الممثل بيتر سمعان لمرايا: "المخرج في أي عمل فني هو العصب الأساسي الذي يجمع كل العناصر الدرامية."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
يمر الممثل خلال رحلته الفنية عبر الكثير من التغيرات الحياتية التي تضفي عليه نوعًا من الخبرات المساعدة في صقل شخصيته الذاتية المحملة بالمخزون الثقافي أو الحياتي بمجمله وعلى اختلافه. وهذا ما نلمسه من الفنان والممثل "بيتر سمعان"، رغم أنه ما زال في عمر الشباب، إلا أنه يتميز بفن تمثيلي تعبيري له جماليته التقنية التي يصقلها باستمرار وبعوامل الجذب الجماهيري المساعدة في اكتساب متابعته في كل الأدوار التي يقوم بها، المتعلقة بالجذور والأسس التمثيلية المؤمن بها، مما يجعله متميزًا في أدواره. لأنه يحافظ على الاستبصار التمثيلي حيث يستخرج كل شخصية من حياة النص ويمنحها الموضوعية، لتكون مولودة منه ومغايرة عنه وبازدواجية تخدم الشخصية التي يتقمصها، لتنفرد بالطابع الخاص فيها، وكأنه الممسك بالعصا السحرية في المسلسلات التي شارك فيها. فهو يوازن بين الشخصيات، وهي ليست بالمهمة السهلة التي تشبه لعبة شد الحبل لتطغى التوازنات بشكل صحيح في المسلسل الدرامي، ومعه أجرينا هذا الحوار:
- تتفاعل بعفوية وثقة مع الدور الذي تتقمصه، ما سر ذلك وما هي النقطة الدرامية التي تعتمد عليها؟
مهما بلغت صعوبة الدور، ومهما كان الدور مركبًا أو عاديًا، أعتقد أن الممثل مع الخبرة والساعات الطويلة من التصوير يجب أن يتميز بالانفتاح العقلاني ومن خلال العين التي تلتقط التفاصيل من حوله، لأنه يراقب كيفية العمل على الممثل. مهما بلغت صعوبة الدور أو قوته، يستطيع بعد ذلك المحافظة على طبيعية الدور ويدخل من هذه الميزة ويبتعد عن الطريقة المركبة، وبعد ذلك يبحث عن التفاصيل الأخرى، لكن من المهم عفويته وحقيقته. أما النقطة الأساسية التي أبدأ منها بالتحضير فهي النص المكتوب على الورق الذي أعتبره أساسًا لكل شيء: ما هي خلفية الشخصية، والبحث عن العقد النفسية أو المشاكل العائلية. بمعنى بحث دقيق لمعرفة مفتاح الشخصية لأدخل عليها، ومن الأسس أيضًا التقاط مفتاح التركيبة الدرامية مع الحفاظ على الطبيعية والتلقائية، وتكون بمثابة الخلطة السحرية التي يتفرد بها كل ممثل، ويستطيع من خلالها فرض التأثير على المشاهد الذي يمنحه النسبة التي تحدد نجاحه في تقمص الدور، بالإضافة إلى الدراسة الأكاديمية للشخصية التي تمنح غنى في تركيب الصفة العامة للشخصية. لأن الممثل إن لم يمتلك الإلمام بتركيبات الشخصيات ستصاب أدواره بالتكرار وبنفس الجلد الذي يرتديه، من المهم تغيير الجلد لتلبية متطلبات الشخصية من الناحية النفسية قبل الانتقال إلى الجسد لكي يستطيع تركيب الشكل المناسب على كمية الدراما وكمية الصفات المهمة في الشخصية المغايرة لأدوار سابقة لعبها الممثل.
- بيتر سمعان موضة ومسرح ومفتاح الجمال بين الواقع الحياتي والدراما التي استطعت تذليلها لتدخل متمكنًا وبتنوع فني، ما رأيك؟
هذا العصر هو عصر الصورة، ولا يمكن أن ننكر ذلك، لكن للأسف نفتقد للمضمون ونتجه نحو الشكل الخارجي للصورة. لهذا يجب أن يتقن الممثل إظهار فيزيائية الوجه أو الشعر أو تناسق الجسم أو الشكل عامة، كما يقال (لبس العود بجود). لهذا السبب، الصورة بالنسبة لي توازي المضمون. رغم أن البعض يعتبرها أقوى من المضمون، يجب المحافظة على الصورة الخاصة، لكي أحافظ على الاستمرارية والبقاء في الساحة الفنية وأعطي الشخصية حقها من ناحية الشكل، ولأني أعمل في المسرح والموضة. لهذا، الذوق والتعاطي معه مغروس فيّ وأستطيع التمييز بين الألوان التي تنسجم مع الكاريزما الخاصة والمريحة للكاميرا.
