأفراد والمجتمع بشكل عميق. تركز الرواية على تجربة مقاتلين سابقين وتطرح تساؤلات حول كيفية تأقلمهم مع الحياة بعد الحرب. الموضوعات الرئيسية تشمل العنف، القتل، والبحث عن الهوية، وهي قضايا حيوية تُعالج بواقعية. الرواية تعكس خلفية تاريخية واجتماعية مهمة وتبحث في الصراعات النفسية والاجتماعية التي تترتب عليها.

فالرواية تعكس الواقع الاجتماعي للبنان خلال الحرب الأهلية، وتظهر التأثيرات النفسية والاجتماعية للحرب على الأفراد. من خلال شخصية سهيل، تُبرز الرواية كيف يمكن للحرب أن تدمر حياة الأفراد وتؤثر على نظرتهم للحياة.

إن استخدام لغة الشارع كأداة لرواية القصة يعكس التباين الثقافي والاجتماعي في المجتمع اللبناني. الرواية تعكس تأثيرات الثقافة الشعبية على الأفراد وكيف تُشكل تجاربهم ونظرتهم للعالم. كما تستكشف الصراعات الداخلية للشخصية الرئيسية، سهيل، الذي يعاني من آثار الحرب ويبحث عن مسار جديد لحياته. هذا البُعد يسلط الضوء على تعقيدات النفس البشرية تحت وطأة التوتر والصراع.

استمتعت بالحوار معها لأنها تتحدث إلى الجيل الشاب الذي يعيش أوضاع ما بعد الحرب. من خلال تناول قضايا مثل الهوية والبحث عن الأمل، تعكس الرواية تحديات هذا الجيل وتأملاته حول الحاضر والمستقبل. فرواية الهاوية للروائية زينب مرعي مثالًا قويًا على كيف يمكن للأدب أن يستكشف عمق التجربة الإنسانية من خلال معالجة قضايا معقدة مثل الحرب، الهوية، والتجديد. توفر الرواية منظورًا متعدد الأبعاد يتناول الصراع النفسي والاجتماعي والثقافي، مما يجعلها تجربة قراءة غنية ومتعددة الأبعاد.

dohamol67@gmail.com