الروائي مناف زيتون للواء: "الأحداث التي تحيط بأبطال روايتي لا تختلف كثيراً عن تلك التي يتعرض لها ملايين البشر يومياً."
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
يتمتع أسلوب الروائي "مناف زيتون" بالمرونة الذهنية كلعبة ذكية، حيث يجعلك في أماكن متخيلة تحاصرك وأنت تقرأ، وكأنه يشد حبال الحياة على الإنسان ليمسك به كما الحياة في رخائها وقساوتها. من رواية "قليل من الموت" إلى "طائر الصدى"، وصولاً إلى "ظلال الآخرين" التي تحيا مع أبطالها رغم شدة الوحدة أو الخروج من سجن إلى سجن وبحرية مقيدة، هي الذاكرة والوجود والأثر الباقي من الإنسان في أماكنه، مع الروائي مناف زيتون أجريت هذا الحوار:
- لماذا هذا الوصف الشديد للأماكن؟ ألا تظن أننا في عصر الصورة ولا نحتاج لكل هذا الوصف؟
ربما لو كان بإمكاني إرفاق صور مع الرواية، ولكنها ليست الحال هنا. شدة الوصف في الفصول الأولى، خصوصاً، كانت ضرورية لإيصال حالة العجز المحيطة بزكريا، الأفكار المطولة المحصورة بعناصر المكان المحيط به، لنقل شعوره بالعزلة وانعكاس محدودية حركته المادية على رؤيته وإدراكه للكون المحيط به، ليصبح ضيقاً ومحدوداً كغرفته. لم أرد أن أجعله يسرح بذكرياته أو خيالاته لأسلي القارئ ريثما يخرج، بل كان لا بد من الانتصار للمادة وما تحمله من أثر ضخم على أفكارنا ومشاعرنا، بدلاً من التقليل من أهميتها وتصوير حدودها على أنها ليست ذات معنى. كان على القارئ أن يُسجن معه ويشعر بعزلته، حتى يكوّن الخلفية الشعورية اللازمة لفهم الأحداث التالية من وجهة نظر البطل، ولتراوده التساؤلات ذاتها.
"- ظلال الآخرين" والحرب والوحدة والعزلة وعتمة الكوكب والعودة إلى البشرية، هل هذه سوداوية الجيل الجديد؟
في هذه الرواية حاولت أن أعالج شأناً عاماً يعنى به جميع البشر، بدلاً من تفاصيل أو أزمات محلية أو إقليمية، لأن هذه هي غاية الأدب وبيئته الطبيعية باعتقادي، وأعني الأدب الحقيقي غير المحكوم بمتغيرات آنية والمنحاز تماماً للإنسان أياً يكن. لا أدري إن كانت سوداوية أم لا، ولكن بالتأكيد إن أردنا أن نعبر عن الحال التي وصلنا إليها، من انعدام العدالة والتضييق المتواصل على البشر الأقل تمكناً، لا يمكننا أن نتوقع نتيجة مبهجة. الأحداث التي تحيط بأبطال روايتي لا تختلف كثيراً عن التي يتعرض لها ملايين البشر يومياً، من سلب الحريات والعزلة الإلزامية أو الاضطرارية، مروراً بالجهل بأسباب أو مسببي الكوارث الكبرى، وصولاً إلى تناقص ما يجمع البشر يوماً بعد يوم مقابل ما يفرقهم، وعزلهم نفسياً قبل أي عزلة أخرى. باعتقادي، الفارق الوحيد هو أن ما تعرض له زكريا وسليمى يجري في مستقبلٍ متخيل، فارق في الزمن ربما لا أكثر.
- شعرت وأنا أقرأ الرواية أنني فقدت الزمن، إضافة إلى أنها تشبه اللعبة الذكية الشبيهة ببرنامج إلكتروني. لماذا هذا الأسلوب؟
فقدان الزمن هو برأيي نتيجة طبيعية لفقدان الآخرين. الزمن اليوم يعني بالنسبة لنا التفاصيل المتعلقة بحياتنا العملية، يوم العطلة أو الوقت اللازم للحصول على مبلغٍ من المال أو الحصول على شهادة جامعية أو وصول موعدنا مع أحدهم. سيرورة الزمن محكومة بالآخرين إلى حدٍ كبير، وعدد الآخرين الذين يدركهم زكريا كان عاملاً أساسياً في سيرورة الزمن بشكل خطي أو بشكل فوضوي، حيث يعبر الزمن كله دفعة واحدة واسترجاع الذكريات على شكل تراتبي، كما يحصل في الفصل الأخير حين يختفي جميع الآخرون والزمن معهم.
