الفنانة التشكيلية فاطمة مرتضى للواء: "إدخال الخيط والنسيج في اللوحة أو غيرها يجد تسويغه بالنسبة لي في البعد الأسطوري"

حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل

يتخذ الخيط في أعمال الفنانة فاطمة مرتضى بعدًا جمالياً له فلسفته الخاصة، حيث تبدو اللوحة كنسيج لحبكة بصرية اقتطعتها من زمن الكهوف لتعلقها على كهوف الحداثة المعاصرة، برؤية تتناقض مع ذاتها وبموضوعية التكوين الذي تلجأ إليه إبداعياً لتجمع بين الوسائل والخامات، وتترك للتشكيل لغته الفلسفية الخاصة. مع الفنانة التشكيلية فاطمة مرتضى أجرينا هذا الحوار.

- جرأة الفن ماذا تعني لك؟

فيما يتعلق بالفن بشكل عام، لا أحبذ مقولة الجرأة أو عدم الجرأة، فموضوع العمل هو الذي يؤدي بالفنان إلى طريقة تشكيله. وليس من الضروري، إذا كان هذا التشكيل جريئًا بالمعنى الذي تقصدينه، أن يشكل استفزازًا لما يسمى "المجتمع". فالمجتمع ليس قالبًا واحدًا مصبوبًا بإتقان، إنه بالأحرى جملة من التناقضات والهوامات والأخيلة وصولًا إلى الهذيانات ربما. بالتالي، أن العمل الفني، وفي سياق تبلوره، قد يجد نفسه موسومًا بما يسمى الجرأة، وهي كلمة على كل حال فضفاضة المعاني والإحالات. بالتالي، فما هو جريء في بلادنا قد لا يُعتبر كذلك في أماكن أخرى والعكس صحيح. وأنا أسعى من خلال فني إلى تجاوز المحلي، أي إلى تجاوز المعنى الحصري لهذه المفردة أو تلك في إطار النقد التشكيلي. فالأمر يشبه، وبالعودة إلى خلفيتي الفلسفية، ما قاله نيتشه عن الماوراء بمعنى ما وراء الخير والشر أو ما وراء الجرأة والعفة أو ما وراء تبكيت الضمير والذنب.

- من هو الرجل في لوحات فاطمة مرتضى؟

لست أدري من هو الرجل في لوحاتي بالتحديد، لكنه حتماً ليس رجلاً بعينه. قد يكون هذا الرجل هو الإنسان في حالة الهزيمة أو ربما هو امرأة، أو لعله تناص عدة كائنات في هيئة رجل. لكن، إذا افترضنا أنني لست صاحبة هذا العمل الفني، أعتقد أنني سأجيب بأن هذا الرجل هو هوية مأزومة، ذكورية تقوم على محض مادة الجسد الخاصة به، وفي هذا علة شقاء الرجل. وكي لا أفهم خطأ، لا أقصد بالرجل في هذه الإجابة الرجل الشرقي كما هو الكليشيه السائد، إنما أقصد الرجل بشكل عام، أو فلنقل فكرة الرجل كما صيغت بطريركياً عبر الأديان التوحيدية بشكل خاص.

- تركيب إبداعي أو رسم بخيوط قديمة توحي بالكهوف، هل هي عودة لبدائية الفن التشكيلي؟

عندما أبدأ بالتفكير في أي مشروع لعمل فني، أول ما يخطر بذهني المادة التي سأشكل منها هذا العمل. فإدخال الخيط كعنصر أساسي في عملي يعود في الواقع إلى استغراقي في دراسة الأساطير، ولا سيما المتعلقة منها بصناعة النسيج وغيره، كأسطورة أراكني اليونانية على سبيل المثال. بالتالي، إن إدخال الخيط والنسيج في اللوحة أو غيرها يجد تسويغه بالنسبة لي في البعد الأسطوري الأنثروبولوجي لهذه المهنة (الحياكة). وقد تفاجأت لمدى العمق الذي تتخذه هذه المهنة في حضارات أخرى، كحضارة بلاد ما بين النهرين والحضارة المصرية القديمة. وحبذا لو كان بالمستطاع التوقف أكثر عند شرح المدلولات الأسطورية للخيط لدى كل من الحضارات التي ذكرتها، بحيث أن هذه المدلولات تتجاوز البعد الوظيفي للخيط والنسيج والحياكة وصولاً إلى بعد ما ورائي يلامس المقدس والمدنس في آن معاً.

- تذكرني لوحاتك ببيوت الجدات، إلى أي مدى تتفوق المرأة فنياً على الرجل؟

لا حدود فاصلة فنياً بين المرأة والرجل، فالموضوع يتعلق أكثر بحساسية الفنان، سواء كان رجلاً أم امرأة، تجاه الموضوع الذي يتطرق إليه. فأنا من مؤيدي القول بتلازم الحساسية الفنية مع الأزمة، سواء كانت أزمة شخصية أو على المستوى العام. فليس الفن ترفًا أو تلبية للذائقة الجمالية بالمعنى الكلاسيكي، لكنه بمثابة إنذار أو لنقل عبوة ناسفة، إنما من نمط آخر. أما عن الجدات، فربما يحايث عملي نوستالجيا ما أو ذكرى ليس من الضرورة أن أكون متيقنة منها على وجه الدقة.

- فاطمة مرتضى، ما الأهداف التي تضعينها في كل معرض لك؟

انسجامًا مع الإجابة السابقة، إن الفن هو تعبير عن أزمة، أكرر القول إن هدفي دائماً هو الإشارة إلى أن "العالم ليس على ما يرام" كما يقول بريخت. نعم، أعمالي ليست للزينة أو للديكور، لكنها أقرب إلى ملامح وجه راضٍ بكل ضروب الهزيمة.

