الفنان التشكيلي ثائر معروف للواء: "كانت دمشق قبل الثورة مشروع انفتاح جيد للفنان السوري"

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

تتميز لوحات الفنان "ثائر معروف" بلغة فنية تشكيلية مبطنة بالتعبير عن رمزية الواقع الذي يصوره تبعًا لمخزونه الداخلي وميوله النفسية المرتبطة بالصلة أو بكل ما هو موصول بالإنسان وصراعه السلطوي المعقد في رؤياه، وفي فرحه، حزنه، حروبه، موته، ولادته، وجوده، وعبثيته التي تأخذ الظل نحو جوانب عديدة تتمثل في أبعاد الألوان الداكنة ورمزيتها في المعنى الذي يسبكه مع المعاجين وسماكتها، والتعتيق الذي يوحي بقدرة المكان على حفظ معالم الإنسان ووجوده حتى ضمن الخربشات التي يلجأ إليها في ساعة صمت أو هروب. تتجسد برسومات ذات معانٍ فلسفية تأخذنا نحو تساؤلات الحياة التي يتصارع فيها الخير والشر. كما تتصارع ألوان اللوحة مع الفراغات والعناصر الفنية الأخرى في أعمال الفنان "ثائر معروف" التي تحظى برسالة تشكيلية نقدية للحروب ولغة العنف التي بات يتقنها الإنسان، ومعه أجرينا هذا الحوار:

- ثائر معروف والألوان الشفافة: ما أهميتها بالنسبة لك؟

الألوان الشفافة هي الطريق نحو تكريس والاحتفاء باللون المفضل للرسام، يعني بيئة حاضنة.

- سريالية الشكل الإنساني وواقعيته في لوحاتك: ما أهميته بالنسبة لك؟

الشكل الإنساني يكون حاضراً لتأكيد مفهوم هو أكبر من القيمة الفردية للعنصر أو للتعبير عن مفهوم أبعد، أي كأن نقول بأن الإنسان هو البشرية جمعاء.

- تقنية اللوحة ورمزيتها لها أسلوبها الخاص: ماذا تخبرنا عن مراحل ولادتها؟

اللوحة من المرحلة التعبيرية فيها إحساس البداية، أي إحساس الخط والكتلة والتكوين المرتكز على نقاط القوة، ولها مدلول إنساني عن الموت الرحيم، أي الزمن الفاصل بين الحياة والموت.

- الثورة السورية ومدى تأثيرك بها كفنان تشكيلي: وأي لون تختاره لها؟

سبق وأن أقمت عدة معارض في لبنان وخارجها تتحدث عن حالة الحرب وعن السخرية من الحرب كأمر واقع. وقد كانت أعمالي دائمًا تتحدث عن الإنسان ومعاناته التي تكبر مع تعاظم ووحشية الدول الكبرى في صناعة الحروب، والحلول الغبية كالتهجير والمخيمات والأوطان البديلة.

- لون واحد تختاره للثورة السورية؟

ليس هناك لون واحد؛ النسيج السوري متعدد الأطياف، وهذا ما نسعى إلى تكريسه: التعددية والانفتاح وقبول الآخر.

- نجح الفنان التشكيلي السوري ببسط سلطته على الساحة اللبنانية، هل برهن عن جودة فنه أم عن حاجته لساحة تشكيلية مفتوحة بلا حدود؟

كانت دمشق قبل الثورة مشروع انفتاح جيد للفنان السوري، وكانت بيروت متنفسًا لانفتاح من نوع آخر. ولا شك بأن أهم الفنانين على مر العصور والذين يحملون مسؤولية الفن هم الفنانون الوافدون لأنهم يحركون بشكل أو بآخر الساكن في الوسط الفني ويمتهنون الفن كطريقة حياة. لذلك، أنا لا أعتقد بأن الفنانين السوريين قد تزاحموا مع اللبنانيين على مكانة، بل وجدوا مكانهم، وهذا أيضًا حسن مسار اللوحة في لبنان.

- تنافس اللوحة السورية لوحات كثيرة، لكنها لم تصل إلى الثراء التشكيلي إلا من خلال بعض الأسماء السورية فقط: ما رأيك؟

من الطبيعي أن يكون هناك تفاوت في قيمة ما يطرح من أعمال الفنانين السوريين.

- ثائر معروف لمن يقرأ؟ ماذا يسمع؟ ومتى يصمت فيرسم؟

أنا أسمع الموسيقى الجيدة، أي أنا منفتح للتعرف على مختلف الثقافات، وأبحث عن الخفي وغير الشعبي دائمًا، وأقرأ الفلسفة والشعر، واستمع دائمًا لنصائح أصدقائي في هذا المجال.

