"الفنان غسان رفراف في حوار خاص ""العمل المسرحي الكوميدي هو القيام بالفعل وردة الفعل."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
يقوم الفنان "غسان رفراف" بلعبة فنية خاصة على مسرح يصنع على خشبته ضحكة تفاجئ الحضور بمرونتها وبساطتها المحاكية له بعفوية، ممثل لا يعتبر العرض المسرحي مجرد أداء، إنما لعبة كوميدية تتميز بألوان شتى من ضروب الحياة، مرتكزًا على البيئة وصدق الحدث الذي يرتبط مع الذاكرة الانفعالية. وهذا يقاس بمقاييس الضحكات التي يستطيع إثارتها الفنان "غسان رفراف" ليستفزها، فتخرج من النفس بوجدانية يقيم من خلالها مسرحيًا النواقص في النفس الإنسانية واحتياجها لضحكة تلامس الوجع الذي يعيشه بيئيًا، أو بالأحرى ترتبط بالمجتمع والزمان والمكان كدوره في مسرحية "داحس والغبراء" وعبر أدواره المسرحية الأخرى أيضًا. ضحكة لم تفارق الفنان "غسان رفراف" أثناء الحوار معه، فهو يعنّز أنه ابن مدينة طرابلس وأن البكاء لحظة الولادة هو فعل لا إرادي ينتهي بعدها لتبقى الضحكة هي من ترافق الإنسان طيلة العمر، وربما تلك الضحكة التي تخرج من قلب المأساة.
-غسان رفراف، كيف يصنع الضحكة؟
الضحكة هي فعلاً صناعة، هي استحضار من الإنسان نفسه، وهذا الاستحضار يتم من خلال الذاكرة الانفعالية، يعني أن نتذكر خبرية أو حدثًا ما يترابط مع الحدث المسرحي الذي نكون فيه، فنستحضره ونضعه ضمن المواقف، ويجب أن يكون ابن البيئة نفسها. أنا، مثلاً، ابن بيئة طرابلس وما أستحضره من ذاكرتي الانفعالية غالبًا هو وليد طفولتي وشبابي وحياتي في هذه المدينة أولاً.
- ماذا أضافت عليك طرابلس؟ كم مسرحية شاركت فيها وما هي المسرحية التي انطبعت في ذاكرة الممثل غسان رفراف؟
طرابلس كلها متغلغلة في "غسان رفراف" لأن طرابلس معجونة بي، والضحكة والدمعة والفرحة العامرة بالأحداث المنقوشة فيّ هي جزء من كل أبناء طرابلس أيضًا، وكل المسرحيات التي شاركت فيها هي من القلب وفي القلب، وما من مسرحية شاركت بها عبثًا، إنما بجدية لأنني حين أريد ترك انطباع مفرح عند الناس، يجب أن يكون الفعل صحيحًا ونابعًا من القلب، وإلا فلا تصل إلى الناس، وهذا يعني أن طرابلس المرحة فيّ.
- هل شاركت بأعمال تلفزيونية أو مسرحية خارج مدينة طرابلس؟
قمت بأدوار تمثيلية على شاشة التلفزيون منها مسلسل "اللعب ممنوع" مع المخرج "هشام شربتجي"، كان مع أبطال لبنانيين وأنا كنت أحد الأبطال، وهو مسلسل من ثلاثين حلقة، أما المسرح فأظن أكثر من خمسين مسرحية بين بيروت وطرابلس وحتى في الخارج.
- شاهدتك في فيلم قصير ضمن مهرجان طرابلس 2014 وهو بعنوان "عنزوف"، ما رأيك فيه؟
نعم، هو لصديقتنا المخرجة وكان مشروع تخرج، وأنا أحب المشاركة مع الأصدقاء، وهو فيلم قصير ولم أسأل عن الدور لأنه منوط بها، لكن هو دور فعلاً جميل ويلامس المسرح في كثير من تفاصيله، وسررت جدًا بالمشاركة في هذا العمل.
- ألا تتعبك الضحكة المستمرة على المسرح؟
أكيد تتعبني.. التعب الحقيقي هو في آخر المسرحية لأن العمل المسرحي الكوميدي هو القيام بالفعل وردة الفعل، والإنسان أن يقوم بالفعل ويصل إلى ردود الفعل هو أمر صعب، وعملي المسرحي هو من لب الحياة التي تعودت عليها وأحبها جدًا.
