المخرج العراقي حسن حسني : " تطور فن الإخراج في الدراما العربية وبات يقترب من فن السينما".
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل، لبنان
يتابع المخرج حسن حسني مسيرته الإخراجية بتأنٍ في اختيار النصوص التي تتناسب مع تطلعاته الفنية الهادفة إلى إغناء الساحة العراقية بمواضيع تحتاجها درامياً. ومن خلال عمله الدؤوب طيلة السنوات، ضمن معايير إخراجية تميز بها في كل أعماله الإخراجية، نُجري هذا الحوار معه لنستقرأ تفاصيل رحلته الفنية.
- من "الأماني الضالة" إلى "بقايا حب": ما هي الصعوبات التي ذللها الممثل والمخرج العراقي حسن حسني؟
أي، منذ عام 1988 لغاية 2011، ولا أدري لماذا أُهملت السنوات التي سبقت تلك التواريخ في هذا السؤال! هناك عناوين لأعمال مهمة منها "عنفوان الأشياء"، و"الفرج بعد الشدة"، و"حلب حبيبتي". وبين التاريخين المذكورين "ذئاب الليل"، و"مواسم الحب"، و"بيت الحبايب"، و"إعلان حالة حب"، و"آخر الملوك"، و"الثانية بعد الظهر"، و"في الأردن تحت السماء الزرقاء"، و"حكيات من التراث"، و"شمس البوادي". وفي السعودية: "القطيعة"، و"خلك معي"، و"السحارة"، و"بتشوفون شي"، و"مجاديف الأمل". وبعد "بقايا حب"، كان من المسلسلات التي تتحدث عن زواجي المتعة والمسيار.
مررت كمخرج بمراحل متعددة منها مرحلة الأسود والأبيض من عام 72 وحتى نهاية عام 76، وما قدمته فيها من أعمال درامية تركت حينها أثراً فنياً يُشار له بالبنان. ثم مرحلة الأعمال التي تحمل نصوصاً من الأدب العالمي وأخرى من صميم المجتمع العراقي، وبعدها تأتي بداية الألوان وتأثير بهرجتها على أنفسنا وفننا وكيف حسب للون فيها حساباً. وكيف استُغلت أيضاً وقتها عربة النقل الخارجي الخاصة بنقل كرة القدم ومراسيم استقبال السياسيين والاحتفالات لتتحول إلى وحدة تصوير درامية أيضاً. أي، دخل التصوير الخارجي من خلالها بعد ضعف تأثير التصوير السينمائي في الدراما ورداءة الصوت أيضاً. ولم تكن هناك صعوبات بمعنى الكلمة، وإنما وللتاريخ كنا نعرف وعي الرقيب حينها، فكنا نتحاشاه بطرق مختلفة ومررنا أفكارنا غير المرغوب فيها من خلال أعمالنا إلى الجمهور الذي هو هدفنا وهدف رسائلنا الإنسانية.
- "آخر الملوك" و"رجال وقضية" وعناوين توحي بالكثير: متى ترفض النص الدرامي؟
النص لا يُقدّم كنص متكامل حتى أرضى به أو أرفضه. وإنما، وأغلب الأعمال، هي فكرة تقدم من قبل الكاتب أو من خلالي، أتبناها ونعرضها للجهة المنتجة أو الجهة المنتجة تقترح فكرة ونصوغها كنص درامي. الكاتب وأنا كمخرج نضل في ورشتنا فترة من الزمن ليتمخض من خلالها النص بصورته الأخيرة وأقوم بإخراجه. والرفض يحصل عندما، وهذا حصل بالفعل، لا يستفزني نص أو فكرة لأقدم له زمناً من عمري المتبقي وأخوض فيه، وهو لا يحمل أفكاراً تتماشى مع الظروف التي تحفر الألم وتكبر وتعمق جراح مجتمعي. والخوض في ظلم الماضي متحاشياً ظلم اليوم. التوازن مهم جداً لنقف عند الحقيقة التي يريد دثرها من يريد من جهات منتجة.
- موضوع درامي: متى تضعه ضمن الأهمية القصوى؟
الوضع الساخن في بلدي يحتاج إلى فن واعٍ يدركه من يتربع على عرش السلطة، أو بالأحرى من يتربع على العرش. موضوع الطائفية المقيت يحتاج إلى كم هائل من الأعمال الدرامية لنوصل مخاطره المستقبلية إلى المجتمع، ذلك التعصب المذهبي الذي أوصل الإرهاب إلى أبواب بيوتنا ولامس عقول شبابنا المظلومين. وغياب الديمقراطية من المواضيع التي يجب الخوض فيها وطرحها بأعمال درامية، ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن!
