أديب صعب مع صدور مجموعته "حيث ينبع الكلام": الشاعر صانع معانٍ كبيرة وشاهِد على عصره القصيدة عالَم لامحدود والغنائية جوهر الشعر"

حاورته: ضحى المل

"حيث ينبع الكلام" مجموعة شعرية للدكتور أديب صعب، صدرت حديثاً في بيروت عن الدار العربية للعلوم، تضاف إلى عدد من مجموعاته السابقة. وفي نبذة الناشر عنها أنها "قصائد غنية بالصور التي تجعل منها لوحات شعرية تفتح أمام القارئ عوالم لا تنتهي سعةً وعمقاً، على تقنية متفردة في البناء الشعري". في الشهادات المنشورة على الغلاف الخلفي للكتاب، نقرأ للناقد د. فؤاد أبو منصور: "أديب صعب صوتٌ صافٍ، مع نبرة تحمل رعشة الشعراء الكبار، ونص شعري يقف دون دعائم خارجة عنه... من أجمل ما كُتب بالعربية". وفي شهادة خليل حاوي حول شعر أديب صعب أنه "يَصدر عن نضج يندر أن نقع على شبيه له"، فيما يجد أدونيس في شعر صعب ما يضعه "بين طليعة الشعراء". معروفٌ أن أديب صعب أدخلَ موضوعاً فلسفياً جديداً إلى الثقافة العربية المعاصرة، هو فلسفة الدين، بكتب خمسة متكاملة نُشرَت بين 1983 و2015. له أيضاً كتابان في النقد الثقافي ودراسات في مجلات مختصة وصحف. رأس تحرير مجلة "الأزمنة" طوال فترة صدورها. وهي مجلة أحدثت أثراً كبيراً على الساحة الثقافية العربية. ومع الشاعر أديب صعب اجريت هذا الحوار حول مجموعته الجديدة ونظرته الشعرية وعلاقة الشعر بالفلسفة.

- مجموعتك الشعرية "حيث ينبع الكلام"، الصادرة حديثاً، سبقها عدد من المجموعات. كيف ترى الجديد فيها بالنسبة إلى شعرك السابق؟

في المجموعة الحالية عدد من العناصر التي يمكن أن نسميها "جديدة" في ضوء شعري المنشور سابقاً. العنصر الأول هو طغيان القصائد القصيرة. في مجموعتيّ الأخيرتين قبل هذه، وهما "أجراس اليوم الثالث" و"مملكتي ليست من هذا العالم"، تَغلب القصائد الطويلة. فالمجموعة الأُولى تحوي ثلاث قصائد طويلة بدون أي قصيدة قصيرة، والثانية تحوي خمس قصائد طويلة، مع عدد قليل نسبياً من القصائد القصيرة التي لا يتجاوز عدد صفحاتها الخمس والثلاثين. القصيدة الطويلة في شعري هي استمرار لنزعة في الشعر العربي والعالمي الحديث تجعل من الشاعر شاهداً على عصره في حركاته الكبرى كما يختبرها الشاعر وسط تجارب وجودية كالحرب والسلام والحب والموت والنهوض القومي، يتحدد في ضوئها معنى الحياة والكون. ويختلف هذا المعنى، بالطبع، من شاعر إلى آخر، وقد يكون لدى بعضهم – وأنا لستُ من هؤلاء - العبثية أو اللامعنى.

العنصر الثاني هو الغنائية التي تتميز بها القصائد القصيرة. لكن قبل محاولة تحديد الغنائية، أودّ القول بأن للقصائد القصيرة أيضاً فعل صنْع المعنى، وأنّ قصيدةً من كلمات قليلة جداً، قد لا تصل إلى العشرين، يمكن أن تطرح معاني كثيرة عبر صورها وإيحاءاتها. هكذا تغدو القصيدة، مهما كانت قصيرة، بمثابة نافذة أو كوّة في جدار العالَم، ينطلق منها القارئ في رحلة نحو اللامحدود. أما الغنائية فهي مفهوم تصعب الاحاطة به، وإنْ كان كثيرون منا يظنّون أنهم يعرفونه لا بل يظنّون أنه جوهر الشعر. ولعل أبرز عناصر الغنائية هي الآتية: (1) البَوح الذاتي أو الوجداني عن حالات وتجارب شخصية، تمتزج فيها المشاعر والأفكار. (2) سكب هذا البوح في قالب فنّي جميل، يعتمد التصوير بعيداً عن التجريد. (3) الموسيقى أو الايقاع، علماً أنّ مصدر الموسيقى الشعرية هو الوزن. أما في حال الشعر غير الموزون، أي قصيدة النثر، فالصياغة تنوب عن الايقاع. وسواءٌ أكان موزوناً أم غير موزون، فالتعبير الشعري يقوم على "نظام" أو "تنظيم" معيَّن. لذلك تسمّى الكتابة الشعرية "النظم". (4) قدرة هذا البوح الفنّي، الموسيقي، المنظوم، المنطلق من تجارب الشاعر الشخصية على مخاطبة الآخرين. (5) امتزاج الدمعة بالابتسامة عبر ما يوحيه الكلام والموسيقى في القصيدة. وهنا يحضرني كلام للكاتب الفرنسي شاتوبريان: "أُغنية الانسان الفطرية، تحت كل سماء، أُغنية حزينة، حتى وإن كانت تعبيراً عن السعادة". الفرح بدون مسحة حزن يخالطه شيء من السطحية، والحزن بدون أثر للفرح ناقصٌ هو الآخر. ولا أجد أروع من أغاني فيروز، شعراً وموسيقى وأداءً، مثلاً على ما أقول.

