الشاعرة دارين حوماني للواء: "العبور بلا ضوء يشبهني، فأنا أمرّ وأكمل طريقي ربما دون أن ينتبه لي أحد."
حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل
تكتب "دارين حوماني" قصيدة النثر، محاولة أن تكتب عن المرأة والظلم الذي تتعرض له، فتقول في إحدى قصائدها: "وددتُ أن أصير طائرًا / فقد مظهره الحزين على قمة الجبل / فخرج من الزمن بقصائد قليلة / لا تقدم ولا تؤخر / إنها فقط موجودة / لأنها أرادت أن تتكلم شيئًا / عن النساء اللواتي مضين إلى الموت / في سراديب خرقاء / لا ترى الضوء." هكذا تكتب "دارين حوماني" لتصوّر حالة المرأة، فكيف إذا كانت شاعرة؟ وعن ذلك تقول عند سؤالي لها عن الصعوبات التي تواجه المرأة الشاعرة: "المرأة الشاعرة ينظرون إلى جسدها قبل أن يستمعوا إليها، ربما بات جزء كبير من الجمهور يرغبون بنوع من الشاعرات اللواتي يتحدثن الشعر بأجسادهن، وهنا لا يعود للشاعرات الحقيقيات مكان." فإذا بها تخوض في قصائدها المرسومة بحرفية الكلمة عدة جدليات نسوية أو وجودية، وهذا ما جعلها تمتلك ناصية الكلمة بتوازن، لتجعل من النثر موسيقى شعرية تحتفظ من خلالها بجمالية تحيط بالمعنى. إذ ثمة خاصية نغمية رقيقة الحس وجدانية وأنت تنتقل من ديوان "مقامات الخيبة" إلى ديوان "العبور بلا ضوء" إلى سواه من دواوينها الأخرى، ومع الشاعرة "دارين حوماني" أجريت هذا الحوار.
- العبور بلا ضوء ما هو وكيف يمكن العبور بلغة الشعر حاليًا إلى بر القصيدة بكامل مقاييسها؟
حياتنا كلها عبور بلا ضوء، فالإنسان يختار لكنه لا يختار بنفسه، إنه كائن موضوع في قدر مكتوب، إذًا هو عبور دون رؤية واضحة. أنت تنضجين وكلما مر الوقت تلومين نفسك على قرارات اتخذتها في حياتك، هذا يشبه أن المكان لم يكن مضاءً بما يكفي لتدركي ما هو مناسب لك.. والعبور بلا ضوء يشبهني، فأنا أمرّ وأكمل طريقي ربما دون أن ينتبه لي أحد، وقد لا يُحدث شعري أي إنجاز فيرى الضوء..
- في هذه الأجواء الأدبية الملبدة بعدة مستويات منها الضعيف والجيد ولن أقول المركب، استطاعت دارين حوماني الصمود وإثبات وجودها كشاعرة، ما هي الأسس التي اعتمدت عليها في دواوينك؟
تنتشر الآن قصيدة النثر في فضاء الإنترنت بين المواقع بسهولة كبيرة، تكاثر الشعر وكثر الشعراء كما حصل مع كل عناصر المجتمع، وهذا يقلل من قيمة الشيء ومن قيمة الشعر الذي يستحق أن يُقال عنه شعر.. أحيانًا أسأل نفسي أين أنا من كل هذا الضجيج، لا أعرف، لست أنا من يحكم، أنا أكتب الصور التي تتساقط عليّ غاضبة أحيانًا، وأحيانًا حزينة وأحيانًا تريد الحقيقة، كلها أدوّنها حريصة على أن أنقل الكلمة الجيدة والصورة الجيدة، محاولة أن لا أقع في صف الكلام لمجرد الكتابة والتي كثرت وباتت تُسمى الخواطر الخالية من النضج الشعري شعرًا..
- دواوين بعناوين أبرزها تزينت بمفردة "خيبة" ما هي خيبة دارين حوماني؟
الخيبة من هذا العالم كله، مما يحصل فيه، الخيبة من الإنسان، مما يفعل الإنسان بالإنسان، الخيبة من استخدام الدين ذريعة للحروب على المستوى العام وذريعة للسيطرة على المرأة على المستوى الخاص.
- مفردة تمزج العمق الإيماني بالجوهر الإنساني العام، ما رأيك؟
الإنسان في جوهره ينزع إلى الحرية، والإيمان العميق بالإنسان يجعلنا نفهم لماذا دائمًا هناك ثورات على الظلم، لهذا تجد أن أغلب الشعراء الذين بقوا خالدين هم الذين كتبوا عن التحرر من الاحتلال أو العبودية أو أي ظلم يلحق بالإنسان. وإن فكرة المعاد التي هي جزء من العمق الإيماني مردّها إلى التحرر من الموت..