- الفن تحرر ورؤية ورسالة وتحديات زمن: ماذا يعني لك هذا؟
الحرية من كل القيود، وكل يعبر بما يمليه وعيه وضميره ووطنيته وإخلاصه لبلده، لا لفئة سياسية أو دينية أو إقليمية أو دولية. الفن والحرية أساس بناء الفن الأصيل يدفعهما لتحقيق الرسالة الإنسانية من يمتلك رأس المال. وهنا تكمن العبرات: رأس المال بيد من؟ وماذا يريد صاحبه؟ وكيف نتسلل من بين أجنحته لتقديم رسالتنا الإنسانية، تلك هي المعضلة. الفن الدرامي ليس فناً فردياً وإنما جماعياً ولا يقوم إلا بالمال. إذا بقينا نجهل أهدافه ومراده، سنصبح أداة للتخريب لا للبناء. إذا لم تكن تلك اليد نزيهة شريفة محبة ووفية لمجتمعها، نكون قاب قوسين أو أدنى من عملية فساد للذوق والأفكار، ونكون وسيلة خبيثة لقتل كل ما هو جميل، فقط نملي الوقت ونسلي الآخرين.
- ما هي القضية التي تحملها على أكتاف الفن، وما الذي تستنبطه في أعمالك؟
توضيح الصورة من ضبابيتها وتنقية الصوت من وشوشته، والصدق عنوان الفن الذي نخوض غماره. في الوقت الحالي، فضح المخربين من العاملين في السلطة هو أساس القضية وكشف نواياهم. نعم، هذا عمل البرامج وشغل المحللين، ولكن الدراما هي الأقرب إلى الحقيقة، فهي تدخل بصدقها مشاعر وعقل ووجدان الآخرين. التحريض مطلوب إذا كان التحريض من أجل إحقاق الحق. نحن الآن في دوامة تبقى تدور وتدور، وإذا بقيت هكذا، فسيصبح مجتمعي تحت رحمة المخربين، الفساد، اللصوص أصحاب البطون المنتفخة المغلفة بثياب ملونة. أعمالي تحمل في طياتها صرخات واستغاثات من الشعب إلى الشعب، صرخات تحذير من التخدير والكذب المفتري، صرخات للاستيقاظ من النوم وحالات التخدير.
- الإخراج في الوطن العربي متنوع: ما رأيك به؟ وما رأيك بفن الإخراج عموماً ومتى تبتعد عن التمثيل والإخراج؟
تطور الإخراج في الدراما العربية واقترب من فن السينما، وراح خيال المخرج يسوح بعوالم لم يكن سابقاً أن يجول بها. وقد يكون من وراء ذلك هي القنوات الأكثر مشاهدة، فتُبذل الأموال الطائلة من أجل رفد العمل الدرامي بعناصر الشد والمتابعة لأكثر مشاهدة من قبل الجمهور، فتُبذل الأموال لكسب الأموال مضاعفة في نفس الوقت. وهي نفس التجربة السينمائية الهوليوودية؛ هناك المكسب المادي. فالإعلان التجاري في القنوات المنتجة الكبيرة خلف دراما كبيرة وتجارب الآخرين راحت تتطور لأن التقنيات الحديثة أصبحت متاحة للمخرجين. أما التمثيل، فأنا بعيد عنه، أو بالأحرى لم تأتِ الفرصة المناسبة لإبراز قدراتي وخبرتي. ومشاهداتي المتواضعة للسينما الأمريكية، التي هي سلوتي في زمني المتبقي من عمري، بعيد عنها كمخرج إذا لم يقع بين يدي نص متميز يحمل هموم مجتمعنا، لأنها همومي أيضاً. فأنا واحد أو جزء من مجتمعي، وأن تتبناه جهة إنتاجية متفهمة لذلك النص لخدمته بكل أمانة وإخلاص.