- ماذا تعني لك الانتقادات التي يواجهها مسلسل "أمير الليل"؟ وهل ظلم النص برأيك؟
لا يمكن تقديم أي عمل فني دون انتقاد، خصوصًا في زمن التواصل الاجتماعي الحالي بالمستويات والمعايير المختلفة فيه، لأنه يقدم الجيد والرديء. بالنسبة للنص في مسلسل "أمير الليل"، هو نص مهم، لكن ما مقدار التطبيق الدرامي فيه ومفارقات التنفيذ؟ هو نسبي ومن غير الممكن تحديد الهدف بموضوعية، لأن من يسعى للكمال لا شيء يرضيه ربما! البعض يقول إن الإخراج يجب أن يواكب النص، أنا شخصيًا أهتم بكل هذه الانتقادات بعيدًا عن الانفعالات لتحليلها بعقلانية وأهمية لالتقط أين الأخطاء. لهذا، عملية النقد مهمة وصعبة، وأتمنى على الجميع ممارسة النقد الأكاديمي بالتعاطي بعيدًا عن المصالح الشخصية أو التهديم، لأنه يصبح سلبيًا بكل مواصفاته ويقترب من الآراء الشخصية أو الحالة النفسية المرتبطة بهم. إذ يمكن انتقاد العمل الفني لكن بفكر انتقادي حضاري.
- ألا تظن أن الممثل صاحب الخبرة والموهبة والأكاديمية هو من يمسك العمل الدرامي من الطرفين كنقطة أساس؟
الدراسة وصقل الموهبة مهمة جدًا مثل أي مهنة تحتاج إلى تطوير وصقل للتقدم نحو الأمام، والنقطة الأساسية هي الدراسة والانفتاح على الانتقاد والأخذ منه بحس إيجابي للنظر بنقاط الضعف والعمل على التطوير. لهذا، الدراسة الأكاديمية والاختبارات في الحياة هي التي تعمل على تطوير الشخصية، والخلطة السحرية هي التي توازن بين الشكل والمضمون بعيدًا عن القشور والتفاهات. كل هذا يحتاج لفكر أكاديمي وعضلة دماغ مصقولة بالثقافات وفكر متين، ليستوعب كل الممارسات والخبرات بعيدًا عن الأنانية، لأن الأنانية لها فترة زمانية تنتهي صلاحيتها فيما بعد. أما النقطة الدرامية التي ينطلق منها في تركيبة الدور فهي المخزون العقلي الذي تكون من تجارب المجتمع واستطاع الدماغ تهذيبه. الآن، كل دور أتعاطى معه أستعين بكل خبراتي السابقة لقوالبها بطريقة سليمة والاستعانة بالخبرات الأكاديمية والدرامية لتعطي نتيجة جيدة بعيدًا عن الانفعال العابر.
- تتصف شخصيتك بالحسية الرومانسية مهما بلغت أدوارك قسوة، ما رأيك؟
من لا يمتلك زاوية طفل في حياته ولا يمتلك الإحساس الرومانسي لا يستحق الحياة، لأنه مهما كبرت الدنيا والمراكز القوية في الحياة، وإذا لم أستطع العودة في الليل إلى ذاتي ولشخصيتي، أشعر أن الشخص سيصاب حينها بالديكتاتورية. إن لم تكن مع الغير ستكون مع النفس، ولا أي ديكتاتور في العالم وصل إلى نهاية سليمة أو نافعة. لهذا، عندما نقف أمام المرآة نتعرى من كل الشوائب التي نصاب فيها بالرجوع إلى الذات الطفولية التي تعيدنا إلى الأم والأب والعاطفة التي ولدنا فيها. إضافة إلى فضل الخالق والاعتراف بنعمه التي لا تُحصى، حينها ندرك قيمة الذات الصغيرة أمام عظمة الكون.
- متى تشعر بالقلق وأنت تؤدي بعض الأدوار؟ وهل تتأثر بتوجيهات المخرج؟
المخرج في أي عمل فني هو العصب الأساسي الذي يجمع كل العناصر الدرامية، لكن للأسف، نحن نعاني من عدة حواجز يضعها البعض أمامه. المخرج هو القارئ الثاني للنص، وهو القادر على منح النص الأبعاد الدرامية الضرورية، لهذا هو المحرك الأساسي للعمل، وهو الرادع للممثل في حال شرد عن الشخصية، ليكون كالمنارة للممثل ليهتدي إلى شاطئ الأمان. بالنسبة لي، مع أغلب أدواري، عشت حالة القلق عند بداية مرحلة الإبداع، بخط موازي لها موجود خط القلق. وفي مسيرة الخطين معًا تولد حالة من الإبداع والتفجير للموهبة أكثر وأكثر، لأن القلق برأيي يدفع بالإبداع ليظهر، وكلما أبدع الإنسان ازداد قلقه، ليتمكن من رؤية الخطوة القادمة. لهذا السبب، الإبداع والقلق لهما الأهمية الكبرى.
