الفيلسوفة التي لا تقرأ في قمر أريحا
ضحى عبدالرؤوف المل
الأم والوطن وفلسطين التي ما زالت تتفقد رحيل الأبناء، تغنى الشعراء على مر العصور بالأم. فكانت الحياة بمجملها، بل بصورها المختلفة بين الكائنات، ومن لم نجد الأم في قصائده تكون الجدة هي البديل، كرحيل "أبو الطيب المتنبي" لجدته، حيث قال: "أحن إلى الكأس التي شربت بها/ وأهوى لمثواها التراب وما ضما". وشاعرنا "محمود عثمان" في ديوانه "قمر أريحا"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث والتوثيق في تموز/يوليو 1999، وضع الإهداء "إلى الفيلسوفة التي لا تقرأ". فالفلسفة هنا هي القدرة على الإتيان بخبرة حياتية لتمنحها إلى وليدها بعيدًا عن الشكوى والتذمر، لأنها القادرة على تحويل السلوك الصبياني إلى سلوك معرفي، بعد أن أضاف صفة ثانية هي المعلمة، ولم يقل "مربيتي" لأنها استطاعت مدّه بتربية تعليمية تميل إلى العلم القرآني الذي كانت تعرفه الكثير من الأمهات دون أن تكتب. فكانت كلماته مسبوغة بالعرفان لها، لأن خفقان القلب الكبير يمنح الإنسان قوة في التحمل والإدراك والإصغاء إلى كل ضعيف يدب على الأرض فيقول:
"إلى الفيلسوفة التي لا تقرأ
والمعلمة التي لا تكتب
إلى من علمني خفقان قلبها الكبير
أن أصغي لأنين القلوب الضعيفة."
وربما في الخفقان تصوير لشدة خوف الأم على ابنها حين تضمه على صدرها بعد تعرضه لما يخيفها عليه. فالانتصار على الجهل بالابتسامة هو ابتسامة الأم لابنها، وهو يحاول إثبات وجوده أمامها، كأن يشرح لها عن أمر ما وهو يظن أنها جاهلة به. فتستمتع له وكأنه الأستاذ على مدرج الجامعة أو الشيخ على المنبر. ولم ينس الشاعر دمعها الغزير الذي تكونت منه مياه البحار، إن بتصوير حسي يحرره من وطأة الملامح التقليدية التي نصف بها الأمهات عادة. فالمسافة بين حرف الجر الذي بدأ به القصيدة وبين "من فمي" هي إليك أمي. وعلمتني ابتسامتها أن أنتصر على جهلي، ودمعاتها أن ماء البحر قليل. إليك يا من أطلقت شرارة الوحي في دمي، وبلابل الشعر من فمي. إليك يا أمي.
الأمومة هي عاطفة تسكبها الأم وتنصهر معها. فيتطور الوليد وينمو ويكبر ويصبح من الذين انصهروا في بوتقة الحب الأكبر. هذه العلاقة الإنسانية والعاطفة الأمومية تصاحب الإنسان في مسيرة حياته، فيكون لها الأثر الأكبر على الإنسان والشاعر بشكل خاص. وهو في هذا الإهداء منحنا صورة ذاتية عن تلك التي جعلته يرتقي بلغة الشعر، لأنها من أطلقت شرارة الوحي في دمه، ولم يقل في وجدانه أو قلبه أو فكره، إنما استخدم الدم الواحد الذي جمعه بها وهو الخارج من دمها. وبهذا تتضح لنا قوة الحب في الطبيعة البشرية. فهل بلابل الشعر في القصائد الأخرى هي من وحي الأم والوطن؟
أسطر صغيرة جمعت الكثير من المفردات التي شحنها بالقوة الفنية القادرة على إيصال صورة الأم حسيًا إلى القارئ، وبإيجاز لأم ترك الاسم الخاص بها، والذي نعرفه جميعًا هو "الأم"، بينما منحها صفات الفيلسوفة والمعلمة والمنتصرة والباكية بصمت التي لا تقرأ ولا تكتب ومع ذلك أطلقت بلابل الشعر من فمه.
