الإعلامي ومقدم البرنامج الصباحي جو لحود لمرايا: البرامج الصباحية هي إحدى أصعب البرامج التي يقدمها أي إعلامي تلفزيونيًا أو إذاعيًا.

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

يبحر مقدم البرنامج الصباحي "جو لحود" بالمشاهد عبر شاشة تلفزيون لبنان، فيفتح أشرعته الإعلامية بعيدًا عن النمطية، ليكسر الرتابة والجمود ويستبدلهما بالبساطة والحيوية، حتى يشعر الضيف أنه في منزله يتناول القهوة ويحادثه بأريحية تامة. وهذا يدل على الوعي الإعلامي الذي يمتلكه من حيث التزامه بالمضمون الإعلامي الهادف تلفزيونيًا أو إذاعيًا دون إسفاف أو مبالغة أو رمي الأعباء الثقيلة على الضيف أو محاولة إبراز الذات. فهو مستمع قبل أن يكون محاورًا، وضمن المعايير الأساسية التي يضعها لنجاح برنامجه الصباحي الذي بات يستقطب الجمهور المهتم بالفترة الصباحية وما تحمله من فقرات يقدمها "جو لحود" بنكهة ثقافية معرفية ترفيهية يتحدث من خلالها في شتى المواضيع وبشكل سلس يلائم الفئات العمرية ومزاجيتها في المشاهدة والمتابعة لهذا النوع من البرامج الموضوعية التي تحتاج إلى شفافية وتفاعل مع الجمهور. ومع الإعلامي ومقدم البرنامج الصباحي "جو لحود" أجرينا هذا الحوار:

- الإعلامي ومقدم البرنامج الصباحي جو لحود، بين الإذاعة والتلفزيون، أيهما تختار ومتى؟

اشتغلت في التلفزيون وفي الإذاعة، وكل منهما له حلاوته. في كل مكان نكهة مختلفة عن الأخرى. لهذا لا أستطيع الاختيار بينهما لأنهما يجتمعان معًا في الكثير من الصفات الإعلامية. والإعلام هو الإعلام، سواء كان مرئيًا أو في الصحافة المكتوبة. أرى نفسي في الاثنين، والأهم هو التواصل مع الجمهور.

- البرنامج الصباحي التلفزيوني يعتمد على سرعة البديهة، وهذا يخيف البعض. ما رأيك؟

بدأت بالبرنامج الصباحي منذ عشر سنوات عبر تلفزيون لبنان وتنقلت في أكثر من إذاعة من صوت لبنان إلى راديو الشعب. البرامج الصباحية هي إحدى أصعب البرامج التي يقدمها أو يحاور فيها أي إعلامي تلفزيونيًا أو إذاعيًا. والتحدي الأكبر فيه أنه مباشر على الهواء، ما من مجال للخطأ أو الإعادة. وهنا صعوبته وجماليته بالنسبة لي، وهو لا يحتاج لسرعة بديهة فقط، إنما يحتاج لحضور يومي ومتابعة يومية لمعرفة كل شيء عن كل شيء تقريبًا. ما من تخصص في البرامج الصباحية، ونحن نحاور كل شيء، ضيوفًا من عالم الثقافة والفن والاجتماع والسياسة والفلك وغير ذلك. لكن المقدرة هي في التنقل من موضوع إلى آخر، لأن لكل موضوع مصطلحاته وأدواته، وهذا نكتسبه من خلال الخبرة، أما سرعة البديهة فهي بالفطرة.

- ابن منطقة سبعل والبساطة توحيها للضيف، إلا أنك تمتلك عمق الرؤية. كيف تغذيها؟

صحيح، أنا ابن بلدة سبعل وأفتخر بأنني منها. أفتخر أنني من المنطقة التي أنتمي إليها، منطقة زغرتا الزاوية، التي تسمى الزاوية، لكنها حجر زاوية لكثير من الإبداعات الموجودة في البلد على كل الأصعدة. والبساطة التي أوحيها للضيف ضرورية لأنني لا أنافس الضيف ولا أحاول إرباكه أو إثارة خجله. دوري بث الراحة في نفس الضيف، ليشعر بالسعادة معي وأمام الكاميرا أو الشاشة، وهذا دوري الأساسي، والمفروض أن أهتم به لأنه مهنتي وواجبي اليومي. أما عمق الرؤية فأغذيها بالمتابعة اليومية لكل ما يحدث في البلد، إضافة إلى قراءات يومية ومطالعة تقليدية عبر الكتب أو عبر الإنترنت. إضافة إلى استكمال دراستي في الإعلام، وهذا يعطيني الأفق الواسع والأبعاد بشكل أكبر في كل الحوارات التي أجريها.

- هل لسنوات الخبرة التلفزيونية جدارتها في منح الإعلامي صورة متجددة دائمًا؟

سنوات الخبرة مهمة جدًا للعمل الإعلامي، لأننا كل يوم نكتسب شيئًا جديدًا من طرق الحوار، كيف نتعاطى مع الضيف، وكيف نتعاطى مع كل العناصر الموجودة في الاستوديو. سنوات ليست لعبة، والتراكم جدًا مهم في عالم الإعلام، يعطينا ثقة أكبر ونضجًا أكبر من خلال تعاطينا مع أي موضوع وكيف نتعاطى معه عبر أي زاوية تتم معالجته وأبعاد أحيانًا نغفل عنها في سنوات الخبرة الأولى. ونحترم الضيف أكثر، لأن خبرة السنوات تعلمنا أن كل ضيف جدير بالاحترام أكثر فأكثر. والإعلامي الجيد هو الذي يعرف كيفية الاستفادة من سنوات خبرته ليكون بتجدد دائم، كي يبني من كل تجربة محورًا جديدًا من عمله ويقدم صورة جديدة للمشاهد.

