الروائي أنور حامد للواء: "التيه هو جزء من واقع الفلسطينيين فالرواية تعالج مسألة الهوية لفلسطينيي الداخل"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

تدور أحداث رواية "التيه والزيتون" على أرض فلسطين، تلك الأرض التي ما زالت تنمو على أرضها الأشواك الصهيونية، وتنتشر فيها سموم الصهيونية الإسرائيلية التي ينتقدها الروائي "أنور حامد" في روايته بحركية الشخصيات المثيرة للانفعالات المتناقضة بين الحب والكره. فقد ينتفض القارئ عند قراءة هذه الرواية لأبعادها التي تثير الأعاصير الفكرية في النفس، وبالتذبذب يضع القارئ على المحك أمام الحقائق التي يثيرها في روايته بجرأة وسلاسة. ومع الروائي "أنور حامد" أجرينا هذا الحوار.

- هل تلتقط الفكرة من الحياة وتكسوها روائيًا؟

نعم، كثيرًا ما يحدث هذا، وكثيرًا ما أستخدم أجزاء من سيرة ذاتية وأصوغها روائيًا بشكل يخدم فكرة ما.

- بوصلتك الروائية تتجه دائمًا نحو فلسطين؟

أنا كاتب فلسطيني مسكون بالهم الإنساني، وفلسطين هي هم إنساني بامتياز، يمس الحس الإنساني للفرد أينما كان. عموماً، أنا بدأت الكتابة والنشر بلغة غير العربية (اللغة المجرية، حيث عشت فترة طويلة من حياتي في المجر) وكان جمهور قرائي أوروبيًا.

- مصداقية الرواية لعبت دورًا مهمًا في ذهن القارئ، ما مدى صدقيتها فعلًا؟

الكتابة، أي كتابة، هي في رأيي فعل سياسي انطلاقًا من تعريفي للسياسة، وهي "علاقة تفاعلية مراوغة بين طرفين". الكتابة هي كذلك، كما السياسة.

- هل ارتبط الخيال فعلاً في تشكيل الواقع، وما مدى صعوبة هذا؟

الخط الفاصل بين الواقع والخيال عندي ليس دائمًا واضحًا، أستخدم الواقع لكني أتلاعب به بما يخدم مسار الرواية، أعيد تشكيله، وأعيد ترتيب عناصره. دائمًا أحاول أن أوصل هذه الفكرة للقارئ، أن لا يبحث في أعمالي الروائية عن مقاربات للواقع. أنا استخدمت في إحدى رواياتي "حجارة الألم" أسماء إخوتي وأخواتي الحقيقية، وأحداثًا حقيقية، لكن الرواية تبقى fiction أي خيال.

- حركية المشهد الروائي في رواية "التيه والزيتون" يمكن أن تكون مادة فيلمية، هل تفكر في هذا؟

قيل لي هذا عن أكثر من رواية من رواياتي، بأن حركية المشهد فيها تجعلها صالحة للتحويل إلى فيلم، وقد كانت هناك اتصالات معي من شركة إنتاج تلفزيوني لتحويل إحداها "يافا تعد قهوة الصباح" إلى مسلسل تلفزيوني. نعم، أحاول أن أجعل المشاهد ديناميكية، وكذلك الحوار بين الشخصيات.

- لماذا هذا التيه في رواية يحكمها الواقع رغم الأبعاد التخيلية؟

التيه هو جزء من واقع الفلسطينيين، فالرواية تعالج مسألة الهوية لفلسطينيي الداخل، والموضوع يعتريه الكثير من الحيرة والتمزق والتيه. هو مأزق حقيقي. كذلك على المستوى الشخصي لأي إنسان فلسطيني: هو تائه في أكثر من فضاء: شخصي، سياسي، اجتماعي، ومتورط في أكثر من معركة على أكثر من مستوى: العائلة، القبيلة، المنظومة الأخلاقية، الرغبة بالانعتاق... إلخ.

- هل تنتقد في روايتك عرب إسرائيل؟ أو بالأحرى من يتقنون اللغة العربية؟ أم هي دعوة للتفكر بما يحيط بنا ومحو خطورته؟

أنا ككاتب لا أنتقد شخصياتي، المتحدث ليس أنا بل هو "الراوي" واسمه منير حمدان. أنا ككاتب لا أتدخل بل أحرك شخصياتي الروائية. عمومًا، الراوي، منير، كان يوجه انتقادًا لمن يخدمون في الجيش الإسرائيلي، وهم شريحة محدودة من فلسطينيي الداخل.

- لماذا هذا التبرؤ من شخصياتك؟ ألم تخلقهم وتدرك أفعالهم؟

هذا هو مبدئي النقدي: المؤلف لا يفترض أن يكون حاضرًا، شخصياته فقط في الساحة. بالتأكيد للمؤلف رؤية، لكن كلما جاء ذلك من خلال تدخل مباشر، وكلما كان صوته واضحًا، كان هذا في غير صالح العمل. رؤية الكاتب موجودة في مجمل العمل لا في تفاصيل مجرياته.