إن انعكاس صورة الأم في الإهداء هو الموحي باضطرام لغة الشعر الوجدانية والعاطفية في تكوينها الأول، وهي الموطن الأول أيضًا باتجاه الموطن الثاني الذي يجسد بأهميته لغة البقاء، وما شاعرنا في ديوانه هذا إلا الشغوف بالوصول إلى الدرجات العلا، أي إلى النغمة الجمالية الآتية من الأم الفيلسوفة ومحبتها لشاعرنا الذي قدم لها تغريد "قمر أريحا" وإطلالة قمرية لعدة معانٍ تعكس جمالية الذات وما يفيض عنها من مفردات تغالبها النزعة القومية الواضحة، وبصيغة الأفعال القوية التأثير مثل "ينخسف"، "ينهمر"، "يذبح"، "يصيح"، "ينزف"، لتتلامس القضايا الموجعة في نفس الشاعر مع وجدان القصيدة القومي الذي وصل إلى جماجم قانا التي سنكمل معها مشوارنا الاستكشافي مع قصيدة "ديانا".
من الطبيعي ارتباط الشاعر بالبيئة التي خرج منها، وجبال الأربعين التي ترتبط ببعضها في أرض جبلية نشأ منها شاعرنا، جعلته من المتمسكين ماديًا ومعنويًا وعاطفيًا ضمن نطاق لغة الشعر التي يقدمها في ديوانه "قمر أريحا". فشخصية الشاعر في هذا الديوان تميل إلى الانغماس بالعروبة وهمومها وقضاياها، إنما بحروف جبلية هي أقرب إلى البيئة التي أفرزت هذه القصيدة في زمن اقتضى أن تنفجر القصيدة وتغرد مع بلابله. لتكون جبال الأربعين في أريحا، التي يشتق اسمها من مدينة أريحا والمشتق اسمها أيضًا من القمر والواقعة على الضفة الغربية بالقرب من نهر الأردن، لتتكون العنوان من استدارات إيحائية تتخذ عدة عناوين من جبال الأربعين التي تمتد وتجمع الكثير من المناطق العربية، وكأنها الخيط الأساسي في ديوان "قمر أريحا" الغارق في الهموم العربية واتجاهاتها، إلى جانب الصور العاطفية والانفعالية التي يزينها الديوان، والغنية بالتعابير ذات المدلول غير المتعاطف مع الغرب كما بين "ديانا" و"فاطمة"، مما يضفي صفة الوطنية العربية النابعة من نفس عروبية.
يبدو أن الطبيعة هي ملجأ شاعرنا التي يستوحي منها الصور الحية، لتضيء زوايا قصائده بالحياة دون تلاشي الذات المتحررة من منطلقات الحياة الثابتة والمغايرة للمفاهيم التي انبلج منها ضوء كل قصيدة تكونت في "قمر أريحا" أو ذاك القمر المطل على الجبال العربية برمتها، محتفظًا بالاستدارة لتكون قمرية في ليالي ديوان انخسف منها القمر في قصيدة "ديانا" التي تحمل في طياتها سخرية سوداء لفاها التضاد بين "فاطمة" و"ديانا" والاختلافات العربية والغربية في المقامات الإنسانية والهموم المختلفة بين الغرب والعرب، وبرمزية الأسماء التي أطل منها على المشكلة الفلسطينية بجرأة مبطنة تميل إلى استخراج الرموز بحدة يسوقها في قصيدته، بما حوت من تعابير قوية تهز كيان القارئ، برقة تنغمس بضوء شعري يتسرب إلى عنفوان النفس، فيشحنها دون أن يسترضي "ديانا"، بل يجعل من "فاطمة" ملكة يسقط عليها صفات الحقوق المستلبة. فوطأة الانفعالات تشتد في خفوتها التعبيري، وكأنه القائد الذي يجهز لتعبئة النفوس قبل المعركة، يجمّل الكلام، وبإظهار صورة المرأة العربية بكل ما أوتيت من صفات تجعلها الأحق بالحياة.
