الروائي محمد طرزي للواء: "الرواية هي نص رمزي يهدف إلى استلهام التاريخ بغرض توظيفه للتعبير عن واقع معاصر."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
تستجيب رواية ماليندي للروائي محمد طرزي والصادرة عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" لمتطلبات العصر ومحاكاته من خلال الماضي المرتبط بتاريخ معين، وضمن الصياغة التاريخية لفترة زمنية حددها في ماليندي، وضمن سياق اجتماعي تاريخي تميز بالقوة السردية والفنية، وبوعي لتمثيلات تاريخية تنعكس في اللاشعور، برؤية لحاضر ما زال التخبط اليهودي فيه رغم الفروقات ما بين الاستضعاف والقوة. إلا أنهم في بلاد العرب كانوا بمأمن، وهذا المفهوم يخضع للسياق التاريخي الذي ذلله محمد طرزي في حداثة تاريخية لم تمنع من الربط بين أزمنة جغرافية للتنقل في بلاد مر بها فاسكو وغيره. فقد وضعنا في زمانية معينة لتكوين علاقة غير مسبوقة مع يهود استطاعوا خلق فروقات تاريخية ضمن رواية اشتدت حبكتها بسلاسة مع الصراعات المتعددة، وعلى مستويات مشهدية تشكل وسيلة فعالة للتخيل وللاقتناع بالأحداث التاريخية ومصداقيتها. رغم أن العمل الأدبي الروائي يخضع لمتخيل تاريخي يؤدي وظيفته التي حددها الكاتب. فهل تخاطب ماليندي أحداث العصر من خلال الماضي؟ مع الروائي محمد طرزي أجرينا هذا الحوار.
- من يقرأ كتب التاريخ يعرف أن الحروب غير المنتظمة تؤدي دائماً إلى نتائج غير محمودة. هل تشير بذلك إلى السلام أم إلى حرب اليمن؟
هذه العبارة وردت في سياقها التاريخي، وهي تصح في كل الحروب غير المنظمة التي يشنها أي طرف هو في صراع مع طرف آخر. صحيح أن الرواية هي نص رمزي يهدف إلى استلهام التاريخ بغرض توظيفه للتعبير عن واقع معاصر، إلا أن ذلك بطبيعة الحال لا ينسحب على جميع العبارات التي ترد في سياقها الروائي. فضلاً عن أنها ذكرت في معرض توازن القوى، وتفوق الخصم، ما يجعلها بعيدة بعض الشيء عن الحالة اليمينية.
- الهتافات الخاوية لا تؤدي بالأمم إلا للهلاك. هل تحاكي الواقع من خلال التاريخ المتخيل؟
هذا صحيح، هذه العبارة تحاكي واقعنا المرير، ولعل الشاعر الكبير نزار قباني نظمها على طريقته: "إذا خسرنا الحرب لا غرابة، لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة، بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة." فنحن كشعوب عربية عرفنا الهلاك والهزيمة تلو الهزيمة بسبب الهتافات الخاوية التي ما فتئت تطلق من هنا ومن هناك، حتى أن تلك الهتافات تطغى وتقمع الأصوات العاقلة التي تنادي بالتعلم والرفاهية والحريات.
- بنو إسرائيل لم يعرفوا الأمان إلا في بلاد العرب. غمزات روائية ذات خلفيات تاريخية، هل تقبلها في الواقع؟
عرف الشعب اليهودي إلى حد بعيد الأمان في الديار العربية مقارنةً مع ما قاساه في ظل الحضارات الأخرى، والرواية إذ تشير إلى معاناة اليهود في الجزيرة الإيبيرية، في غرناطة تحديداً بعد سقوط الحكم العربي، وإلى مآسي الفلاشا في جبال الحبشة، فهي تسلط نوراً على الاستضافة الكريمة التي وفرتها لهم ماليندي العرب. المقارنة مع الواقع لا تبدو سهلة على الإطلاق، باعتبار أن يهود اليوم ما عادوا مستضعفين كما بدوا في تلك اللحظة التاريخية، بل على العكس من ذلك، فإن الدولة اليهودية تقضم حقوقنا وتسلبها.
- العرب واليهود في رواية ماليندي، لماذا مزجتها بالحلم الإفريقي؟
الرواية تشير إلى حقبة زمنية من تاريخ العرب في شرق إفريقيا، تلاقت على امتدادها مختلف الشعوب التي استوطنت تلك البقعة الجغرافية، من يهود وعرب وأوروبيين وشيرازيين، فكان لا بد أن يكونوا جميعهم جزءاً من ذلك الحلم الإفريقي وكابوسه.
