الشاعر والدكتور محمود عثمان للواء: "الشاعر يجب أن يكون موسوعيًا، وأن يتضمن شعره فكرًا وفلسفة وثقافة ليستطيع هذا الشعر الصمود أمام الزمن."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
يشدّ الشاعر "محمود عثمان" على أوتاد الشعر لتتحول اللغة إلى صوتيات تمتاز بالمعاني العميقة، إذ يلجأ في لعبته الشعرية إلى الحركة والتناغم الخارجي، والابتعاد عن التعقيد الذي يعجز أمامه القارئ عن فك شفرة الغموض. إلا أن للإيحاء الشعري في قصائده جمالية ذات نهج مادي عقلاني يتواءم مع الرومانسية وينفر منها في آن، وكأنه يبحث في الدنيا عن قصيدة تلامس الواقع بمخيلتها، وتتصف بالإبحار نحو الداخل لصوغ أدبيات تأثرت بمادة القانون التي درسها وتفاعل معها، لتكون ممزوجة مع ثقافته التي ينسجها مع إيقاعات القصيدة. ومع الشاعر والدكتور "محمود عثمان" أجرينا هذا الحوار:
- ما هي أزمة قراء الشعر وما هي أسبابها برأيك؟
نعيش في لبنان والعالم العربي أزمة شعر بكافة مستوياتها، لأن أزمة الشعر موجودة ولا يمكن إنكارها، وأضعها بين قوسين لأنها يمكن أن تكون نوعًا من المبالغة في طرحها. إلا أننا نعاني من أزمة قراء الشعر، أما ما هي أسباب هذه الأزمة؟ البعض يقول إن نسبة الأمية عالية جدًا، حوالي ربع أو ثلث الشعب العربي لا يقرأ. ثانيًا، حملة الشهادات ليسوا مثقفين. ثالثًا، أزمة القراءة مرتبطة بعدة أمور منها أزمة النشر وأزمة الشاعر. أزمة النشر سببها الناشر الذي لا يروّج للكتاب، وينظر إلى الكتاب كسلعة تجارية فقط. وأزمة الشاعر الذي قطع العلاقة المميزة مع القارئ عندما لجأ إلى الكتابة المسرفة في الغموض إلى حد التعمية. ونعتبر الغموض والإبهام جزءًا من لعبة الشعر، ولكن الغموض المضيء...
- ما هي لعبة الشعر؟ وهل الشعر هو مجرد لعبة؟ أم أن اللعبة جزء من صياغة الشعر؟
أولاً، أنا مؤمن بالموهبة الشعرية كشرارة أولى، ثم تأتي الصنعة في المرحلة الثانية، عكس بعض المتشاعرين الذين يعتبرون الشعر مجرد صنعة وهم لا يشعرون بالموهبة. الموهبة هي الأساس، لأنني أقرأ أحيانًا كتبًا شعرية رائعة الصياغة فيها جودة سبك ولغة عالية ومتينة، ولكن ينقصها الشرارة الروحية أو الوثبة الشعرية إن صح التعبير، بمعنى إذا كان الشاعر موهوبًا يستطيع أن يحقق وثبة شعرية. أما إن لم يكن الشاعر موهوبًا فيستطيع أن يظهر الصياغة والمتانة العالية، ولكن ينقصه الشرارة الروحية التي تتصف بالإبداعية، لذلك هما عنصران متكاملان: الموهبة والصنعة. الشاعر المبدع هو الذي يستطيع أن يخفي صنعته أو أسرار هذه الصنعة، فيبدو الشعر للقارئ أنه سهل وممتنع في آن. ولا ضير في ذلك، لأن العرب القدماء كانوا يطلقون على النثر والشعر بالصناعتين...
- لماذا هذه الجدلية بين النثر والشعر وإشكالية الاختلاف بينهما؟
في كتاب أظن لأبو هلال العسكري يتكلم فيه عن الصنعتين، لكن في هذا العصر أصبح هناك بعض الالتباس بين المفهومين، خصوصًا فيما يسمى بقصيدة النثر. وهذا المصطلح مترجم عن الفرنسية، وهناك من يترجمه ترجمة دقيقة فيقول "قصيدة بالنثر"، والبعض يقول إنه نثر شعري، والبعض يقول الشعر المنثور. والمشكلة ليست بالتسمية وجدليتها، ونحن نحترم هذا النوع من الكتابة لأنه موجود بغض النظر عن فترة ظهوره في الساحة الشعرية. ليس المهم ما تكتب: قصيدة عمودية أم قصيدة موزونة ومقفاة أم قصيدة على التفعيلة أم قصيدة غير موزونة وتسمى نثرية. المهم أن تبدع فيما تكتب وتقنعني بما تكتب.
