الماضي وكيف أوصلنا إلى الحاضر
قراءة في كتاب "الحلم اللبناني" للمؤلف "رمزي الحافظ"
ضحى عبدالرؤوف المل، بيروت، لبنان
يقف التاريخ عثرةً أحيانًا عند التقاط التفاصيل التي تشكل في جزئياته منعطفاتٍ مهمة في التحليل والتصور، لبناء المستقبل على أسس متينة قد تكون سببًا في محو أخطاء الحاضر، قبل أن يتشكل ويتحول إلى ماضٍ ارتسم في مخيلة الجيل الجديد. من خلال المؤرخ وانعطافاته السياسية، أو من خلال ما يتبقى من كل ما هو مكتوب ومسموع وما إلى ذلك. إلا أن المؤلف "رمزي الحافظ" في كتابه "الحلم اللبناني" يسعى إلى تحقيق الحلم من "خلاصة مستقاة مما تركه المؤرخون، والآباء المؤسسون، ومفكروا الماضي..." ليتماهى مع المصطلحات ويقفز عنها، متخطيًا الشعارات بإرساء التسويات المتمثلة بواقعية سياسية "تجافي المثالية المنشودة بكل تفاصيلها التي تستدعي بدورها المناداة بتغيير الصيغة." فهو عبر التمهيد أو المقدمة إن شئنا التعبير، يوضح للقارئ البنود أو المفاهيم التي يطرحها في كتابه. إذ لا يمكن "تحويل اليأس إلى إيجابية التغيير، فيؤدي حكما إلى انتحار وطني." فهل دعوته إلى الحياة الوطنية في هذا الكتاب كفيلة بتوقف الثورات في الوطن العربي وإعادة النظر بمكونات التاريخ، وليس فقط في لبنان، إنما في البلدان الأخرى التي تآكلتها الثورة وزمهريرها القاتل؟ أم أن الحلم لا يحتاج لتحقيقه إلا للإيمان؟
اصطدمت الأحلام بالواقع السياسي ومصالح الدول الكبرى وبحياكة أسطورية نالت من جماعات تصارعت فيما بينها. وأدت إلى المزيد من الطغيان والمجازر التي يشهد عليها التاريخ بعد أن اتجهت عين اللبنانيين الجدد على مرآة التاريخ، أو بالأحرى قاعدة الماضي وقدراته في تصحيح يقظة الفكر التي يحاول "رمزي الحافظ" أن يضيء أعمدتها لتكون الأرض الصالحة لتاريخ يعيد رؤيته عبر الحلم اللبناني، والأبحاث المتعلقة بالمشوار التاريخي الذي قطعه لبنان بقساوة من الطريق إلى الاستقلال.. والميثاق، أي من التاريخ إلى الصيغة ومن الصيغة إلى القضية، تاركًا التفاصيل تمهد للدخول في الباب الرابع، والأكثر قوة في اتجاهاته موضحًا شكل الحلم ومضمونه وقدرته على انتقال الحلم إلى مرحلة الواقع والتنفيذ التي لا يمكن لها العبور كما ينبغي، لأنها ستمر بعقبات تتلازم مع المسار التاريخي الذي تماشى معه "رمزي الحافظ" وبخطين متوازيين مع أحلام فئة من اللبنانيين. فهل استطاع "رمزي الحافظ" تكوين الحلم اللبناني باستقلالية تامة؟ وهل اتصفت أبحاثه بالموضوعية التاريخية دون تصنيف يؤثر على التحليل المنطقي الذي يتخذه منحى له؟
يستخرج المؤلف من التاريخ إلى الصيغة النماذج التكتيكية المساعدة في توضيح الرؤية، خصوصًا أنه استطاع رسم الخط البياني للبناني الذي يؤلف الصيغة المتناسبة مع الصيغة اللبنانية التي تغنوا بها وتفاخروا بها، ومن ثم تحولت إلى كابوس. فمن حين إلى آخر "تطفو على سطح الجدلية السياسية دعوات إلى تعديل الدستور وميثاق الوفاق الوطني سعيا إلى حماية الصيغة اللبنانية." فهل يوظف "رمزي الحافظ" التاريخ لحماية الصيغة أم ليترك القارئ بتجاذب فكري يعزز الفكرة ويعصف بها في نواحي كثيرة يضعفها أحيانًا في نقاط يتركها للبحث والتحليل الفردي الناشئ من بسط السلبيات والإيجابيات لاستخراج ما يناسب القارئ، ولكن ضمن رؤيته للصيغة وارتباطها بالتاريخ وحنكة باحث يوجه دفة السفينة نحو الحلم