ظلال الآخرين: رواية مناف زيتون وغموضها
ضحى عبدالرؤوف المل
ما نفى الروائي "مناف زيتون" ذكورية القابع في فراغات الحروب، ولا ساعات الجنس المتخيل، وبين ما هو مقبول وغير مقبول عند المرأة، قفزت الفكرة إلى عذرية الرجل المتخبط بين الماضي والحاضر، والبحث عن ظلال الآخرين في آخرين من الزمن نفسه، ولكن لا ظل لهم لأنهم يعيشون الحاضر الفراغي. وبوصف روائي شمل الكثير من التفاصيل الأشد تعقيدًا من الحدث نفسه، وكأن اللغة الإنسانية بعد دمار المدن تفتقد لقوة الزمن، حتى القارئ لرواية "مناف زيتون" الصادرة عن "دار نوفل" بعنوان "ظلال الآخرين" يكاد يتفقد ظله وهو يقرأ بجمود لا حراك فيه إلا لقطرة ماء تتساقط من سقف مهدم. ليشعر بوجوده في رواية غاب عنها الحس الإنساني، وطغى عليها البشري بمفهومه الذي يعيدنا إلى بدء الحياة بعد كل دمار كبير يطال المدن. "لا أعرف من أكلم، لا أعرف لمن أشرح أو كيف يمكنني أن أشرح حالتي حتى لنفسي، ليس هناك من يؤكد لي أنني أشرح ولا أتشعب في وصف الأمور، وأجعلها أشد تعقيدًا دون أن أدري". والحرب حين تلقي بظلها على الآخرين تجعلهم على الاستعداد في خوضها، لأنها تجبرهم إما على الموت، أو على البقاء، وفي كلتي الحالتين هي الحرب القاتلة عزلة وتشريدًا ودمارًا. "لم أرد أن أضطر لقتل أحد، ساعات الملل والوحدة تبدو لي أفضل من القتل". فهل الغموض الروائي في "ظلال الآخرين" هو الزمن المختفي بين براثن دمار المدن وثقل الوحدة فيها؟ أم أن الإنسان بعد كل حرب هو في حرب أخرى هي حرب البقاء في أرض العزلة؟
روايات الحرب والعزلة، وظلال ترمي بظلاميات الوجود إلى الدرك الأسفل من معنى البقاء أو من عبثية الإنسان، وظلمه لنفسه. والرواية رغم أنها متخيلة، إلا أن الواقع ومرارته يتجسد بالثقل الزمني فيها أو بقوة الوحدة والصراع النفسي المتعمق في واقع الجيل الشبابي الحالي الذي يميل إلى الألعاب الإلكترونية والأكشن أو الإثارة في ممارسات تنطوي على لغة الموقف الذي يفرض نفسه من زوايا رواية هي ظلال الماضي، والأماكن التي تجول فيها للبحث عن السعادة والماء التي تتساقط من سطوح الأبنية أو الغرف التي دخلها هي رمزية الحياة التي يفتقدها. فمن بين جميع الأماكن في الرواية بقي الحلم هو المكان الغامض أو الغريب أو الإحساس بالسعادة عند ممارسة الذكريات أو الغوص في تفاصيلها، دون أن يستسلم الإنسان لليأس بعد كل هذه الحروب التي تدل عليها الأماكن الخالية من الناس أو من أصحابها، في محاولة للبحث عن معنى الحياة الحقيقي. أو لتبرير التحقق من الأحداث المؤدية لذلك وهي يد الإنسان نفسه الذي يفنى بفعل الصراعات الداخلية والخارجية. وهذه هي اللعبة الكبرى في الرواية الهادفة إلى البحث عن حياة الآخرين أو ظلالهم التي فقدتها الأماكن، وبالتالي باتت خالية من الحياة الإنسانية، وعادت إلى المعنى البشري رغم المستقبل الذي يشير إليه "مناف زيتون" في روايته "ظلال الآخرين". فهل يمكن مراقبة العالم في عالم روائي ساكن يستعرض فكرة البقاء في المستقبل؟