- لوحة تهدينها للبنان، ما هي؟

حضارياً، أعتقد أن لبنان هو جزء لا يتجزأ من الجغرافيا الموزعة حول البحر الأبيض المتوسط. بالتالي، وتعزيزاً مني لهذه الرؤية لوطني لبنان، أعتقد أن لوحة "Europa" هي الأكثر تعبيراً عن مزاجيتي اللبنانية. لكن هذه النظرة للبنان لا تعني بتاتاً القطع مع تراثي العربي الإسلامي الذي لطالما شكل جزءًا من الهوية الثقافية لأوروبا. وقد يبدو هذا الكلام غريبًا هذه الأيام، ولا سيما مع ارتفاع منسوب الإسلاموفوبيا في أوروبا لأسباب لا علاقة لها بالحقيقة، لا بالإسلام ولا بتوجهات الغالبية العظمى من شعوب الدول العربية.

- لون فاطمة مرتضى الراسخ في ذاكرتك الطفولية، أين هو؟

ليست الذكريات بالمتناول لسوء الحظ، إنما أكثر لون يراودني عن نفسه هو الأصفر، وذلك ربما يكون لسبب ما زال جاثيًا في قاع ذاكرتي الطفولية. فنحن بالحقيقة لا نمون على الذاكرة، لأنها، كما يقول إبراهيم الكوني، تمتطي جيادًا خاصة بها لا نملك نحن القدرة على مسك لجامها ولا على ترويضها.

Doha El Mol

من خلال الحوار معها تكتشف أن أعمال الفنانة التشكيلية فاطمة مرتضى تثير انطباعًا أوليًا عميقًا ومثيرًا للفضول. تدمج مرتضى الخيط والنسيج ضمن لوحاتها، مما يخلق تأثيراً بصرياً فريداً يتجاوز حدود المادة ليعبر عن جوانب نفسية وثقافية متعددة. اللوحات ليست مجرد تجسيد للألوان والأشكال، بل هي نوافذ تطل على عوالم أسطورية وعصية على التحديد الدقيق. هذا الاستخدام للمواد التقليدية كأداة للتعبير الحديث يخلق تبايناً بين المألوف والجديد، بين البدائي والحديث.

إذ تعتبر تقنية إدخال الخيط والنسيج في اللوحات ابتكاراً مهماً في أعمال فاطمة مرتضى. الخيط ليس مجرد مادة، بل هو تجسيد للقصص والأساطير التي تحملها الثقافات المختلفة. هذه التقنية تخلق بنية مرنة تجسد التراكيب المعقدة والتفاعلات الإنسانية عبر التاريخ. النسيج يصبح بمثابة لغة ثالثة، تجمع بين الألوان والأشكال لتروي قصة غير مرئية.

تتأثر أعمالها بعمق بالموروث الأسطوري، مستلهمة من أساطير مثل أسطورة أراكني اليونانية. هذه الرموز تضيف بعداً فلسفياً للأعمال، حيث تنقل المشاهد إلى عوالم ماضية تمتزج فيها الخرافات بالواقع، مما يخلق تجربة جمالية مليئة بالغموض والإثارة.

كما تعكس أعمال مرتضى صراعًا نفسيًا وجمالياً عميقاً. الرجل في لوحاتها يمثل الهوية المأزومة والتجربة الإنسانية في حالة من الضعف والهزيمة. هذه الرؤية تتناول القضايا الذكورية من منظور نقدي، متجاوزة الأطر النمطية لتطرح أسئلة حول الهوية والأزمات الوجودية وتعكس اللوحات حنينًا إلى الماضي وتستحضر ذكريات طفولية قديمة من خلال استخدام الألوان والرموز. الأصفر، على سبيل المثال، يمثل لوناً يذكّر الفنانة بذكريات الطفولة، مما يضيف بعداً شخصياً عاطفياً إلى العمل. هذه اللمسات تساهم في خلق اتصال عاطفي مع المشاهد، مما يعزز التجربة الجمالية ويضيف عمقاً للأعمال.

كما أن الجمع بين الخيط والنسيج مع الألوان والأشكال التقليدية يخلق تبايناً جذاباً ومميزاً. هذا التباين لا يقتصر على المستوى البصري فحسب، بل يمتد إلى المستوى الثقافي والفلسفي. اللوحات تسعى إلى تحقيق تناغم بين البساطة والعمق، مما يجعل كل عمل يشبه معادلة حسية وتفكرية.

أسلوب فاطمة مرتضى يجسد التجريبية والابتكار. الألوان والتقنيات المستخدمة ليست فقط لتزيين اللوحات، بل لخلق حوارات بين العناصر المختلفة. المشاهد يُدعى لاكتشاف الطبقات المتعددة للتكوين، مما يجعل كل تجربة بصرية مميزة وفريدة.

أعمال فاطمة مرتضى تشكل تجربة فنية غنية ومتنوعه تجمع بين التقنيات التقليدية والمعاصرة. من خلال إدخال الخيط والنسيج وتوظيف الرموز الأسطورية، تخلق الفنانة عوالم بصرية تتجاوز حدود المادة لتعبر عن الأبعاد النفسية والفلسفية العميقة. تعكس أعمالها حواراً بين الموروث والأسطورة، مما يجعل كل عمل فني تجربة فريدة ذات قيمة جمالية وفكرية.

dohamol67@gmail.com