الفنان التشكيلي مصطفى عبيد للواء: " لوحتي من قصص القرآن الكريم وبالتحديد طير إبراهيم"

حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل

يميل الفنان التشكيلي مصطفى عبيد إلى ترك بصمة بصرية تحاكي الأجيال في تقنياتها المختلفة المتأثرة بالعديد من المدارس الفنية. إذ تبرز حركة اللون في لوحاته كلغة مرئية لها سماتها الانطباعية المتميزة بحوارها الشمولي ودقة تعبيرها المتوازن مع الأشكال وبجمالية خاصة. وهذا الحوار معه هو لاستكمال المعرفة به كفنان تشكيلي وبلوحاته المميزة.

- تهتم بتقنيات الفن، هل هذا يقيدك فنياً في اللوحة؟

على كل فنان أن يلم بكل تقنيات الفن أو أغلبها، ذلك يساعده في العملية الإبداعية فيطلق عنان موهبته في التعبير الفني عن مختلف القضايا والاتجاهات الفنية، ولا يكون هناك عائق تقني للوصول إلى فكرته. فمعظم الفنانين العالميين، وخاصة الحديثين منهم، تعاملوا مع مختلف التقنيات الفنية. فإذا أخذنا على سبيل المثال الفنان العالمي بابلو بيكاسو لرأينا عدة أعمال فنية بتقنيات مختلفة من ألوان زيتية وألوان مائية ونحت ومواد أخرى... والمعرفة والإلمام بتقنيات الفن حسب رأيي تجعل الآفاق الإبداعية لدى الفنان أكثر يسراً وأكثر تنوعاً، طبعاً مع المحافظة على أسلوبه الفني، لأنه مهما اختلفت التقنيات التي يعالج بها الفنان عمله، يبقى أسلوبه الفني واحداً، والمتذوق الفني يستطيع معرفة عمل الفنان من أسلوبه في الرسم وليس من استعمالاته المتنوعة للتقنيات الفنية.

- النحو الوظيفي للفن يختلف عن اللغة الفنية المرنة والمعاصرة، هل هذا صحيح؟

أنا أختلف مع حضرتك في هذا التعبير، فكل عمل فني هو لغة تشكيلية للتعبير عن فكرة معينة، ربما تكون تجريدية أو رؤيوية مادية. وفي كلتا الحالتين هي جمالية نفعية ذات صفة وظيفية يتلقفها المتلقي إما يقبلها أو يرفضها. فالفنان الذي يرسم من أجل الفن للفن يكون عمله ذا صبغة وظيفية إبداعية، الهدف منها إقناع متذوقي الفن أن يستمتعوا بما حققه من إبداعات في هذا المجال. والفنان الذي يرسم من أجل قضية ما، فهو يوظف كل إمكانياته ليوصل فكرته إلى المشاهد ليؤثر به وليقنعه بما يثور في خاطره من ثورة على الواقع. فجداريات المكسيك في أوائل القرن العشرين خير شاهد على ذلك، وكذلك أعمال المدرسة الدادائية إبان الحرب العالمية الثانية وجداريات الغرافيتي التي سادت في الولايات المتحدة الأمريكية انتقاداً للتمييز العنصري، كلها شواهد على أن العمل الفني هو لغة فنية في خدمة وظيفة ما (الفن).