- إلى أي مدى يؤرخ الشاعر لعصره؟
الشاعر لا يفكر بالتأريخ كمؤرخ، إنما بشكل تلقائي حين يمتلك ثقافة عصره ينعكس ذلك في شعره وكذلك بيئة عصره السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، عندما درس النقاد الشعر الجاهلي لم يلجأوا إلى المؤرخين فقط، بل لجأوا إلى الشعراء مثل السموأل، وامرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى. كل هذه القصائد التي تؤرخ اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا لعصرها، ليس فقط التاريخ الرقمي أو السياسي، إنما التاريخ بمعناه الواسع الموجود في الشعر.
- ما رأيك بالحركة الشعرية في طرابلس؟
طرابلس دائمًا متهمة، وعند أغلب الطرابلسيين عقدة الدفاع عن هذا الاتهام. فطرابلس مظلومة لأن الفكرة العامة عنها أنها مدينة كلاسيكية مغلقة أو محافظة، علمًا أن في تاريخ طرابلس شعراء اخترقوا الحدود من حيث الأهمية مثل فرح أنطون، وهو من رواد عصر النهضة من طرابلس الميناء ولا يقل شأنًا عن الأفغاني ومحمد عبده، بل ناظر محمد عبده واستطاع دحض الكثير من آرائه مثل وليم كتسفليكس، ولا يذكره البعض. وهي مدينة العلم والعلماء.
Doha El Mol
يُظهر الحوارمع الشاعر والدكتور محمود عثمان، الذي يقدم رؤيته حول الشعر وأزمة قراءته اعتزاز الشاعر بدوره كمفكر موسوعي، ويعبر عن إيمان عميق بقدرة الشعر على الصمود أمام الزمن إذا كان متسقًا مع الفلسفة والثقافة. يقدم الشاعر رأيًا في الأزمة الحالية المتعلقة بالقراءة، مبينًا أن المشكلة ليست في الشعر بحد ذاته، بل في قلة الاهتمام بالقراءة والثقافة، والابتعاد عن الوضوح في الكتابة.
كما يحدد من خلال الحوار أن أزمة قراءة الشعر تتعلق بعدة عوامل رئيسية، منها ارتفاع نسبة الأمية، ونقص الثقافة لدى حملة الشهادات، وأزمات النشر والغموض في الكتابة. يشير إلى أن الناشرين لا يروّجون للكتب بشكل كافٍ، وأن بعض الشعراء يتبنون أسلوبًا معقدًا يصعب على القارئ العادي فهمه. إذ يُبرز محمود عثمان تفريقًا بين الموهبة والصنعة في الشعر، مؤكدًا أن الموهبة هي الأساس، بينما الصنعة تأتي في المرحلة الثانية. يتحدث عن ضرورة توازن العنصرين ليصبح الشعر مؤثرًا وملهمًا، مشيرًا إلى أن الشاعر المبدع ينجح في إخفاء تقنياته الشعرية ليبدو شعره طبيعيًّا وسلسًا.
يناقش الشاعر إشكالية التفرقة بين النثر والشعر في العصر الحديث، خصوصًا مع ظهور قصيدة النثر. يشير إلى أن التسمية ليست المشكلة بحد ذاتها، بل الأهمية تكمن في جودة الكتابة ومدى إقناعها للقارئ. ويوضح أن الشعر يعكس بشكل تلقائي ثقافة وعصر الشاعر، مستشهدًا بالشعراء الجاهليين الذين أرخوا لعصرهم من خلال قصائدهم.
أما بما يخص الحركة الشعرية في طرابلس يقدم الشاعر رأيًا نقديًا حول الصورة النمطية لطرابلس، معتبرًا أن المدينة قد تكون مظلومة بتصويرها كمدينة كلاسيكية مغلقة. يبرز الشعراء الطرابلسيين مثل فرح أنطون كأمثلة على إسهامات المدينة الكبيرة في الشعر والأدب.
يُظهرهذا الحوار معه أن الشاعر والدكتور محمود عثمان يتمتع برؤية نقدية عميقة تجاه الشعر وأزمة قراءته. يظهر تأثره بالتحديات الثقافية التي تواجه العالم العربي ويعبر عن إحباطه من عدم تقدير الشعراء لأهمية تواصلهم مع القارئ. من خلال حديثه عن الغموض والشعر، يعكس الشاعر قلقه من انحراف الشعر عن هدفه الأصلي في التأثير والإلهام، ويعبر عن حاجة الشعر إلى توازن بين الموهبة والصنعة لتحقيق تأثير إيجابي ومستدام. كذلك، تظهر رؤيته للحركة الشعرية في طرابلس نوعًا من الدفاع عن مدينته، مما يعكس حبه واعتزازه بمساهمات المدينة الثقافية.
dohamol67@gmail.com