- أين يجد نفسه الفنان غسان رفراف في العمل المسرحي أو التلفزيوني أو الفيلم القصير؟
كل الأعمال حقيقة قمت بالأدوار الكوميدية فيها، لأنني لا أحب "الزعل"، لا أحب أن أرفض طلبًا تمثيليًا لأحد، لأنني بطبعي "ما بحب حدا يزعل مني" ولا أحب إزعاج أحد.
- هل بكيت على المسرح صدفة؟
ممنوع البكاء على المسرح.. بتصوري، يصبح غير مقبول، المفروض أن لا تكون حزينة الضحكة وإن كانت من قلب المأساة كما في مسرحية "داحس والغبراء"، لكن بكاء لا أو الألفاظ الجارحة للحياء لا أحبها على المسرح، حتى الألفاظ غير المقبولة لا أستعملها حتى بالضحكة لأن المسرح أعتبره رحلة للترفيه عن النفس كمشاهد، وإذا ضغطت على هذا المشاهد باستفزازي له بألفاظ تجرح مشاعره أو باستبدالي الضحكة ببكاء أو مسرحية بدون ضحكة، لماذا يأتي على المسرح؟
- متى تبكي في الحياة بشكل عام؟
لا أحب البكاء، ألا يكفي أن نستقبل الحياة ببكاء عند الولادة؟ استقبلتنا الأم بحنو ولمسة، وانتهى البكاء القسري عند الولادة، فلماذا أبكي؟
- ما رأيك بالأدوار الدرامية؟
الدراما عمل جميل، والممثل يقوم بمعظم الأدوار، ولكن عندما نختص بموضوع ما مثل الكوميدي أو التراجيدي، بالنسبة لي، عرفني المشاهد كممثل كوميدي، والقيام بدور درامي تراجيدي هو خيبة لهذا المشاهد الذي انتظر الضحكة من "غسان رفراف"، وأنا حين أرى المشاهد على المسرح ترتسم البسمة تلقائيًا على وجهه، فكيف أستطيع أن أتحمل خيبة أمله لي وفقدان هذه البسمة التي أراها على وجوه المشاهدين؟
- ما رأيك بالأنشطة المسرحية التي تقام على مسارح طرابلس؟
أنا أشجع كل الناس الذين يحاولون القيام بمسرحية، إن كانت قوية أو ضعيفة، أنا أشجع كل الناس وكل المحاولات، ربما إن فشلت مرة تنجح في المرة الأخرى وتكون جيدة، لأنها يمكن أن تتطور.
- هل من مخرج محدد تحب التعامل معه؟
المخرجون كلهم أحب التعامل معهم دون استثناء، شرط الالتزام بالحدود في العمل، يعني أن يعطي الممثل حقه في التمثيل لكي يعطي الممثل إحساسه بالكامل، أو يكون ناجحًا أو يكون فاشلًا. أما الارتجالي، أنا شخصيًا أقوم به أحيانًا ولكن ضمن ثقة المخرج ودون الخروج عن النص، لأن هذا غير مقبول.
- متى خاب ظنك بضحكة ما على المسرح؟
في الحقيقة لم تحدث أن قمت بمسرحية لم يضحك فيها الناس، ولكن أحيانًا ضحكة ما أتوقع أن تثير ردة الفعل عند الجمهور، ويحدث العكس في جملة أخرى، إذ تثير الضحك والتصفيق عند الجمهور، وهذا يعود أيضًا إلى نوعية الجمهور وتنوعه في كل عرض مسرحي، وأيضًا إلى أحاسيس الناس. على الممثل أن يقوم باتصال وجداني بشكل كبير بينه وبين الممثلين المشاركين والجمهور، والاتصال الوجداني يجب أن يكون مع الجمهور بالكامل. أنا شخصيًا لا أكتفي بالصف الأول من الحضور وجدانيًا، إنما الصف الأول مثل الأخير. حين أدخل إلى المسرح أشعر بإحساس لا يوصف فعلًا. ممكن إذا فنان ما قرأ هذه الكلمات التي أقولها، يدرك معنى كلامي، نحن في جسد واحد أثناء التمثيل. أنا أشعر كأني أتكلم مع ذاتي، وهي لحظة خاصة جدًا. فكيف إذا انتقلت هذه اللحظة بالذات من الخاص إلى العام؟ هذه كاريزما خاصة أو نزعة ربانية وضعها الله في الإنسان، والحمد لله، هذه نعمة.