اللبناني، والقدرة على تحقيقه بعد تحديث الحاضر كي يستطيع الجيل الجديد استيعاب فكرة الباب الرابع الذي يفتحه على مصراعيه أمام قائد حر يتطلع إليه من خلال كتابه هذا الذي يحمل في صفحاته صورة مبسطة يحفظها في ذهن القارئ لتكون منارة ذات ميزة تنير الفكر الباحث عن الحقيقة التاريخية التي ترافق القضية والحلم النهضوي المرتبط بإعادة الإعمار، وبناء المكونات الشبابية المتسلحة بالعلم والشهادات. ولكن لنقاط القضية اللبنانية سؤالًا بدأ به الباب الرابع: ماذا يريد اللبنانيون؟
الباب الرابع، وهو من الأهمية ما يجعله نبراسًا يحيي العقول الباحثة عن حقيقة الانتماء للوطن التي تتغلب بقوتها على الانتماء الطائفي منطقيًا واستفتائيًا وبنسبة عالية. إذ ترفض الغالبية العظمى الطائفية التي تهدد الوجود ولا تحميه، وليصبح الحلم حقيقة اتخذ "رمزي الحافظ" من قول المطران "غريغوار حداد" منطلقًا ثابتًا: "يجب أن يكون المرشحون من أحزاب لا طائفية، وليسوا مرشحي طوائف." وهذا الباب نستلهم منه أن الجدلية السياسية في لبنان ما زالت تناقش ماهية الوطن موضحًا أهمية الحزب الافتراضي الذي يتماشى مع العصر، وبطروحات جديدة. إلا أن الافتراض يحتاج إلى إثباتات يقينية تختلف مع الواقع وتتماشى معه في آن. فهل يمكن كسر طوق السياسات التقليدية التي يحمل بصمتها التاريخ وما زال الحاضر يعاني منها؟
كتاب تاريخي تم تقديمه بموضوعية، ولكن ضمن نقاط محددة تحتاج إلى توسيع وإلى إضاءات أخرى في كتاب يتبع. لأن القارئ يسأل نفسه كيف يمكن تطبيق ذلك في ظل الأوضاع المتردية في لبنان والخارج حيث يتأثر لبنان بالدول العربية المجاورة شاء أم أبى، وحتى تلك التي تؤثر على قراراته. فالعودة إلى الأسس هي السبيل إلى تحقيق الحلم، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه عند نهاية الخاتمة: ألا يجب تأهيل القواعد الشعبية للانطلاق منها بثبات نحو تحقيق الحلم الذي يبدأ بالإحساس بقوة الانتماء الوطني ولا ينتهي عند الحلم اللبناني والواقع الحديث الذي يتماشى مع العصر؟ وهل ما تحمله ريشة الفنان "شوقي شمعون" التي رسمت صورة الغلاف هي بمثابة رؤية قادمة لحلم حديث الرؤية وعبر مساحات بيضاء ذات انعكاسات توحي بالماضي والحاضر والمستقبل؟ للبنان الحلم في العصر الحديث؟
في قراءة ثانية للكتاب بعد سنوات ثلاثة مضت أي 2018 وجدت نفسي أكتب لا شعوريا عنه مرة أخرى
في إطار كتاب "الحلم اللبناني" للمؤلف "رمزي الحافظ"، يبرز سعي المؤلف إلى كشف العوامل التي شكلت التاريخ اللبناني وكيفية تفاعلها مع أحلام وطموحات الشعب اللبناني. ، حيث ينسج خلفيات الأحداث ويبرز القوى المتصارعة بشكل دقيق، يتناول "رمزي الحافظ" السياقات التاريخية والسياسية التي صنعت المشهد اللبناني.
تجسد السطور الأولى من "الحلم اللبناني" خلفية معقدة لا تقتصر على الأحداث السياسية فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات القوى الخارجية والمحلية، وهو ما يعكس أسلوب الحافظ في تقديم الأحداث التاريخية من زوايا متعددة. فعندما يتناول الحافظ الصراعات الداخلية اللبنانية، فهو لا يقتصر على عرضها كأزمات داخلية فحسب، بل يتعمق في كيفية تأثر لبنان بصراعات القوى الكبرى ، فإن السرد التاريخي لا يكون مكتملًا دون تحليل تأثيرات القوى العظمى على الدول الصغيرة، وهو ما يعكسه الحافظ في تحليله للأوضاع اللبنانية.