- الفنان مصطفى عبيد وترجمة لونية لقصة اجتماعية، ما رأيك؟

أحياناً يعود الفنان إلى التاريخ أو التراث ليروي من خلال التشكيل حادثةً أو أسطورة تنطبق على الواقع الذي يعيشه، فيعيد صياغته بأسلوبه التشكيلي ليقدم من خلاله مغزىً أو انتقاداً للمجتمع. وأحياناً يعيش الفنان هذه الحالة الاجتماعية فينقلها بأسلوبه الخاص. نعطي مثلاً لوحة "الغرنيكا" لبيكاسو. فأنا عندما أردت التعبير عن تمنياتي ورجائي بأن يعود الوطن موحداً عندما تقطعت أوصاله أثناء الحرب الأهلية، استعرت لبناء لوحتي من قصص القرآن الكريم، وبالتحديد طير إبراهيم الذي قطع أوصاله وطلب من ربه أن يعيده كما كان. أنجزت لوحة تسجيلية تعبيرية بعنوان "حكاية وطن ومأساة شعب"، وهي عبارة عن فصول الحرب الأهلية اللبنانية. وهذه اللوحة هي ترجمة بواسطة اللون والشكل تعبر عن حالة اجتماعية. فالفنان، شئنا أم أبينا، مرتبط بمجتمعه وبواقعه، ولا بد أن تأتي أعماله ترجمة لهذا الواقع.

- ألوانك المفضلة وشيفرة اللوحة، هل تتجاوز بهما حدود البنى التشكيلية؟

عندما تدفعني هواجسي للتعبير عن فكرة ما لتجسيدها في عمل فني، أترك جسدي خارجاً وأكون في حالة من اللاوعي، حيث تحركني الصورة الارتسامية المطبوعة في مخيلتي وما تحتويه من أشكال وألوان، فأبدأ بعملية التنفيذ مستخدماً التقنية والخامة المناسبة. وعندما أنتهي من العمل، أستيقظ من حالة اللاوعي لأرى ما تحقق، وأحياناً كثيرة أنسى كيف بدأ العمل وكيف انتهى. أسرد ذلك لأؤكد أن ألواني المفضلة في حالة الوعي ليست بالضرورة مرافقة في حالة اللاوعي. فالبنية التشكيلية للعمل الفني تخضع للفكرة أو المعاناة أو الهاجس الذي أدى إلى ولادة العمل الفني. كما أن البنية التشكيلية لكل عمل فني هي واحدة من حيث التوازن اللوني والتوازن الكتلوي.

- تفرض نمطاً معيناً على لوحاتك، فما هي نوازع الحركة التي تؤمن بها في الفن؟

كل فنان مبدع وأصيل لديه أسلوبه الخاص ضمن الحركة التشكيلية الفنية، ويعرف الفنان من خلال أسلوبه وليس من خلال توقيعه. لأن كل الفنانين الذين وضعوا بصماتهم على الحركة التشكيلية نعرفهم من أسلوبهم الخاص، من هنا أهمية أن يصل الفنان المبدع إلى أسلوب معين يطبع به شخصيته الفنية. فكل الذين يطلعون على أعمالي الفنية يعرفونها من خلال أسلوبي الفني الذي يعتمد على التجريد التعبيري المتدرج من المدرسة الانطباعية، ومستخدماً في الوقت ذاته رمزاً تجريدياً للإنسان الذي يلازم تقريباً كل أعمالي الفنية ويؤانسها. وأستطيع اختصار أعمالي الفنية بأنها جميعاً ترتبط بعلاقة الإنسان بالطبيعة والطبيعة بالإنسان وانعكاسهما على الواقع.

- من هو مصطفى عبيد، وماذا يقول لجيل جديد ولطلابه في الجامعة؟

أستاذ في الجامعة اللبنانية معهد الفنون الجميلة وفي جامعة البلمند، حائز على ماجستير في الفنون التشكيلية تخصص فن الجداريات، كما أنني منسق الفنون التشكيلية في المدارس الرسمية. وأقول للجيل الجديد ولطلابي الجامعيين: كلما ازداد الفنان ثقافة، كلما ازداد إبداعه الفني، على أن لا ينسى تراثه الفني والرموز التي خلفها هذا التراث، فهي تفيده في إبداعاته حيث يستقي منها ويعكسها على الواقع الذي يعيشه، فيكون عمله الفني أكثر غنى وعمقاً وأصالة.