- كلمة أخيرة من ثائر معروف إلى تلاميذه؟

الفن ليس فيه أستاذ وتلميذ، إنه حالة من التجلي والخبرة المتراكمة مع أهمية الموهبة التي لا تعرف زمانًا ولا مكانًا.

Doha El Mol

تأخذنا أعمال الفنان التشكيلي ثائر معروف في رحلة عميقة في أعماق الذات الإنسانية والتعبير عن الصراعات الداخلية والخارجية. أسلوبه الفني المميز يتسم بالاندماج بين السريالية والواقعية، حيث يشكل الإنسان بطرق تتجاوز القيم الفردية، لتصل إلى تصويره كرمز للبشرية جمعاء. هذا الأسلوب يجعل كل لوحة ليست مجرد عمل فني، بل تأملًا فلسفيًّا في التجربة الإنسانية. إذ تتمثل الرمزية في أعمال ثائر معروف من خلال الألوان الداكنة والمعاجين التي يدمجها بطريقة تعزز الإحساس بالوجود والعبثية. الألوان الداكنة ليست مجرد تدرجات لونية، بل هي شفرات تعبيرية تروي قصص الحزن والفرح، الصراع والموت. كما أن التقنية المستخدمة، مثل التعتيق، تضيف بُعدًا تاريخيًّا ومعنويًّا، يعكس قدرة المكان على حفظ معالم الإنسان ووجوده.

تجسد لوحات ثائر معروف الأسئلة الفلسفية الكبرى حول الحياة والموت والصراع الداخلي. الرسومات التي يقدمها تحمل معانٍ عميقة تتجاوز السطح، مما يدفع المتلقي للتفكير في التساؤلات الوجودية التي يواجهها الإنسان. الصراع بين الخير والشر، والاحتدام بين الألوان والفراغات، يتجلى في لوحاته كحوار مستمر بين القوى المتضادة، مما يعكس تعقيد التجربة الإنسانية.

ثائر معروف لم يكن مجرد فنان يعبر عن ذاته، بل كان صوتًا للمعاناة والبحث عن الهوية في ظل الثورة السورية. لوحاته تعكس تأثير الحرب والمعاناة على الإنسان السوري، وتتناول مواضيع التهجير والصراع بأسلوب يجمع بين السخرية والمرارة. الألوان التي يختارها لا تعكس حالة الثورة فحسب، بل تعكس التعددية والانفتاح الذي يسعى إلى تكريسه.

الفنان ثائر معروف لا يقتصر تأثيره على الساحة الفنية اللبنانية أو السورية فقط، بل يعكس نجاحه في بسط سلطته على الصعيدين المحلي والدولي. يتجلى هذا التأثير في قدرته على خلق مساحة فنية مميزة تعكس القضايا الإنسانية والتاريخية، وفي الوقت ذاته يعبر عن شخصيته كفنان قادر على تقديم أعمال تتحدى الحدود التقليدية وتفتح آفاقًا جديدة.

ثائر معروف يعتبر نفسه منفتحًا على مختلف الثقافات، ويسعى دائمًا لاكتشاف الجديد وغير التقليدي. يعكس تفاعله مع الفلسفة والشعر والموسيقى الجيدة شغفه بالتجربة الثقافية الواسعة، مما يؤثر بشكل مباشر على أعماله ويضيف عمقًا إلى تعبيراته الفنية. فهو لا يقتصر على تقديم فن بصري، بل يقدم تجربة متعددة الأبعاد تأخذ المتلقي في رحلة استكشافية.

كما يظهر ثائر معروف كفنان يعيش تجربته بشكل تجلي وإبداع، حيث يعتبر الفن حالة من الوعي والتجربة الشخصية المتراكمة. تعكس كلماته الأخيرة أهمية الموهبة والتجربة الشخصية في عالم الفن، حيث يظل الفنان في بحث مستمر عن الذات والتجربة، بعيدًا عن التصنيفات التقليدية.

تحليل تحليل حواري مع ثائر معروف يكشف عن عمق واستمرارية تجربته الفنية، ويعكس تنوع وتعقيد تجاربه الشخصية والفلسفية. أعماله ليست مجرد تجسيد بصري، بل هي رحلة داخلية وخارجية في عالم مليء بالرمزية والبحث عن الذات.

dohamol67@gmail.com