- كيف تقييم أعمالك؟
كل ما قدمته حتى الآن هو أفكار، وكل فكرة لا تشبه الأخرى، والأفكار بشكل عام هي عظيمة، وأنا ما أعمل مع شخص يحكي حكاية عادية. أنا تعاملت مع مؤلفين وأدباء مثل "شربل نعيمي"، مثل أستاذ "عبدالناصر ياسين" الذي كتب "داحس والغبراء"، ولم يتوقع أحد أن تحمل في طياتها ضحكة، خصوصًا مع إنسان يريد تفجير نفسه، وكانت مفاجأة من أول العمل المسرحي حتى نهايته، وأنا شخصيًا لا أحب السياسة إنما النقد البناء.
- المسرح للمسرح أم لأنه رسالة؟
المسرح هو رسالة أو يظهرها الفنان للمسرح أو يخفيها عنه. هي رسالة أدبية ثقافية، وأنا متعلق بطرابلس، ميزتي المسرحية هي رسالة طرابلسية أولًا ومن ثم رسائل أخرى.
Doha El Mol
غسان رفراف، من خلال إجاباته، يظهر عميق الارتباط بمدينته طرابلس، حيث يعتبرها مصدرًا رئيسيًا للإلهام في مسيرته الفنية. تعبيره عن البيئة الطرابلسية كجزء لا يتجزأ من شخصيته يوضح كيف أن المحيط يمكن أن يشكل حياة الفنان وتفكيره. هذه العلاقة العاطفية مع المدينة تسهم في تقديم أداء صادق ومؤثر على خشبة المسرح. إذ يشير رفراف إلى أن الكوميديا ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أداة تعبير عن حالات إنسانية وبيئية عميقة. قدرته على إثارة الضحك من خلال أعماله تعكس مدى اتقانه لفن الكوميديا، ولكنه أيضًا يعبر عن رؤية أعمق في كيفية استخدام الكوميديا كمرآة تعكس الواقع والمشاعر الإنسانية.
من خلال حديثه عن تعب الأداء المستمر على المسرح، يظهر رفراف مدى التزامه بتقديم أفضل ما لديه للجمهور. التعب الجسدي والنفسي الذي يرافق الأداء الكوميدي يبرز التحديات التي يواجهها الفنان، مما يعكس تفانيه في عمله. هذا الالتزام لا يقتصر على الأداء فقط، بل يمتد إلى تقديم تجربة ترفيهية تعكس الأصالة والعاطفة.
تجربة غسان رفراف مع الجمهور تكشف عن عمق اتصال وجداني. هو لا يعتبر الجمهور مجرد متلقٍ، بل شريكًا في التجربة المسرحية. يتميز بأسلوبه في بناء علاقة تفاعلية مع الحضور، مما يعزز التجربة المسرحية ويجعلها أكثر تأثيرًا.
رفراف يظهر اعتزازًا بأدواره الكوميدية، لكنه أيضًا يعبر عن تردد في تجربة أدوار درامية. رغم ذلك، فإن اعتزازه بمسيرته الكوميدية يوضح مدى أهمية هذه الأدوار بالنسبة له. البسمة التي يقدمها للجمهور هي مصدر فخر له، والضحكة بالنسبة له ليست مجرد رد فعل، بل إنجاز يُشعره بالرضا.
يؤكد رفراف على أن المسرح بالنسبة له هو أكثر من مجرد فن، إنه وسيلة لنقل الرسائل الثقافية والاجتماعية. هذا الوعي بالمسؤولية التي يحملها الفنان يعكس احترامه للفن ودوره في المجتمع. المسرح، بالنسبة له، هو قناة للتعبير عن الهوية الطرابلسية وتقديم رسائل ذات مغزى.
يحمل الحوار بين طياته صورة متكاملة لشخصية الفنان غسان رفراف، التي تجسد التفاعل العميق بين الفنان وبيئته. التزامه بالكوميديا كوسيلة للتعبير عن الإنسانية، وتفانيه في تقديم أداء يعكس أصالة الشعور والطابع الطرابلسي، يجعل من تجربته الفنية نموذجًا ملهمًا. تعبيره عن الضحك كوسيلة للتواصل مع الجمهور وكجزء أساسي من حياته الفنية يعزز من قيمة ما يقدمه ويعكس تأثيره العميق في عالم المسرح.
dohamol67@gmail.com