- منطقية جدًا الرواية وتعالج الوضع الداخلي قبل الخارجي وبحقيقة صادمة، لماذا؟

هذا ما أطمح إليه: إثارة صراع داخلي، والتحريض على التفكير باتجاهات متناقضة.

- لماذا هذه الهوية الجديدة التي تثيرها في روايتك؟

موضوع "أزمة الهوية" لفلسطينيي الداخل موضوع شائك، ويبتعد عنه الكثيرون، فكان لا بد من إثارته.

- تخاف من خطر التعايش الفلسطيني الإسرائيلي؟ والتطلع إلى توحد الداخل الفلسطيني؟

موضوع حساس، وكنت أقف على حافة السكين وأنا أكتب عنه. هذا أسلوبي في الكتابة الروائية: أن أصدم القارئ في مسلماته لتحريضه على التفكير. البعض يكرهني بسبب ذلك، وأنا أعتبر ذلك مؤشرًا جيدًا.

- ألم تخف من عمقها السياسي؟

هذه مهمات الكتابة الروائية في رأيي: ركوب المخاطر، ونبش المسكوت عنه. وعادةً، ردود الفعل على رواياتي تكون في التناقضين: البعض يحبونها بشغف والبعض يكرهونها بشغف، لا أحد يبقى على الحياد، وهذا يروقني.

Doha El Mol

دائما كانت تحفزني شخصية الفنان أو الكاتب أو الشاعر لاستكشاف فكره والعمق التفكيري مما دفعنيلتحليل الحوارات إلا أن تحليل الحوار مع الروائي أنور حامد يكشف عن العديد من الجوانب المثيرة في عمله الأدبي ورؤيته الشخصية، فهو يركز في روايته على مسألة الهوية الفلسطينية، وهو موضوع يعكس اهتمامه العميق بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والتحديات التي يواجهها الفلسطينيون في الداخل. حامد يعبر عن قلقه بشأن التمزق الداخلي الذي يعاني منه الفلسطينيون ويظهر كيف أن هذا التمزق ليس فقط سياسيًا واجتماعيًا، بل يتجاوز ذلك ليشمل جوانب شخصية وعاطفية أيضًا. ويشير إلى أن الفارق بين الواقع والخيال في روايته ليس واضحًا دائمًا. هذا يعكس رؤيته الأدبية التي تدمج بين السرد الواقعي والخيالي بطريقة تعزز من تأثير الرواية. هو يعترف باستخدامه للواقع كمواد خام، لكنه يعيد تشكيلها لتخدم الأبعاد الدرامية والرمزية في روايته.

من الواضح أن حامد يحرص على الفصل بين نفسه ككاتب والشخصيات في رواياته. هو يعتقد أن وجوده ككاتب يجب أن يكون غير مباشر، وأن الشخصيات يجب أن تعبر عن أنفسها دون تدخل منه. هذه الرؤية تدل على التزامه بالموضوعية وبنية السرد الأدبي التي تمنح القارئ حرية تفسير الأحداث بشكل مستقل. حامد يواجه القضايا السياسية والوجودية من خلال سرد روائي يتسم بالجرأة، وهو يتجنب التخفيف من حدة هذه القضايا حتى لا يرضي الجميع. هو يرى في الكتابة الروائية فرصة لكشف المسكوت عنه وطرح قضايا قد تكون حساسة أو صعبة.

حامد يظهر من خلال حواره اهتمامًا عميقًا بمسألة الهوية وتأثيرها على الأفراد والمجتمع. هذا قد يعكس تجاربه الشخصية كفلسطيني يعيش في المهجر وتفاعله مع قضايا الهوية والانتماء. تعبيره عن التيه والحيرة يشير إلى الصراع الداخلي الذي يعاني منه الفلسطينيون في ظل الظروف الحالية. كما يظهر أيضًا شجاعة واضحة في التعامل مع مواضيع حساسة، وهو يتعمد أن يكون صادمًا في بعض الأحيان. هذه الجرأة قد تكون تعبيرًا عن حاجة عميقة للتغيير والتحدي للأوضاع الراهنة، وهو يرى في الكتابة وسيلة لتحفيز التفكير النقدي وإثارة النقاش.

من خلال حديثه عن ردود الأفعال المتباينة تجاه رواياته، يبدو أن حامد يتعامل مع النقد بواقعية، حيث يعترف بأن عمله لن يرضي الجميع. هذا يعكس نوعًا من النضج والقدرة على التعامل مع الاختلافات والتحديات بشكل بناء.

في النهاية اسمحوا لي القول أن أنور حامد كاتب يمتلك قدرة ملحوظة على دمج الواقع بالخيال بشكل يتسم بالعمق والتحدي. رؤيته لكتابة الرواية كفعل سياسي يعكس التزامه العميق بالقضايا التي يكتب عنها، وهو لا يخشى من استكشاف المناطق الرمادية والمعقدة في واقع الفلسطينيين. استخدامه للخيال مع الحفاظ على عناصر من الواقع يمكن أن يجعل الروايات أكثر تأثيرًا وملاءمة لمواجهة القضايا المعاصرة.

هذا الحوار أجريته معه عام 2016 وأتمنى أن أكرر الحوار معه بعد هذا العام 2024