وفي حوار آخر معه لجريدة اللواء لبنان بمناسبة صدور روايته الجديدة:
الروائي محمد طرزي للواء: "هدف الرواية هو قراءة الحاضر بالماضي وفهم الماضي بإشكاليات الحاضر."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
صدرت الرواية التاريخية رسالة النور عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" للروائي محمد طرزي، الذي اهتم بزمان ابن المقفع، ليضع القارئ أمام حقائق الزمن وقدرته على محاكاة الأحداث وإسقاطات أجراها بمقاربات منطقية تهدف إلى استخراج الحكم الزمني على ما جرى في الماضي وما يجري في الحاضر، وتكوين رؤية مصغرة للمستقبل وما يعانيه المثقف منذ العصور الماضية وحتى الآن. ومع الروائي محمد طرزي أجرينا هذا الحوار.
- لماذا الآن رسالة النور وماذا تهدف منها؟
لأن زمان رسالة النور يحاكي زماننا. فقد شهد القرن الثامن الميلادي ثورة تحاكي ما عرفه العالم العربي من ثورات معاصرة. كذلك تسلط الرواية الضوء على حياة المثقف العربي المعاصر وصراعه مع السلطة من خلال تقديم سيرتي ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب. بهذا المعنى، يكون هدف الرواية هو قراءة الحاضر بالماضي وفهم الماضي بإشكاليات الحاضر.
- رواية عن زمان، هل هي مركبة من تخيلاتك؟
لا يخفى عن القارئ أن الحوادث في رسالة النور مستندة إلى مراجع تاريخية كـ"مروج الذهب"، "تاريخ الرسل والملوك"، "الأغاني" وغيرها. لكنني في آخر الأمر، أقدّم نصاً روائياً وليس دراسةً علميةً يمكن الاعتماد عليها كأي كتاب تاريخي. وبالتالي، فإن الأدب والخيال هما الحاكمان على التاريخ في الرواية وليس العكس.
- إسقاطات الزمن في فجوات الرواية منحتها ظلامية ونوراً، ما رأيك؟
بالتأكيد. فالرواية هي انعكاس لصورة الماضي في مرآة الحاضر بكل تجلياته، سواء الظلامية منها أم المضيئة. فعلى سبيل المثال، هناك جانب مشرق ينعكس في الحقبتين الزمنيتين مفاده أن العلم الذي منع "رستم" من خيانة إرث ابن المقفع في منتصف القرن الثامن هو العلم نفسه الذي حال دون أن يقترف الإرهابي جريمته عام 2015م. وهذا يشير إلى أن العلم يعصم من التطرف. أما الجانب المعتم فيتمثل بقتل ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب وما يقابله اليوم من اغتيالات وتصفيات لمثقفين عرب لأسباب قد لا تختلف في جوهرها عن الأسباب التي ساقها القتلة لتصفية مثقفي ذلك الزمان.
- رسالة بيضاء لمن يقرأ روايتك غير محددة، ألا تخاف من ردات الفعل؟
للحق، أنا لم أقرر أن تكون تلك الرسالة بيضاء. هي كذلك في الواقع. المخطوطة الأصلية تشير إلى أنها مؤلفة من اثنتين وخمسين رسالة، لكن العدد الفعلي للرسائل هو واحد وخمسون. أنا قدّمت تفسيراً لهذا التناقض مفاده أن الرسالة الأخيرة هي بيضاء عن عمد لأن واضعها أراد للقارئ أن يكتبها بنفسه. وأنا، كقارئ لتلك الرسائل، صغت رسالتي الأخيرة عبر الراوي الذي له اسمي في النص. فكانت رواية رسالة النور نفسها هي الرسالة المفقودة.
- روايتك تعصف إنسانياً بالرؤى في عدة أزمنة. هل نحن شعب بتقدم مستمر أم أن التخلف يعيدنا لزمان أبعد من زمن ابن المقفع؟
طبعاً نحن شعب في تقدم مستمر، لكن ثمة متخلفين بيننا. هم قلة، لكنهم نجحوا للأسف في إعاقة مسيرة التقدم وتحويل الربيع العربي الذي توسمنا فيه خيراً إلى مشهد دامٍ لا يمت إلى حضارتنا بصلة.
- رواية تتحدى بها رسالة الدكتوراه وكأننا أمام تلميذ ابن المقفع؟
الراوي هو باحث وطالب دكتوراه في النص، لكن الرواية تبقى رواية، لها من الخيال نصيب يجرّدها من صفة العمل الأكاديمي الصرف الذي يعتمد على مناهج البحث العلمي. بهذا المعنى، لست تلميذاً لابن المقفع بقدر ما أنا مؤمن به وبأمثاله ممن يقدمون رؤى إصلاحية متقدمة على زمانها من دون أن يتوانوا عن دفع حياتهم ثمناً لما يؤمنون به.