- الإدراك باللغة الشعرية حرفة أم نهج في قصائدك؟
إدراكي للغة الشعرية كبر ونضج معي، احترفته عندما وجدت نفسي أعشق الكتاب والمكتبة، أفتش من مكان لآخر بين الأحياء الشعبية عن مكتبات فيها الشعر والأدب والفلسفة، كان ذلك منذ صغري وبدأت كتاباتي بعدها.. كتاباتي كثيرة منذ طفولتي نضجت وكبرت معي... لا أجد أني أدركت اللغة الشعرية كما يراها الكثيرون، ربما أنا كاتبة قصائد نثر تخرج الكتابات مني على شكل صور لا تتبع نهجًا ولا تعلمت أصول الشعر وأوزانه.. أكتب الصور التي تأتيني كما هي دون صناعة ودون تكلف..
Doha El Mol
الحوار مع الشاعرة دارين حوماني، التي تُعبر من خلال قصائدها عن قضايا المرأة والظلم الذي تتعرض له. تبرز حوماني في عملها موضوعات مثل التحديات التي تواجه المرأة في المجتمع، وتأثير هذه التحديات على تجربتها الإبداعية. نلاحظ أن حوماني تكتب قصيدة النثر، مما يمنحها حرية تعبيرية واسعة تتجاوز الأطر التقليدية للشعر. كما تسعى حوماني من خلال أعمالها إلى تقديم صورة دقيقة وواقعية للمرأة ومآسيها، وهو ما يظهر بوضوح في قصيدتها التي تعبر عن الرغبة في الهروب من الواقع المؤلم إلى عالم من الحرية والتعبير. تشدد حوماني على الصعوبات التي تواجه المرأة الشاعرة، حيث تتعرض للتمييز والاهتمام بجسدها أكثر من استماع الجمهور لعملها الأدبي.
تجذبنا لغة حوماني بعمقها وجمالها، حيث تسلط الضوء على الإحساس بالخيبة الذي يشعر به الإنسان نتيجة التحديات التي يواجهها في حياته. نصوصها تعبر عن مشاعر قوية من الإحباط والألم، لكنها تحمل أيضًا صدى الأمل والتحدي. استعراضها للخيبة من العالم يلفت الانتباه إلى نقدها للأوضاع الاجتماعية والسياسية، ويعكس رؤية شعرية تتسم بالصدق والتزامها بالقضايا الإنسانية.
من خلال استخدام كلمات مثل "العبور بلا ضوء" و"سَرَادِيب خرقاء"، تنقل حوماني شعورًا بالتيه والبحث عن المعنى في عالم غير واضح. تأخذنا نصوصها إلى أعماق تجربة الشاعرة الشخصية، مما يخلق اتصالاً عاطفيًّا مع القارئ.
على الصعيد النفسي، تكشف قصائد حوماني عن الصراع الداخلي للشاعرة وتأملاتها في قضايا المرأة والمجتمع. يظهر في نصوصها إحساس عميق بالوحدة والانعزال، مما يعكس صراعها مع التحديات والخيبات. تعبيرها عن الألم من خلال لغة الشعر يبدو وكأنه عملية تطهيرية، حيث تستخدم الكتابة كوسيلة للتعامل مع مشاعر الحزن والمرارة.
كما تعكس قصائدها إحساسًا بالبحث المستمر عن الهوية والمعنى في عالم مليء بالظلم واللامبالاة. هذا البحث عن الذات والحرية يتجلى في رغبتها في العبور إلى "نور" يعبر عن التحقق الكامل والتحرر من القيود. أما من الناحية الشعرية، تميز حوماني بأسلوبها الفريد في قصيدة النثر، حيث تدمج بين عمق الفكرة وجماليات اللغة. تستفيد من تقنيات مثل الاستعارة والتشبيه لتقديم رؤى متعددة حول قضايا المرأة. تُعبر ببلاغة عن تعقيدات المشاعر الإنسانية، وتستخدم لغة شعرية تمزج بين النغمية والواقعية، مما يضيف بعدًا جماليًّا لنصوصها.
تشكل الأجواء التي تخلقها حوماني في قصائدها تجربة قراءة تأملية، حيث تندمج الفكرة بالأسلوب في تكوين صورة شعرية متكاملة. عبر استخدام تعبيرات قادرة على إحداث صدى عاطفي، تنجح حوماني في تقديم رؤية شعرية متعمقة تتناول قضايا معاصرة ومؤثرة.
تمتاز أعمال دارين حوماني بقدرتها على التعبير عن تجارب المرأة وقضاياها بشكل شاعري عميق. تعكس قصائدها الإحساس بالخيبة والتحديات، وتوفر رؤى إنسانية غنية تنطوي على تفاعل قوي بين الشكل والمضمون. من خلال استخدام أسلوبها المميز في قصيدة النثر، تقدم حوماني نصوصًا تعبر عن الصراعات الداخلية والأمل في عالم مليء بالتحديات.
dohamol67@gmail.com