وما دمنا في صدد الموسيقى، فالعنصر الثالث الذي يجعل من مجموعتي الأخيرة جديدة لا بمعنى حداثة نشرها فحسب بل بمعنى التجاوز هو أنّ عدداً كبيراً من قصائدها يجري على إيقاع جديد كل الجدّة في الشعر العربي الحديث. وبما أنّ غالبية قرّاء الشعر الموزون يدركون أنّ هناك إيقاعاً من غير أن يستطيعوا تحديده، فلن أدخل هنا في هذه التفاصيل. ولعل أحد المختصين يكتب دراسة لاحقاً حول هذا الموضوع قد تعوّض عن غياب التعليم الجدّي للشعر في المدارس التي ما يزال الكثير منها يطلق على الشعر، تحت مادة الأدب، اسم "الاستظهار"، من ضمن الفلسفة التربوية الرديئة السائدة في العالم العربي والقائمة على التلقين.

نظرة إلى العالَم

- جوابك يثير عدداً من الأسئلة. إذا كان في شعرك المنشور سابقاً طغيان للقصيدة الطويلة على القصيرة، بعكس مجموعتك الحالية التي تطغى فيها القصيدة القصيرة، فهل يعني هذا أن التذوق أو الذوق الشعري تحوّل نحو القصيدة القصيرة؟

هذا التحول حصل فعلاً. ومن أقوى أسبابه، كما أرى، تلاشي القضايا الكبرى أو ضعف اهتمام الناس بها. هذه القضايا، مثل القومية والنهضة، شهدت انحساراً كبيراً في العالم العربي وحول العالم. ثمّ إنّ الشاعر المؤهَّل لكتابة هذه القصيدة، التي تصنع عالماً من نسيج فكري – شعوري – خيالي، وباستخدام عناصر روائية ومسرحية وملحمية وغنائية، نادر الوجود على الدوام. ولْنتذكر أنّ طول القصيدة لا يجعل منها "قصيدة طويلة" بهذا المعنى ما لم تتوافر العناصر التي ذكرناها. وأُسمّي من شعراء هذه القصيدة الكبار اثنين: تي إس إليوت في العالم الناطق بالانكليزية، وخليل حاوي في العالم الناطق بالعربية. ومن كبار المنظّرين لهذا النوع من الشعر في النهضة العربية الحديثة أنطون سعادة في كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري"(1947)، الذي كان من ركائز حركة الشعر العربي الحديث.

لكن ليس بالضرورة أن يكون طغيان القصائد القصيرة في مجموعتي الحالية نابعاً من تحول الذوق الشعري عن القصيدة الطويلة إلى القصائد الغنائية القصيرة. ففي "حيث ينبع الكلام" قصيدة واحدة طويلة، أعتبرها بمثابة "السيمفونية التاسعة"، تضاف إلى "السيمفونيّات" (القصائد الطويلة) الثماني السابقة. أما طغيان القصائد القصيرة على المجموعة فلم يتبع مخططاً أو تصميماً وضعتُه لنفسي. وقد أعود إلى كتابة القصائد الطويلة بعد هذه المجموعة.