يستعرض "رمزي الحافظ" كيف أن لبنان، كدولة، واجهت تحديات كبيرة في محاولتها تحقيق الاستقرار. بالأسلوب الذي يميز الحافظ في هذا الكتاب، الذي يربط الأحداث السياسية بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، يسعى الحافظ إلى تقديم صورة شاملة للوضع اللبناني. يسلط الضوء على كيفية تشكل الصيغة اللبنانية وتحدياتها، مستعرضًا دور النخب السياسية والأيديولوجيات المتباينة. من خلال دراسة التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية، يعكس الحافظ التفاعل بين الأحلام السياسية والتحديات الواقعية، مما يبرز ديناميكيات التغيير والتأثير المتبادل بين الحلم والسياسة.
يسبر "الحلم اللبناني" أغوار الصراعات العميقة التي أثرت على تطور لبنان. يتناول الحافظ كيف أن الصراعات الداخلية والخارجية قد أدت إلى تشكيل تاريخ لبنان المعاصر، مُشيرًا إلى الدور الذي لعبته القوى الخارجية في تشكيل السياسة اللبنانية. من خلال ربط الأحداث التاريخية بالواقع السياسي الحالي، يظهر الحافظ التأثير المستمر لهذه الصراعات على الأحلام اللبنانية والأهداف الوطنية.
يوفر "الحلم اللبناني" تحليلًا مفصلًا للمثالية السياسية التي تتناقض مع الواقع اللبناني. يتناول الحافظ كيفية تطور الشعارات السياسية من كونها مثالية إلى التماس مع الواقع السياسي الصعب. يتوازى هذا مع أسلوب تيم واينر في تناول الفرق بين الأيديولوجيا والتطبيق، حيث يقدم الحافظ دراسة متعمقة حول كيف أن الطموحات السياسية قد تصطدم بالحقائق العملية، مما يؤدي إلى تغييرات تدريجية في السياسات والأهداف.
يناقش "رمزي الحافظ" كيفية التعامل مع الصراعات السياسية والاجتماعية من خلال استراتيجيات التسوية. وبأسلوب يشابه تحليل واينر، يستعرض الحافظ كيفية محاولة تسوية النزاعات الداخلية من خلال صيغ سياسية جديدة. يظهر كيف أن التسويات قد تكون ضرورية لتحقيق الاستقرار، لكنها قد تأتي على حساب المثالية. يسلط الضوء على كيف أن التعديلات في السياسات قد تكون جزءًا من عملية طويلة ومعقدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
يربط الأحداث العالمية بوقائع محلية ، وهو ما يفعله "الحلم اللبناني". يتناول الحافظ التأثيرات العالمية التي شكلت الواقع اللبناني، مشيرًا إلى كيف أن الأحداث الكبرى مثل الحروب العالمية والسياسات الاستعمارية قد أثرت على لبنان. من خلال تحليل السياقات العالمية، يظهر الحافظ كيف أن لبنان ليس جزيرة منعزلة، بل جزء من شبكة معقدة من القوى العالمية التي تؤثر على طموحات وأحلام اللبنانيين.
ينتهي "الحلم اللبناني" ببحث في الرؤى المستقبلية وكيفية تحقيق الأحلام اللبنانية. يعكس هذا النهج أسلوب الحافظ في تقديم التوقعات والتحليلات المستقبلية بناءً على الأحداث التاريخية والسياقات الحالية. فيقدم الحافظ رؤية مستقبلية مستندة إلى تحليل دقيق للاتجاهات الحالية والتحديات المقبلة، موضحًا كيف يمكن للبنان أن يتجاوز عقباته ويحقق أهدافه الوطنية.
يقدم "رمزي الحافظ" تحليلًا شاملاً يعكس فهمًا عميقًا للتاريخ والسياسة اللبنانية. من خلال دراسة التفصيلية للأحداث التاريخية والسياسية، يعكس الكتاب تعقيد الواقع اللبناني ويقدم رؤى حول كيفية تحقيق الحلم اللبناني. يجسد الكتاب قدرة الحافظ على تقديم تحليل دقيق ومعمق يربط بين الأحلام والطموحات والواقع السياسي، مما يجعله إضافة قيمة إلى الأدبيات التاريخية والسياسية حول لبنان.
dohamol67@gmail.com