- كيف يختار المخرج حسن حسني النص الدرامي؟ وما هي تأثيرات النص عند اختيار الممثل؟
الفكرة الإنسانية أو أي فكرة ربما الجدلية التي يغلفها المتحكمون بأغلفة متنوعة والتي يمكن لي ولنا فك تلك الأغلفة بشكل نزيه وبضمير حي ووطني، تستهويني. أحاول مع الكاتب أن نتشارك في الوصول إلى محاور وخطوط لإيصالها للمتلقي. ولكن أعود وأقول: من يتبنى أفكاراً غير مؤدلجة في هذا الزمن الذي طغت فيه قوة الجهة المنتجة؟ شخصيات النص، بناؤها وعمق الغور في مكنوناتها الإنسانية والفكرية، والتركيبة النهائية لشكلها الخارجي، تسيرني للبحث بين الممثلين المعروفين ومعرفة قدراتهم للتجسيد. عندها يكون الاختيار سهلاً.
- ما رأيك بالسينما العراقية وأين أنت منها؟
السينما العراقية لا زالت تراوح مكانها، مع الأسف. أما التجارب الأخيرة، والتي تجاوزت العشرين فيلماً، فقد أفرزت بعض الأعمال أغلبها دون المستوى، وفيلمان أو ثلاثة يقال عنهم يشكلون نواة للسينما العراقية بثوبها الجديد. وشاركت في بعض المهرجانات العربية، ولا ننسى أن جميع الأفلام انتُجت والعراق بلا دور عرض سينمائية، أغلبها تحولت إلى مخازن تجمع فيها البضائع، والأخرى أُهملت. وكوني بعيد عن الوطن، لكني أسمع فقط ولا أرى تلك التجارب مع الأسف. أما أين أنا منها؟ فقد قدمت نصاً سينمائياً وأُجيز من لجنة فحص النصوص ثم أُجهض، وبقيت الأفلام التي قدمت ومن ضمنها فيلمي على الرفوف. يبدو أن تجارب العشرين فيلماً، والتي أغلبها لم يكن بالمستوى المطلوب، لاقت ردة فعل سلبية لانتاج الأفلام المقترحة ومن ضمنها فيلمي.
- لكل بلد عربي ميزته الدرامية: ما هي ميزة الدراما العراقية وأين لبنان منها؟
لكل دراما نكهتها وميزتها، وأحياناً ومن خلال المشاهدة، حتى لو رفعنا تتراتها وأسماء مخرجيها، سنتعرف على الكثير منها من خلال أسلوبها وأيضاً ممثليها. الدراما العراقية، وبسبب عدم تسويقها، بقيت محبوسة في قنواتها، لأننا سواء رضينا أم لم نرضَ، القنوات العراقية غير مشاهدة عربياً. والأعمال العربية تعرض على عدد كبير من القنوات العربية والعراقية أيضاً. فكبرت تلك الأعمال العربية وأخذت مكانها وتطورت بفعل الشركات والقنوات المهتمة بالدراما، وبقيت درامتنا العراقية محبوسة كما ذكرت. ورغم ذلك، فغالبية الدراما العراقية تأخذ منحى أسلوب السهل الممتنع، البساطة في كتابة النص وبساطة في التنفيذ. وطغت، وبسبب الميزانيات الضعيفة أو المقرمطة من قبل المنتجين المنفذين، وقع الجميع في عملية الإنتاج السريع حتى تخفف التكاليف اليومية. فالتنافس الشريف انتهى دوره وأصبح المنتج السريع هو المفضل للشركة أو للأفراد المنتجين لحساب القنوات صاحبة المشروع. وآخر الأخبار توقف إنتاج الدراما في جميع القنوات العراقية هذا العام، باستثناء القناة الفضائية العراقية، وهي الأخرى تخضع الآن للتقشف وتقليل الميزانيات المتقشفة التي تصل إلى المنتج المنفذ. ولبنان بعيد عنها إلا من خلال المحاولات النادرة جداً، ويرجع السبب الأول في تقديري إلى ضعف التمويل للإنتاج الدرامي.
- ألا تشعر أننا نفتقد للمنتج العربي الباحث عن العمل الجيد بعيداً عن التجارة الفنية؟
نعم، نفتقر إلى ذلك. المنتج الآن هو القناة الفضائية التي تحشد لإنتاجها المبالغ الفخمة من أجل الربح المادي من خلال الإعلان التجاري. المكسب المادي هو الأساس، وليس المادة الفنية، والرسالة الإنسانية هي بالمقام الأول. المنتج العربي، عندما يكون فرداً، يشعر بالخوف والرعب من خوض تجربة الإنتاج الخاص، لأنه منتجه سيخضع للدراسة والتمحيص، وعلامات الاستفهام ستكون كثيرة من قبل القناة التي ستشتري وتعرض إنتاجه كما تريد سياساتها.