- بالعودة إلى الذوق السائد، ألا تجد أيضاً أنّ هذا الذوق تحوّل عن الشعر الموزون إلى قصيدة النثر؟

الاجابة الدقيقة عن سؤال من هذا النوع تحتاج إلى دراسة إحصائية. لكن في غياب التربية الفنية الرصينة عن مدارسنا، يبقى على الشاعر أن يبني جماعة قرائه ويصنع معايير الذوق والتذوق حول شعره وما يشبهه من شعر. لكن نلاحظ أنّ كل أشكال الشعر الرئيسية تُكتَب اليوم: الموزون – في نَوعَيه العمودي والحرّ – وغير الموزون، أي قصيدة النثر. ويستطيع الناقد الحقيقي الموضوعي أن يلحظ الجيّد والرديء في هذه الأنواع كلها. أقصد بـ "الحقيقي" الناقد أو القارئ الذي تخوّله موهبته وثقافته إصدار أحكام، ذاك الذي شبّهه نقّادنا القدامى بالجوهري المتمرس، وهو يستطيع تمييز أصالة الحجار الكريمة ودرجاتها. أما بـ "الموضوعي" فلا أقصد الدارس الذي لا موقف له ينبع من ذوقه، بل أقصد الدارس الذي لا يقوده ذوقه الشخصي إلى الانغلاق على التنوع وحصر اهتمامه في نطاق محدود.

هذه النظرة "الحقيقية الموضوعية" إلى الأشكال الشعرية المختلفة تجعل المتلقّي منفتحاً على كل الأشكال، كما تجعله يكتشف الجيد والردي فيها كلها. فالحكم على عمل شعري سلباً أو إيجاباً يحصل لا بمصطلحات من نوع "عمودي" أو "حرّ" أو "خارج الوزن"، بل بمصطلحات من نوع "جيّد" أو "رديء".

- مجموعتك الحالية هي الرابعة. وهي تأتي بعد عقود من الزمن على نشْرك "مملكتي ليست من هذا العالم". كيف تفسر هذا الانقطاع؟

إذا كان ثمة "انقطاع" على الاطلاق، فهو انقطاع عن نشر الشعر، لا عن كتابته. وهو أيضاً انقطاع عن نشر الشعر في كتاب، لا عن نشره في مطبوعات أُخرى أو على الملأ. يُضحكني بعض "نقّاد" الشعر في تبنّي مفاهيم وعبارات تخطاها الزمن، مثل "مُقِلّ" و"مُكْثِر"، في أحكامهم على الشعراء. الشعر، ككل كتابة، لا يُحكَم عليه بمفاهيم كمية مثل "كثير" و"قليل"، بل بمفاهيم نوعية مثل "جيد" و"رديء". كما يُضحِكُني بعض الشعراء الذين يتباهون بعدد مجموعاتهم الشعرية، علماً أنّ كلاً من كتبهم قد يحوي قصيدة واحدة تندرج في عداد "المطوَّلات". هذا العدد الكبير لا يضمن بقاء شعر شاعر بعد رحيله. ثم ما الذي يبقى من شاعر كبير سوى صفحات قليلة لا يأتي عليها الزمن؟

معلومٌ أنه بين مجموعتي السابقة والمجموعة الحالية نشرتُ خمسة كتب متكاملة، أي خُماسية، في فلسفة الدين: "الدين والمجتمع"، "الأديان الحية"، "المقدمة في فلسفة الدين"، "وحدة في التنوع"، "دراسات نقدية في فلسفة الدين"، أَدخلَت موضوع فلسفة الدين – حسب إجماع الأوساط الأكاديمية – إلى الثقافة العربية المعاصرة. وقد صدرت في عدة طبعات، وكُتب عنها الكثير، واعتُمدَت في مشرق العالم العربي ومغربه كتباً جامعية. كما نَشرتُ كتابين في النقد الثقافي، أحدهما بعنوان "هموم حضارية" يحوي، إلى جانب دراساته في "الثقافة والسياسة والنهضة المنشودة"، افتتاحياتي لمجلة "الأزمنة" الثقافية التي كنت رئيس تحريرها طوال فترة صدورها في النصف الثاني من الثمانينات. والكتاب الآخر دراسة عن والدي، الشاعر وأمير الزجل اللبناني، بعنوان "وليم صعب شاعر القضايا الأزلية". ويحوي مقارنة، هي الأُولى من نوعها، بين الشعر الشعبي في لبنان وفي بلدان عربية أُخرى، خصوصاً مصر وتونس.