- مناف زيتون ونتائج الحروب على الكوكب، ماذا تريد من الرواية معالجته مستقبلياً؟
سأجيب على هذا السؤال بناءً على صياغته الثانية: المستقبل المشرق برأيي ليس أكثر من جزرة توضع أمام وجوهنا لتدفعنا إلى المزيد من العمل والجهد الضروريين لتحقيق منافع أصحاب الأثر الحقيقي على المستقبل، الذي لن يكون مشرقاً على الإطلاق إن لم نحدث تغييراً جذرياً في أسلوب حياتنا، والحد من آثاره الكارثية سواءً على الكوكب أو مجموعات البشر أصحاب الإمكانات المحدودة، أو حتى على الجانب الأكثر إنسانية فينا، وأعني الفنون والثقافة بشكل عام. ما فعلته في هذه الرواية هو قطع الحبل وترك هذه الجزرة التي نجري وراءها قابلة للمعاينة، ولا أعتقد أن السوداوية التي يراها البعض في الرواية هي أكثر من الغبار الذي علق عليها. أما إن تأملنا هذه الجزرة/المستقبل من الداخل، فإن روايتي ستبدو كمهرجانٍ من الألوان مقارنة بما قد يصيبنا نحن البشر في المستقبل. على الأقل في روايتي، يرحل البشر دون ألم ودون مقدمات، الأمر المعاكس تماماً لما يحصل وسيحصل في الواقع.
Doha El Mol
يتضح من الحوار معه أن أسلوب الروائي مناف زيتون يتميز بالمرونة والقدرة على خلق عالم متخيل يحيط بالقارئ، كما في وصفه للأماكن والبيئات. هذا الأسلوب يعكس اهتماماً عميقاً بالتفاصيل التي تشكل الخلفية النفسية والبصرية للشخصيات. استخدام الوصف المكثف ليس مجرد أداة تصويرية، بل وسيلة لخلق تجربة شعورية تعزز من تفاعل القارئ مع الشخصيات والأحداث. من خلال رواياته مثل "قليل من الموت" و"طائر الصدى" و"ظلال الآخرين"، يظهر زيتون كاتبًا يدرك تمامًا قوة البيئة المحيطة في تشكيل تجارب الشخصيات وعوالمها الداخلية. هذه البيئة تتسم بالتوتر والعزلة، مما يعكس تماهي الشخصيات مع مشاعرهم وتجاربهم.
الأماكن في روايات زيتون ليست مجرد خلفيات للأحداث بل هي عنصر فاعل في تشكيل الحالة النفسية للشخصيات. وصفه للأماكن الضيقة والمعزولة يعكس الإحساس بالاختناق والعزلة، مما يؤثر على نفسية الشخصيات ويعزز من شعور القارئ بالانغماس في هذه المشاعر. يلاحظ أن التباين بين المكان الضيق والعزلة المحيطين بالشخصيات يشير إلى التوتر النفسي الذي تعاني منه، مما يجعل القارئ يشعر بالضيق والتقييد مع الشخصية. هذا الاستعمال المكثف للأماكن يعكس صراع الشخصيات مع عوائقها الداخلية والخارجية، مما يزيد من عمق التجربة الروائية.
من حديثه تشعر أن السوداوية التي تتخلل روايات زيتون تعكس حالة من القلق والتوتر المتزايد في عالم يفتقر إلى العدالة والتعاطف. الزيتون يعالج قضايا إنسانية عميقة تتعلق بالوحدة والعزلة وفقدان الأمل، وهذه المواضيع تسهم في تعزيز شعور القارئ بالسوداوية والتشاؤم.
تكتشف أيضاً أن الأسلوب الذي يتبعه زيتون في التعامل مع الزمن والذاكرة يعكس كيفية تأثير الماضي على الحاضر. فقدان الزمن الذي يشعر به القارئ أثناء قراءة الرواية يمكن تفسيره على أنه انعكاس لفقدان الشخصيات للاتصال بالعالم الخارجي والآخرين. الزمن في الرواية لا يسير بشكل خطي بل يتخذ أشكالًا متقطعة وفوضوية، مما يعكس الفوضى النفسية للشخصيات.
مستقبل زيتون في رواياته لا يظهر كتحقيق لآمال مشرقة بل كجزء من رؤية أكثر واقعية. تعبيره عن المستقبل كـ "جزرة" تُستخدم لتحفيز العمل والجهد يعكس رؤيته للتحديات الكبرى التي تواجه البشرية. الروايات تطرح دعوة للتفكير في كيفية مواجهة المستقبل عبر تغيير جذري في أسلوب الحياة، مما يعكس نظرة زيتون إلى الأدب كوسيلة للتغيير والتحفيز.
يقدم الروائي مناف زيتون من خلال أعماله الأدبية تجربة عميقة تجمع بين الوصف الدقيق للأماكن وتأثيرها النفسي، وتناول سوداوي لمشاكل إنسانية معقدة. أسلوبه في التعامل مع الزمن والذاكرة يعكس التوترات الداخلية والخارجية التي تعاني منها الشخصيات، ويحفز القارئ على التفكير في التحديات المستقبلية وكيفية مواجهتها. إن تناول زيتون لموضوعات الوحدة والعزلة والتغيير يعكس رؤية أدبية متعددة الأبعاد تتناول قضايا إنسانية عميقة تتجاوز حدود الزمن والمكان.
dohamol67@gmail.com