الفنان العراقي علي آل تاجر للواء: "والرسم هو اللغة الوحيدة التي أظن أنني أجيد قواعدها."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
تتحد الألوان في أعمال الفنان العراقي علي آل تاجر مع المعاني التي يسبغها، نوعاً من التواصل المرتبط بالفهم الإيجابي والأكثر انسجاماً مع الأحداث من حولنا، بجمالية يحاكي بها المتلقي بصرياً، ليتشارك معه بعيداً عن الصراعات والانقسامات التي تؤدي إلى نزاع دائم حتى فكرياً أو حسياً. إذ يجمع الكثير من الإيحاءات في لوحة واحدة هي بمثابة لغة إنسانية شاملة، مما يعزز قيمة التواصل بينه وبين المتلقي واللوحة. ليضعنا أمام العلاقات الإنسانية والأسس التوافقية القائمة عليها. ومع الفنان العراقي علي آل تاجر، الذي أصدر الكثير من البحوث منها الأشكال الإنسانية والحيوانية المزينة لواجهات البيوت الشعبية في بغداد والموصل، وأيضاً الرؤية التشكيلية المعاصرة لملحمة الخلق البابلية، والكثير من الأبحاث والمعارض، أجرينا معه هذا الحوار.
- علي آل تاجر والبصمة الفنية القوية بصرياً من حيث التقاط مواضيع الساعة: هل تعتبر هذا هو دور الفنان الرئيسي؟
ربما يوفر "موضوع الساعة" فرصة لتجسيد فكرة "ذات علاقة" تجول في الخاطر يمكن أن تعلن، من خلاله، عن وجودها وتتفاعل مع المتلقي، وهذا لا يمثل بالضرورة دور الفنان الرئيسي، فالفن واسع ومتعدد الميادين.
- اللوحة العربية في عدة أزمات أصيبت بالواقع الافتراضي تسويقياً وبإغلاق المعارض بسبب كورونا. ألا تظن أن هذه أزمة كبيرة ستغربل الكثير من اللوحات؟
تأثير الوضع الراهن شمل جميع الأصعدة ومنها الفن، فالتباطؤ المفاجئ لزخم الحياة والتوجه المكثف نحو وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى نوع من الاتصال المباشر بين العمل الفني والمتلقي، وأيضاً نوع من الغربلة تحددها أولويات الجمهور بغض النظر عن القيمة الحقيقية للعمل الفني، وهنا يبرز دور المؤسسة الفنية المتخصصة التي لا يمكن الاستغناء عن معاييرها في مسك الدفة في الاتجاه الصحيح.
- تتميز ألوانك الداكنة أكثر. هل الحزن هو مصير اللوحة العراقية تحديداً؟ أم أنها تمثل أجزاء من الواقع عبر التشكيل؟
للبيئة التي أنتمي إليها، إضافة إلى الوضع الراهن، دور في اختيار اللون. ففي وسط وجنوب العراق، ولأسباب عدة، يميل الناس إلى المزاج الحزين والألوان الداكنة التي ميزت حتى ألوان الملابس الشخصية. لكنها في أعمالي لا تمثل صفة غالبة، وتبقى مسألة آنية مرتبطة بموضوع العمل.
- علي آل تاجر، النقد الفني يحتاج إلى رؤية جيومترية أو توازنية لتكون فعلاً كالميزان البصري جمالياً. ما رأيك؟
النقد يتطلب معرفة دقيقة في تفاصيل الفن، وشجاعة لا تقبل المساومة، يتوجها حس مرهف بمواطن الجمال أو على حد تعبير (ليو تولستوي): الناقد هو من "يفكر بقلبه".
- ما الذي يؤخر الفنان علي آل تاجر عن الرسم؟ وهل تعتقد أن الوطن العربي قد أبدع تشكيلياً في العصر الحديث؟
الرسم هو بستاني، أذهب إليه لأنفّس الهواء النقي، ولا شيء يؤخرني عن عالمي، فأنا أرسم في جميع حالاتي. والرسم هو اللغة الوحيدة التي أظن أنني أجيد قواعدها. في عصرنا الحديث، تنامى الإبداع بشكل مطرد، واليوم المنطقة تزخر بالمبدعين.
- تشير انعكاسات الألوان الداكنة إلى تأثير مزدوج مادي وعاطفي على تفكير المتأمل لأعمالك. هل تهدف إلى إظهار رغبة ما في التغيير عبر الفن؟
مجمل أعمالي تعبر عن رغبتي في التغيير، فمن غير المنطقي أن ننشأ وسط أحداث جسام دون أن يكون لنا مواقفنا وأحلامنا. ولا أظن أنني قد أبدو رومانسياً إذا رددت جانباً مما كتب (ديلاكروا) في رسالة لأخيه عن عمله "الحرية تقود الشعب" الذي باشر في إنجازه في خريف العام الذي اندلعت فيه أحداث الثورة ضد شارل العاشر: "فإذا لم أقاتل من أجل بلادي، سأرسم لأجلها على الأقل."
Doha El Mol
يشير علي آل تاجر إلى أن دور الفنان ليس محصوراً في تناول "مواضيع الساعة" فقط، بل إن الفن يمتد ليشمل مجالات متنوعة ومعقدة. المضي في التعبير عن الأفكار الشخصية والواقعية يمكن أن يكون بنفس الأهمية.
يوضح تاجر أن الأزمة التي سببتها جائحة كورونا قد أثرت على الفن كما على غيره من المجالات، حيث كانت هناك أزمة في تسويق الأعمال وإغلاق المعارض. لكن هذه الأزمة أتاحت أيضاً فرصة للتواصل المباشر بين العمل الفني والمتلقي عبر الوسائط الرقمية. إذ يشير تاجر إلى أن استخدام الألوان الداكنة في أعماله يعكس البيئة والمزاج السائد في وسط وجنوب العراق، لكنه يوضح أن هذا ليس سمة ثابتة بل مرتبط بالموضوع المطروح في كل عمل. كما يعتبر تاجر أن النقد الفني يتطلب معرفة دقيقة وشجاعة، وأن الناقد يجب أن يتمتع بحس مرهف لتقييم الجمال. يقتبس رأي ليو تولستوي الذي يشير إلى أن الناقد هو من "يفكر بقلبه". يوضح تاجر أن الرسم هو جزء أساسي من حياته، وهو لا يتأخر عن ممارسته. يشعر أن الرسم هو اللغة التي يجيد قواعدها ويعبر بها عن نفسه. ويعتقد تاجر أن الإبداع الفني في الوطن العربي في العصر الحديث قد نَمَا بشكل ملحوظ، وأن المنطقة اليوم تزخر بالمبدعين في مجال الفن التشكيلي.
يشير تاجر إلى أن أعماله تعكس رغبته في التغيير، وهو يرى أن الفن وسيلة للتعبير عن المواقف والأحلام تجاه التحديات التي يواجهها المجتمع. يقتبس رسالة من الفنان ديلاكروا التي تتحدث عن التعبير من خلال الفن كوسيلة لمواجهة القضايا الكبيرة.
تلك النقاط تعكس تأملات تاجر العميقة حول الفن وتعبيره عن الواقع والتحديات، وتبرز كيف أن الفن يمكن أن يكون أداة قوية للتعبير والتغيير.
dohamol67@gmail.com