- ما رأيك بالدراما اللبنانية اليوم في انطلاقاتها التي تتصاعد بأسلوب مثير للاهتمام؟
صحت الدراما اللبنانية وتفهمت الواقع الدرامي التي كانت فيه، ووقفت بكل جدارة وقوة لتواكب الدراما العربية. ومستقبلها كبير وستنافس الدراما العربية في السنوات القريبة القادمة، وأنا على يقين من ذلك.
Doha El Mol
من خلال الحوار، يمكن استشعار التقدير العميق الذي يكنه حسن حسني لفن الإخراج والدراما. يظهر المخرج شغفًا واضحًا بمسيرته الفنية واهتمامه بالتفاصيل الدقيقة في كل عمل درامي. يُلاحظ تباين كبير بين مرحلة وأخرى من مراحل تطوره الإبداعي، مما يعكس نضوجًا وتطورًا مستمرين في فنه. تنبثق في حديثه مشاعر التحدي والإصرار على تقديم أعمال ذات جودة عالية رغم الصعوبات التي واجهها، سواء كانت مادية أو رقابية. كما يعكس حسني بوضوح مراحل تطور فن الإخراج من الأبيض والأسود إلى الألوان، وكيف أثر ذلك على تقنيات التصوير والدراما بشكل عام. هناك إشارة قوية إلى كيفية تأثير التقنيات الحديثة على الأعمال الدرامية، مثل استخدام عربات النقل الخارجي لوحدة تصوير درامية.
يُسلط الضوء على التحديات التي واجهها، بما في ذلك القيود الرقابية وضعف الإمكانيات، وكيف تمكن من تخطيها بطرق إبداعية. يوضح حسني أيضًا الصعوبات المتعلقة بتسويق الدراما العراقية وتفاوت جودة الأعمال الدرامية في السياق العربي.
يتناول كيفية اختياره للنصوص الدرامية وتأثيرها على عملية الإخراج، مُبديًا اهتمامه بالمحتوى الذي يعالج قضايا اجتماعية وإنسانية هامة. يُظهر المخرج أهمية التوازن بين تقديم رسائل اجتماعية وفنية بدون التنازل عن الجودة الفنية.
يظهر حسني التزامًا عميقًا بفنه، مع إصرار على تقديم أعمال تعكس هموم المجتمع وقضايا إنسانية. هذا الالتزام يعكس شغفًا حقيقيًا ورغبة في التأثير الإيجابي من خلال أعماله .إذ يعكس حديثه عن الصعوبات ومواجهة الرقابة شعورًا بالمرونة والقدرة على التكيف مع التحديات. يظهر حسني قوة داخلية وقدرة على إيجاد حلول مبتكرة للمشاكل التي تواجهه.
من حديثه، يمكن استشعار قلقه حيال الوضع الحالي للدراما العراقية وتحديات التسويق والتمويل. يشير هذا إلى إحباطه من ضعف دعم الإنتاج والظروف الصعبة التي قد تعرقل تطور الفنون.
يتميز حسني بقدرة على التكيف مع تطورات الفن والإخراج، مما يعكس مهارة عالية في دمج الأساليب القديمة والحديثة. يتضح من حديثه إلمامًا عميقًا بكل من تقنيات الإخراج التقليدية والحديثة، مما يعزز قدرة أعماله على جذب الجمهور وتلبية تطلعاته.
يُبرز حسني كيف يمكن للدراما أن تكون أداة قوية للتغيير الاجتماعي والتأثير على الوعي الجماهيري. تعكس أعماله اهتمامًا عميقًا بقضايا اجتماعية مثل الطائفية وغياب الديمقراطية، مما يعكس رغبة في إحداث تأثير إيجابي على المجتمع.
يكشف الحوار عن إبداع حسني في مواجهة التحديات والقيود، مما يعكس قدرة فنية على تجاوز العقبات وتحويلها إلى فرص. يعكس هذا الجانب من شخصيته قدرة على الإبداع تحت الضغط، وهي ميزة مهمة لأي فنان ناجح.
من خلال الحوار، يتضح أن حسن حسني هو مخرج ذو رؤية واضحة وشغف عميق بفنه. يتميز بقدرة على التأقلم مع التغيرات الفنية والتقنية، ويُظهر اهتمامًا كبيرًا بالقضايا الاجتماعية والإنسانية. ورغم الصعوبات التي واجهها، يظل مخلصًا لرؤيته الفنية ويواصل العمل بجد لتقديم أعمال تعكس جودة وعمق فنيين.
dohamol67@gmai.com