- الدور الذي لم تنساه وما زال تأثيره فيك، ما هو؟
لم يبق أي دور مؤثر فيّ، لأن نوعية الأدوار التي قدمتها والتنوع بالشخصيات منحتني السعادة بهذه الإنجازات التي حققتها، لأن ما من دور يشبه الآخر، وهذا أصابني بالنشوة واستفزني للتحدي والبحث عن ميزة وصبغة الدور الآخر الذي سأقوم به بعد ذلك. والحمد لله، حتى الآن استطعت الحفاظ على التجديد ولعب كل دور بميزة مختلفة.
- ماذا تفتقد الدراما اللبنانية؟
تفتقد الدراما اللبنانية لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، نحن نحتاج للمال أو للإنتاج المهم، لكن يجب أن نؤمن أن لكل اختصاص مكانه المناسب مع الاستماع لآراء هؤلاء، لتكتسب الدراما الغنى المهم، ولا يمكن تعليب العمل على صفة واحدة لأنه سيظهر التشابه، بينما عندما يتفرد كل شخص باختصاصه نصل إلى الإبداع بحس جديد.
- سؤال تطرحه على أمك ولم تجد الجواب عليه، ما هو؟
لماذا، يا أمي، رحلتي باكرًا وما استمتعتِ معي بالنجاحات التي حصدتها في حياتي؟ يا ليتك تقدرين تجاوبيني. أدرك أن الله هو خالق الكون والجميع، وما من شعرة تسقط إلا برضا منه ربما! ما أراده ربنا لك هو الأفضل، وأنا أنحني لإرادة الله وأتمنى أن أكون قد استطعت التعويض في آخر أيامك عن الكثير من السنين التي ابتعدت فيها عنك وكنت الأهم بالنسبة لي، وإلى الملتقى يومًا ما.
Doha El Mol
تكتشف من الحوا ر مع الفنان بيتر سمعان أنه يمتلك رؤية عميقة ومتقدمة للفن التمثيلي. يُظهر اهتمامًا كبيرًا بالتحضير والتفاصيل الدقيقة، ويولي أهمية خاصة للتفاعل العفوي مع الدور. يشير إلى أن الممثل يجب أن يكون متجددًا ومتغيرًا في أدواره، مما يعكس حرصه على عدم تكرار نفسه والسعي للتميز المستمر. ويعبر عن اعتقاده بأن الإبداع والقلق مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، حيث يرى أن القلق يحفز الإبداع ويجعل الأداء أكثر تألقًا.
يمكن القول إن بيتر سمعان يتبنى منهجًا منهجيًا وعلميًا في تعامله مع الأدوار. هو يؤمن بأن النص هو الأساس، ويحرص على فهم خلفية الشخصية والتفاصيل النفسية لها قبل البدء في التحضير. هذا المنهج يعكس التزامه بالدقة والبحث العميق في كل دور يقوم به. كما يبرز سمعان أهمية التوازن بين الشكل والمضمون، ويشير إلى أن القدرة على التكيف مع مختلف الأدوار والتفوق في كل منها هو ما يميز الممثل الناجح. كما يبدو أن بيتر سمعان يعبر عن سعيه الدائم للتنمية الشخصية والفنية. يظهر من حديثه أنه يواجه القلق بفاعلية، ويعتبره دافعًا نحو الإبداع بدلاً من أن يكون عائقًا. هذا يعكس درجة عالية من الوعي الذاتي والقدرة على التعامل مع التحديات النفسية بشكل إيجابي. كما أن اهتمامه بالعودة إلى الذات الطفولية والعاطفية يعكس ارتباطه القوي بجوانب الإنسانية البسيطة والعميقة التي يعكسها في أدواره.
يُشير اعترافه بنعم الخالق إلى توازن نفسي وروحي، مما يعزز شعوره بالامتنان والتواضع.
يتضح أيضا أن بيتر سمعان يرى أن الممثل يجب أن يكون منفتحًا على التغيير والتطور المستمر. يركز على أهمية التوازن بين الحفاظ على الطبيعة الفطرية للشخصية والابتعاد عن الطريقة المركبة. يظهر من حديثه أنه يولي أهمية خاصة للتفاعل مع المخرج والعمل كفريق لتحقيق أفضل النتائج. وبالاستناد إلى ما ذكره حول الدراما اللبنانية، يمكن القول إنه يشعر بضرورة الابتعاد عن الأنماط التقليدية وتفريد كل شخصية لضمان تقديم أعمال درامية متميزة ومبتكرة.
بيتر سمعان يُظهر فهمًا عميقًا للفن التمثيلي، ويعتبر أن الممثل يجب أن يكون مزيجًا من التميز الفني والتحليل الدقيق والتوازن النفسي. هو يتبنى نهجًا قائمًا على الاستمرارية والتجديد والبحث العميق، ويظهر التزامًا بالتحسين الذاتي المستمر في مجاله. اهتمامه بالاستبصار التمثيلي والعفوية والتفاصيل الدقيقة يعكس سعيه نحو تقديم أدوار متجددة وملهمة، مما يجعله أحد الممثلين البارزين الذين يؤثرون في مجالهم بطريقة إيجابية وملحوظة.
dohamol67@gmail.com