بين الشعر والفلسفة

- اهتماماتك وإضافاتك الفلسفية معروفة. أنت من المشتغلين الرئيسيين في نطاقَي الشعر والفلسفة. من ناحية، كيف ترى العلاقة بين النشاطَين؟ ومن ناحية أُخرى، كيف استطعتَ التوفيق بين الفيلسوف والشاعر في شخصك؟

أجل، هناك نطاقان في هذه الحال: الشعر والفلسفة. نطاقان، وبالتالي منطقان. الشعر بَوح وجداني، تعبير بالصورة والكلام والنغم. الفلسفة، حيال الشعر، تطرح أسئلة كهذه: ما هو الشعر؟ لماذا الشعر؟ ما الفرق بين الشعر والعلم، مثلاً، أو الشعر والدين، أو الشعر والحياة اليومية؟ طالما ميزتُ بين ما سميته نشاطاً "أوّلياً"، أي يأتي أولاً، ونشاطاً "ثانوياً" بمعنى أنه يلي النشاط الأوّلي بهدف تحليله وتحديد ماهيته. ليس الشعر أفكاراً أو مفاهيم مجردة، وليست الفلسفة تعبيراً بالخيال والعاطفة والصور. لا الفلسفة تُصنَع بدموع ولا الشعر يُصنَع بتحليل مفاهيم. أما أن ينطوي الشعر على بُعد فكري فهذا أمرٌ عظيم. الشاعر الكبير صانع معانٍ كبيرة. لكنّ هذه المعاني غير منفصلة عن الأحاسيس والمشاعر. وهي تأتي عن طريق الصور.

لا شكّ أنّ الفلسفة تترك أثرها على الشاعر الذي يتفاعل مع الأفكار الفلسفية. وهي قد تركت أثراً عليّ كبيراً. عندما انتقلتُ في دراستي الجامعية من الأدب إلى الفلسفة، فإنما فعلتُ ذلك لكي أكون شاعراً "أفضل": لا بمعنى أن أصير فيلسوفاً في شعري، بل بمعنى أن أصنع لنفسي جواً فكرياً. هكذا أدركتُ أن لكل من الشعر والفلسفة نطاقه ومنطقه، ومارستُ النشاطين من دون خفْض الشعر إلى مرتبة الفلسفة أو خفْض الفلسفة إلى مرتبة الشعر. وفي حين ظَلّ شعري مشبعاً بالغنائية، فقد صار أغنى من حيث المعاني. أما التوفيق بين الشاعر والفيلسوف في شخصي فقائمٌ على تمييزي بين النشاطين بناءً على إدراكي نطاق كل منهما ومنطقه.

- ما هي المعاني التي ابتكرتَها بواسطة الشعر؟

الجواب عن هذا السؤال هو عمل الناقد أو القارئ، أو القارئ – الناقد، أكثر مما هو عمل الشاعر. لكن لا شك أنّ المعاني التي يصنعها الشاعر بواسطة شعره مستمَدة من التجارب التي ينبع منها هذا الشعر. أما تجربتي فهي متعددة الجوانب. ولعل الجانب الذي لازمني في كل المراحل هو الجانب الصوفي – الروحي الآتي من تحرّي الجَمال في الكون: في الطبيعة والنفس البشرية على السواء، أي قراءة "الآيات" في "الأرض" ("الآفاق") و"الأنفُس" حسب التعبير القرآني. ولئن أطلقتُ على مجموعتي اسم "حيث ينبع الكلام"، فلأنه ينبع من هذين المصدرين، محاولاً قراءة "الآيات" أو "علامات الأزمنة".

مَن لا يلاحق القيم العليا والأسئلة المصيرية في الحياة، كالجمال والحق والخير، لن يستطيع أن يكتب شعراً كبيراً باقياً. المعاني الكبيرة مرتبطة باهتمامات أساسية كبيرة. لكن أُكرر أنّ تحديد هذه المعاني في مجموعتي الجديدة هو عمل الدارس أو الناقد أو القارئ، لا عملي أنا.

- يتكلم المؤلفون عن مشاريعهم. ما هي مشاريع التأليف أو النشر لديك؟

لديّ عدد من المخطوطات للنشر. لكنّ الأولوية ستكون لإعادة نشر مجموعاتي الشعرية السابقة، وهي نافدة. وقد أعددتُها للنشر ضمن كتاب واحد، في ما سمّيتُه "طبعة جامعية"، ضممتُ إليها ملحقاً يحوي عدداً من المراجعات التي كتبها النقاد حول هذا الشعر، وعدداً من المقابلات الصحافية حول شعري واهتماماتي الثقافية. والهدف من هذه الطبعة يذهب أبعد من إعادة نشر شعري السابق، لإفادة الطلاب الذين يكتبون دراسات ورسائل جامعية عن شعري. إلى المخطوطات الأُخرى التي سأنشرها تباعاً، هناك دائماً كتابة جديدة، يَصدر بعضها عن مؤتمرات فلسفية أُشارك فيها بدراسات تشكّل نواة كتاب أو كتاباً كاملاً. من هذه الدراسات واحدة حول الدين والشعر، هي نواة كتابي السادس في فلسفة الدين.