Doha El Mol

في الحوار معه نكتشف أن في العمل الفني التشكيلي، تعد الفكرة أو الموضوع جوهرية لفهم الرسالة التي يسعى الفنان لإيصالها. يُعتبر الموضوع الأساس الذي يتجسد من خلاله الإبداع الفني. على سبيل المثال، إذا كان العمل يتناول قصة تاريخية أو اجتماعية، فإن كيفية تجسيد هذا الموضوع تنعكس بشكل مباشر على التفاعل البصري مع العمل. يلعب اختيار الموضوع دوراً كبيراً في تحديد الإطار الذي يتفاعل ضمنه المتلقي مع العمل. يجب أن يكون للموضوع تبريره الإبداعي وأن يعكس علاقة قوية بين الفنان وتجربته الشخصية أو رؤيته للعالم.

الرؤية أو الخطفة الأولى في الفن هي الاستجابة الأولى التي يتلقاها المتلقي عند مشاهدة العمل. يتضمن هذا البُعد كيفية تأثر المتلقي بالألوان، والتكوين، والتفاصيل، والنمط الفني. الألوان غالباً ما تلعب دوراً محورياً في خلق الانطباع الأولي، حيث تعكس مشاعر وأحاسيس الفنان وتخلق تجربة بصرية غنية. على سبيل المثال، الألوان الزاهية قد تعكس التفاؤل والحيوية، بينما الألوان الداكنة قد تعبر عن الحزن أو الغموض. التكوين والتفاصيل الصغيرة أيضاً تساهم في تحديد الانطباع العام للعمل، سواء كان متوازناً، فوضوياً، أو متشابكاً. فالأعمال الفنية لها القدرة على إثارة مشاعر عميقة وتفكير فلسفي لدى المتلقي. يساهم التحليل النفسي للعمل الفني في الكشف عن الحالة العاطفية والنفسية التي يعبر عنها الفنان. يشمل ذلك دراسة كيف تؤثر الألوان، الأشكال، والتقنيات على الحالة المزاجية والانفعالات. على سبيل المثال، قد يكون استخدام الألوان الدافئة في العمل الفني مصدراً للراحة والطمأنينة، بينما الألوان الباردة قد تثير الشعور بالبرودة أو الانعزال. الأسلوب الفني والتقنيات المستخدمة في العمل يمكن أن تعكس أيضاً الحالة النفسية للفنان وتأثيرها على المتلقي.

الجمالية في العمل الفني تتعلق بتقدير الأشكال، الألوان، والتكوينات من الناحية البصرية والفنية. يشمل هذا البُعد توازن العناصر الفنية والتناسق بين الألوان والأشكال، والتقنيات المستخدمة. الجمالية ليست فقط في مدى جمال العمل من الناحية التقليدية، ولكن أيضاً في كيفية تفاعل العناصر المختلفة بشكل يخلق تجربة بصرية وذهنية متكاملة. مثلاً، التباين بين الألوان يمكن أن يخلق دراماتيكية، بينما التكرار في الأشكال قد يعزز من الإيقاع البصري. فالجمالية التشكيلية هي دائماً متعددة الجوانب، حيث تتفاعل الأبعاد الفنية المختلفة لتكوين تجربة فنية شاملة. يُمكن تحليل العمل من خلال النظر في تكامله بين العناصر المختلفة مثل النص، الصورة، والتقنية. التفاعل بين هذه العناصر يساهم في خلق جمالية تعكس التوجه الفني للفنان ورؤيته الفريدة.

روية الفنان مصطفى عبيد التشكيلية تمثل تجربة بصرية ونفسية متكاملة يتفاعل معها المتلقي على مستويات متعددة. من خلال التحليل الموضوعي الانطباعي النفسي، يمكننا فهم كيفية تأثير الموضوع والأسلوب والألوان والتقنيات على إدراك العمل الفني وتجربة المتلقي. يجسد العمل الفني الجمالية من خلال تفاعل معقد بين جميع هذه العناصر، مما يخلق تجربة فنية تتجاوز الحدود التقليدية وتفتح آفاقاً جديدة للتفكير والشعور.

dohamol67@gmail.com