تفنى الحضارات وتبقى آثارها عالقة في الأرض والذاكرة كتاريخ له ظله، وبما يكفي ليحيا إنسانيًا على الأوراق أيضًا. إذ يعيدنا "مناف زيتون" إلى أوراقه الروائية: "علينا أن نترك أثرًا خلفنا، قد تكون مليئة بأمثالنا ونحن نبحث عنهم حيثما مروا، عاجزين عن لقاء بعضنا البعض في حلقة مفرغة من الوحدة والسكون. وجود سوانا ليس أمرًا مؤكدًا، إنما المؤكد هو أن الوصول إليهم، إن وجدوا، يعتمد على حجم الأثر الذي نتركه خلفنا." وهذا ما يهدف إليه "مناف زيتون" في روايته التي تحث الإنسانية إلى العودة عن طريق المستقبل أو التحديث الوجودي البعيد عن الدمار أو البيوت الواهية، وفي هذا ميل إلى عنكبوتية الظلال في الأماكن التي باتت فارغة من أصحابها وتقنيات الزمن الذي أعاد البشرية إلى انطلاقتها الأولى. إذ لم يستخدم "مناف زيتون" صفة الإنسانية، بل ترك للبشرية وجودها الذي جعله يقول: "قبل أن يرحل البشر يجب تنظيف المكان من آثارهم، خصوصًا الأسماء." فهل التنقل في الأماكن يجسد البقاء العبثي في كوكب ينفي عنه صفته أو اسمه المتداول وهو الأرض التي نعيش عليها ولا نرحمها من عبثية البشر وعدم قدرتهم على الالتزام بصفة الإنسانية الكبرى؟
دبيب ذكريات وثقل في حركة تترجمها اختفاء الكثير من الآخرين أصحاب البيوت والمتاجر وما إلى ذلك. وهذا يفقده صوابه بعد خروجه من سجن صغير إلى سجن أكبر وهو الأصعب. إذ يكبر الحلم بالأمنيات لزيارة المدن الكبرى، والأنهار والحضارة التي خلت من الآخرين. "حين أجد آخرين لن أحضرهم إلى هنا عليك أن تفهمي، أنا خارج لأبحث عن مؤنس لوحدتي، أريد صوتًا آخر يجيبني." قوة الوصف جعلت الزمن يتباطأ، وبالتالي هوس حياة الوحدة جعل من البطل يقود نفسه نحو الحقائق. لتبرز المخاوف واحدة تلو الأخرى من خلال وحشية الوحدة أو وحشية الحدث الذي ترك الإنسان يبحث عن الوجود في عبثية لا وجود لها. فاختيار الكلمات كان له الأثر في خلق التنافر البيئي لزمن الرواية البطيء والغامض في تجربة هي ممارسة البقاء الفردي في أماكن العزلة والانعكاسات الميتافيزيقية التي تتمحور حول فقدان البشرية الإنسانية بمعناها الكبير. إذ لا يمكننا الاستغناء عن الحداثة، وعن اللعبة الكبرى في الوجود وهي التنافس الذي يؤدي إلى مستقبل مثمر وليس إلى الدمار الشامل. فهل نحن في كوكب ميؤوس منه تهيمن عليه قوى الفساد؟ وتبقى الإجابة في "ظلال الآخرين" حيث ألم الذكريات: "يكفي أن أؤمن بما يكفي أن الزمن لا يتحرك كي تتوقف عقارب الساعات في العالم كله عن الدوران." وبهذا ألغي "مناف زيتون" سرعة الزمن ودوران الأرض، وتركها في ظلمة بعيدًا عن الشمس والأمل، وإن بتبطين مال نحو الوصف وقوة التسلل نحو الأماكن التي حاول أن نكتشف معه غياب الظل عنها. ولكن يبقى السؤال: هل الرواية هي اللعبة الكبرى لجيل بات الصراع حتى في مخيلته البشرية؟
سأستكمل وأقول أن رواية "ظلال الآخرين" لمناف زيتون تقدم تجربة قراءة عميقة ومليئة بالغموض والتفكر في طبيعة الإنسانية والحياة. من خلال سردها المعقد والمفصل، تنقل الرواية القارئ إلى عالم مظلم يتسم بالدمار والعزلة، حيث يواجه الفرد صراعاته الداخلية والخارجية في سياق حروب وتدمير شامل. إذ تُعتبر لغة الرواية أداة قوية في نقل مشاعر الغموض والتشوش التي يعيشها أبطالها. يخلق الأسلوب الوصفي المكثف والتفاصيل الدقيقة تجربة قراءة مغمورة في الغموض، حيث يتمكن القارئ من الشعور بالثقل الزمني وبطء الأحداث. تُستخدم اللغة لخلق أجواء مشحونة بالقلق والتوتر، مما يعزز من عمق تجربة الرواية.