وفي تحليل للحوار معه الذي أجريته لجريدة الصباح العراق عام 2019 شعرت وأنا أقراه أنه يجب تقديم تحليل لهذا الحوار الغني بجوانب عديدة ثقافية وفكرية الخ

ما تشعر به وأن تقرأ الحوار مع أديب صعب تشعر أن مجموعة "حيث ينبع الكلام" عكست تحولاً في الفكر الشعري لأديب صعب، إذ يظهر الانتقال من القصائد الطويلة إلى القصائد القصيرة التي تحمل طابعاً غنائياً. هذا التحول يعكس استجابة لمتغيرات العصر وتقلص القضايا الكبرى التي كان يركز عليها في شعره السابق. يظهر في النص أن الشاعر يعترف بأن تراجع الاهتمامات الكبرى مثل القومية والنهوض قد أثر على طغيان القصيدة الطويلة، مما يشير إلى مرونة فكرية لدى الشاعر في الاستجابة لمتطلبات السياق الثقافي والاجتماعي. إذ يعتبر صعب أن الفلسفة تؤثر على الشاعر من خلال توسيع أفقه الفكري، ولكن الشاعر يظل ملتزماً بجوهر الشعر، الذي يتمحور حول التعبير العاطفي والصور الفنية. يرى صعب أن الفلسفة تعزز من فهمه للشعر دون أن تقتصر على تحويله إلى مجرد تأملات فلسفية. هذا الموقف يعكس مزيجاً من الالتزام بالنصوص الفنية العميقة دون أن تكون فلسفية صرفة.

.

تتناول المجموعة من خلال كلامه عنها تحولاً في الذوق الثقافي، حيث تبرز قصائد قصيرة ذات طابع غنائي في زمن أصبح فيه الاهتمام بالقضايا الكبرى أقل وضوحاً. هذا الانعكاس الثقافي يمكن أن يُفهم على أنه استجابة للتغيرات في المجتمع العربي الذي شهد تحولات عديدة في قضاياه واهتماماته. كما يشير صعب إلى أن الشعر العربي الحديث يظل متنوعاً في أشكاله، ويجب على النقاد أن يكونوا منفتحين على مختلف الأشكال الشعرية، سواء كانت موزونة أو غير موزونة. هذا يعكس تقدير صعب للتنوع الثقافي في الشعر، ويدعو إلى تقييم كل شكل شعري بناءً على جودته لا على نوعه.

تتسم "حيث ينبع الكلام" بالتطور الأدبي من حيث الطابع الفني والتقني. تقدم القصائد القصيرة تنوعاً في الأسلوب والموسيقى، ما يشير إلى نضوج أدبي وإبداعي في التجربة الشعرية لصعب. تعكس المجموعة اتجاهاً نحو تقنيات شعرية جديدة وتكشف عن قدرة صعب على استخدام الشعر القصير للتعبير عن معانٍ عميقة وغنية. ورغم تطور الأسلوب، تظل المجموعة وفية للجوهر الغنائي للشعر، حيث توازن بين البوح العاطفي والتقنيات الفنية، مما يعزز من قوة التعبير الشعري. كما تعكس المجموعة جوانب من التجربة النفسية للشاعر، حيث يمكن رؤية التأملات الشخصية والانفعالات التي تساهم في تشكيل النصوص. يتجلى تأثير الشاعر من خلال قدرة القصائد على تناول مواضيع ذات طابع ذاتي ووجداني بعمق.

يظهر من االحوار معه أن الشاعر يعبر عن حالة نفسية متأثرة بتجارب شخصية ومعنوية، حيث يتمكن من خلق توازن بين الحزن والفرح، مما يبرز الثراء النفسي والعاطفي للشاعر. إذ يتناول صعب النقد باعتباره أداة لفهم وتقدير شعره. يطمح من خلال إعادة نشر مجموعاته إلى إتاحة المجال للقراء والنقاد للتفاعل مع عمله بشكل أعمق، مشيراً إلى أهمية أن يكون النقد مبنياً على تقييم أدبي نوعي لا على مفاهيم كمية. كما يتناول النقاد شعر صعب بشكل إيجابي، معتبرين إياه صوتاً صافياً وشاعراً ذا نبرة خاصة، ما يعزز من قيمته الأدبية. تصب شهادات النقاد في صالح تسليط الضوء على النضج الأدبي للشاعر والقدرة على إدخال تجارب جديدة في الشعر العربي.

dohamol67@gmail.com