Doha El Mol
المقال هذا كتبته في سنة 2019 من الشهر الرابع والآن حاولت ترك انطباعاتي عن القصيدة مرة أخرى لموقع الألكتروني الخاص لي Sunrise impact
تُعتبر قصيدة "الفيلسوفة التي لا تقرأ" في ديوان "قمر أريحا" للشاعر محمود عثمان نموذجًا بارزًا في كيفية توظيف الأسلوب الشعري لإبراز الأبعاد الإنسانية والمعرفية للعلاقة بين الأم والابن. في هذا النص، يبرز شاعرنا قدرة الأم على الإلهام والتوجيه من خلال لغة شعرية تعكس ثراء التجربة الإنسانية وتكثيفها.
يبدأ النص بإحالة مباشرة إلى تقليد شعري عريق، حيث يشير إلى الأم كرمز مقدس، مجددًا بذلك تقليدًا شعريًا طويل الأمد، كما يتجلى في "أبو الطيب المتنبي" في مراثيه. هنا، لا يُشيد الشاعر بمكانة الأم فحسب، بل يمزج بين التراث والأسطورة ليدعم قيمة الأم كرمز فلسفي ومعرفي. هذا الاستخدام للأسطورة ليس مجرد تجميل لغوي، بل هو تعبير عن احترام عميق وقناعة فلسفية تُضفي طابعًا مثيرًا على النص.
يختار الشاعر لغة حسية قوية لنقل تجربة الأمومة. في وصفه للخفقان القلبي والدموع، يستخدم الشاعر لغة تصويرية توحي بعمق التجربة الإنسانية والشعورية. يُبرز الشاعر كيف أن الأم ليست مجرد كائن عاطفي، بل هي أيضًا مصدر للقوة والمعرفة. يتجلى هذا من خلال التباين بين "الفيلسوفة التي لا تقرأ" و"المعلمة التي لا تكتب"، مما يعكس قدرة الأم على التأثير في حياة ابنها بطريقة غير مباشرة ولكن فعالة.
يمزج الشاعر بين التضاد والتجسيد لخلق تأثير درامي وجمالي. ففي مقابل "ديانا"، التي تمثل التباين الثقافي والغربي، نجد "فاطمة"، التي تُجسد الهوية العربية والأمومية. هذا التضاد لا يُستخدم لانتقاد الآخر بقدر ما يُبرز التباين بين القيم والثقافات، مما يعزز من قيمة النص ويزيد من عمق تحليله للقضايا الإنسانية.
يستخدم الشاعر الرمزية بلغة بلاغية دقيقة، حيث يرمز إلى الأم بكل ما تحمله من أبعاد فلسفية وعاطفية. الأم هنا ليست مجرد شخصية، بل هي تجسيد للحكمة والتعلم والتفاني. تُظهر الرمزية في النص كيف أن العلاقة بين الأم وابنها تتجاوز حدود الجغرافيا والثقافة لتصبح تجربة إنسانية عالمية، ما يعزز من قوة الرسالة ويجعلها أكثر تأثيرًا.
يُعزز النص من خلال دمج القضايا القومية والوطنية في سياق التجربة الإنسانية. فالشاعر لا يقتصر على تقديم صورة الأم فحسب، بل يربطها بالوطن والقومية، مما يضفي بعدًا سياسيًا واجتماعيًا على النص. هذا الربط بين الأم والوطن يجعل من النص تعبيرًا عن الهوية والقيم الوطنية، ويعكس التحليل العميق للأبعاد الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في الإنسان.
في ديوان "قمر أريحا"، ينجح محمود عثمان في تقديم نص شعري متكامل يجمع بين الفلسفة والعاطفة والرمزية، مُستخدمًا أساليب بلاغية وحسّية تعكس عمق التجربة الإنسانية. من خلال استخدام التراث والأسطورة والتضاد، يتمكن الشاعر من تسليط الضوء على قيمة الأم كرمز فلسفي وأخلاقي، مما يجعل النص مثالاً بارزًا في الشعر العربي المعاصر.
dohamol67@gmail.com