تتناول الرواية موضوعات متعددة من بينها العزلة، والحرب، والبحث عن معنى الحياة في عالم مُدمر. الرمزية تلعب دورًا رئيسيًا في النص؛ إذ تُجسد الأمكنة المهجورة والدمار كرموز للوحدة والفراغ الذي يعيشه الأبطال. يُظهر النص كيف يمكن للأماكن أن تعكس الحالة النفسية للشخصيات، وأن تكون تجسيدًا لمفهوم العزلة والتشتت. فالشخصيات في الرواية تتميز بالضياع والتخبط، فهي تسعى جاهدة لفهم مكانها في عالم أصبح غير قابل للتعرف عليه. تتعرض الشخصيات لامتحانات صعبة في محاولة للتأقلم مع ما تبقى من حياتها بعد الحروب. شخصية الرجل التي تبحث عن عذرية الماضي وتصطدم بالواقع الحالي تعكس الصراع الداخلي بين ما كان وما هو كائن، مما يضيف بعدًا نفسيًا معقدًا للرواية.
تغرق الرواية بتأملات فلسفية عميقة حول الوجود والإنسانية. يتناول النص قضية البحث عن المعنى في عالم تبدو فيه القيم الإنسانية في تراجع. يتم استكشاف مفهوم الزمن وعلاقته بالبشر، وكيف يمكن أن يؤدي الدمار إلى فقدان المعنى والهوية. تظهر الرواية كأنها تسعى للإجابة عن أسئلة وجودية حول معنى الحياة بعد انهيار الحضارات.
أما الأسلوب السردي في الرواية متشابك ويعتمد على السرد الداخلي والتأملات الشخصية، مما يجعل من الصعب في بعض الأحيان متابعة تسلسل الأحداث بشكل خطي. لكن هذا الأسلوب يعزز من الشعور بالضياع الذي يعاني منه الأبطال، ويعكس الفوضى التي تتسم بها حياتهم. كما تؤثر الرواية بشكل قوي على القارئ من خلال تصويرها للحالة النفسية الممزقة للشخصيات. تؤدي الأوصاف الدقيقة والتفاصيل المكثفة إلى تحفيز مشاعر الحزن والتعاطف، وتجعل القارئ يشعر بالانفصال والوحشة التي تعيشها الشخصيات.
رواية "ظلال الآخرين" لمناف زيتون هي عمل أدبي يستكشف عمق الروح البشرية في سياق من الدمار والعزلة. بفضل لغتها الرمزية، وتناولها الفلسفي العميق، وشخصياتها المعقدة، تترك الرواية أثراً قوياً وتدفع القارئ للتفكير في أسئلة وجودية حول الإنسانية والزمان والمكان. هي تجربة قراءة تتطلب تأملًا عميقًا وتمنح القارئ فرصة لاكتشاف الظلال التي تُخفيها الحياة في أوقات الأزمات.
dohamol67@gmail.com