- إلى أي مدى نغتال المعرفة التاريخية ومخطوطها؟
طالما أكد الرواد الأوائل للرواية التاريخية في الأدب العربي، أمثال سليم البستاني وجورجي زيدان، أن الهدف من الرواية التاريخية هو تعليم التاريخ من أجل التوجيه والإرشاد، وهم بذلك لم يقبلوا مطلقاً باغتيال المعرفة التاريخية في نصوصهم. هذه المقاربة لم تعد تتماشى مع الرواية التاريخية اليوم. ومع ذلك سعيت في رسالة النور لإيجاد توليفة تجيز لي أن أكون أميناً للمعرفة التاريخية من دون أن يمنع ذلك التفاعل مع هواجس الحاضر والانخراط فيما يفرضه السرد الوجداني والخيال.
Doha El Mol
الحوار يتناول الروايات التاريخية وتفاعلها مع الواقع المعاصر. يظهر أن الروايات التاريخية مثل ماليندي ورسالة النور ليست مجرد توثيق للأحداث الماضية، بل هي أيضًا أداة لفهم وتفسير الحاضر والمستقبل من خلال مرآة التاريخ. فماليندي: تسلط الضوء على العلاقة بين العرب واليهود في سياق تاريخي معين، وتبرز كيف كان الشعب اليهودي يجد الأمان في بلاد العرب مقارنةً بمعاناتهم في أماكن أخرى. الرواية توظف التاريخ لتسليط الضوء على التغيرات في العلاقات بين هذه الجماعات عبر الزمن، مما يعكس كيف أن الأوضاع قد تتغير من زمن إلى آخر.
تركز رسالة النور على فترة زمنية محددة من العصر العباسي، مما يعكس محاولة لفهم كيفية تأثير الأفكار والأحداث التاريخية على الأوضاع الحالية. الرواية تقارن بين معاناة المثقفين في الماضي وصراعاتهم مع السلطة، وبين الأوضاع المعاصرة، مما يعكس نقدًا اجتماعيًا وتاريخيًا.النصوص التاريخية تشكل إطارًا لفهم الأبعاد النفسية للأفراد والجماعات عبر الزمن. تتناول الروايات تأثير هذه النصوص على الفهم الذاتي للأفراد وعلى المجتمعات بشكل عام. كما أن الرواية تسلط الضوء على كيف أن التاريخ يؤثر على الوعي الجماعي للأفراد، وتأثيره على الحاضر والمستقبل. الرواية تعكس شعور الأمان والانتماء لدى اليهود في فترة معينة وكيف يمكن أن تتغير هذه المشاعر بمرور الوقت.
في رسالة النور: تسلط الضوء على الصراعات النفسية للمثقفين تحت وطأة السلطة والقمع. الرواية تعكس الإحساس بالإحباط والقلق الذي يعيشه الأفراد الذين يعارضون السلطات، مع التلميح إلى تشابه بين معاناتهم في الماضي ومعاناتهم الحالية.
فالحوارمعه عالج قضايا معقدة تتطلب تفكيرًا منطقيًا متماسكًا فكل من الروايتين تستخدم النصوص التاريخية كوسيلة لفهم وتحليل الحاضر. الروايات تقدم قراءة منطقية للتاريخ عبر سبر أغوار الماضي لفهم الواقع المعاصر، مما يعكس استخدامًا منهجيًا للتاريخ كأداة تحليلية. نكتشف من خلال الحوار معه أن طرزي يقدم نقدًا اجتماعيًا من خلال رواياته، ويظهر كيف أن الهتافات الفارغة والأزمات غير المنظمة تؤدي إلى نتائج سلبية. المنطق في هذا النقد يعتمد على الربط بين الأحداث التاريخية وأثرها على الواقع الحالي، مما يعزز مصداقية التحليل.
في ماليندي نشعر من خلال كلامه أنها تعكس الفروق الثقافية والاجتماعية بين الفترات المختلفة وكيفية تأثيرها على العلاقات بين الجماعات. الرواية تقارب بين تصورات مختلفة عن الأمان والصراعات الاجتماعية عبر الزمن. بينما رسالة النور تبرز الصراع بين المثقفين والسلطة، وتوفر نظرة على كيفية تطور الفكر والثقافة عبر العصور. الرواية تعكس كيفية استمرار الصراعات الاجتماعية والثقافية من الماضي إلى الحاضر.
فالحوار يعكس بشكل واضح كيف يمكن استخدام الأدب التاريخي لفهم وتحليل الواقع المعاصر من خلال قراءة نقدية ومنطقية للأحداث التاريخية. الروايات التاريخية مثل ماليندي ورسالة النور توفر إطارًا لفهم التأثيرات النفسية والاجتماعية للأحداث التاريخية، وتسلط الضوء على التغيرات الثقافية والاجتماعية عبر الزمن. هذا التحليل يعكس كيف أن الأدب يمكن أن يكون أداة قوية للتفكير النقدي وفهم الأبعاد المختلفة للواقع البشري عبر الزمن.
dohamol67@gmail.com