- ما هي الأسس التي تحاور من خلالها ضيفك؟

أحاورهم دائمًا على أساس الاحترام، وهو قاعدة أساسية في كل حواراتي. في البرامج الصباحية لدينا ضيوف من كل القطاعات ومن كل الأماكن وكل المستويات. أحيانًا بعض الناس تريد التحدث عن موضوع صغير جدًا، وفي نفس الوقت لدينا أطباء يتحدثون عن موضوع كبير جدًا، أو من السياسيين والفنانين من الصف الأول المشهورين. لهذا، البرنامج الصباحي متنوع بضيوفه. القاعدة الأهم أن أحترم عطاء كل الناس في أي مجال والمادة التي يقدمها الضيف، ودائمًا أحاور ضيفي على قاعدة أساسية، هي أن أضع نفسي مكان المشاهد وأسأل أسئلة المشاهد التي تجعله يعرف ما الذي يريده هذا الضيف، ما هو عمله، وما هو نشاطه. أحاول أن أستنبط فكرته وأغوص في فكرته وأسأل الأسئلة التي لا يستطيع المشاهد أن يسألها، وأعتقد أن هذا ما يميزني في حواراتي.

- ما رأيك بالإعلام اللبناني حاليًا، وهل أنت مقتنع بالمكان الذي أنت فيه حاليًا؟

الإعلام اللبناني تنقصه المادة، وتنقصه القدرة على الإنتاج، لأننا في أزمة مادية كبيرة في الإعلام اللبناني في مختلف فروعه من الصحافة المكتوبة وصولًا إلى التلفزيون والإذاعة. نحن في مرحلة شح مادي، وهذا يؤثر على كل المرافق في الإعلام، يؤثر على مضمون الإعلام وطبيعة البرامج ومن يقدمها ومن يقوم بإعدادها. نحن في أزمة فعلية بدأت مادية وانتقلت إلى كل الأصعدة. وأنا أؤمن تمامًا أن الإعلامي اللبناني يمتلك المحتوى المهم، وهو رائد في مجال الإعلام العربي بطبيعة الحال، لكن عنصر المادة هو الذي يدفع بالإعلام اللبناني نحو السلبية، وأن ينتقل من المكان الصحيح المرسوم له من القيادة والريادة العربية الإعلامية إلى مكان آخر. للأسف ما نراه اليوم غير مريح، والسبب هو الأزمة الاقتصادية التي تؤثر على مضمونه وأخلاقياته وسيرته، وبطبيعة الحال تؤثر على العاملين في هذا المجال. شاشة تلفزيون لبنان شاشة جميلة جدًا، وكانت الحلم بالنسبة لي. عندما بدأت فيها، كانت شاشة تبث الراحة للعاملين فيها، لأنها لا تعطي صبغة ولا لونًا ولا طائفة ولا مذهبًا ولا انتماءً حزبيًا. شاشة تجعلنا نرى الوطن من منظار كبير جدًا. وعندما بدأنا فيها كنا كالعائلة، لأنها شاشة علمتنا أن المواطن في لبنان يمكن أن يكون بدون طوائفية، وبلا أحزاب ومذاهب. شاشة أعطتنا الكثير، وفضلها دائم في كل مسيرتي الإعلامية. لكن الطموح أحيانًا يكون أكبر من الموجود، وهنا المشكلة لأن التلفزيون اللبناني بوضعه الحالي وصل إلى ما هو عليه ولا أعرف ماهية الأسباب. الطموح حق وواجب لكل إنسان، ولكن أدرك كيف أخلق الخط الذي لا يشبه أحدًا، والوقت كفيل بإصلاح كل الأمور.

- الخطأ على الهواء مباشرة، كيف تستدركه؟ وهل من إمكانية لتصحيح الخطأ إن وقع؟

دائمًا توجد أخطاء، فمن منا لا يخطئ على الهواء؟ خاصة أننا نقدم البرنامج على الهواء مباشرة، والخطأ وارد، وما من أحد معصوم عن الخطأ. لكن إمكانية الخطأ تكبر كلما امتد الوقت. قدمت في فترة من الفترات برنامجًا صباحيًا على الهواء مباشرة لمدة ساعتين ونصف بشكل منفرد على الهواء. كان التحدي أن أخطئ بشكل أقل. أحيانًا نخطئ مثلًا في أسماء الضيوف أو ألقابهم، لأن هذا التركيز أحيانًا نفتقده للحظة، ومن ثم نعتذر عن الخطأ ونصححه. مثل أي خطأ في الحياة، لا بد من أن نعتذر ونصحح.

- ألا تظن أن قدرة مقدم البرامج تحتاج لصقل وتحديث دائم؟

قدرة مقدم البرامج تتطور من خلال التحديث والصقل والتطوير والمثابرة، ويجب أن يتابع الدورات المتخصصة في عالم التقديم ومتابعة كل ما من شأنه مساعدته في التجدد في هذا الإطار، سواء على صعيد اللغة وطرق الحوار والمعلومات الجديدة التي نهتم بها. لأن الإنسان إن لم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا، ينتهي. إذا تحولنا إلى بحيرات جامدة، لا بد أن تفوح الرائحة البشعة. لهذا، يجب أن نكون كالمياه الجارية لنتجدد.

- ما هي صمامات الأمان لمهارات يجب أن يتقنها مقدم البرامج الصباحية تحديدًا؟

يجب أن يتحلى بكل الصفات المشتركة من لغة وإطلالة وسرعة بديهة التي تكلمنا عنها في البداية، والقدرة على التنقل بين موضوع وآخر بسلاسة، والثقافة العامة لأن البرامج الصباحية بالمبدأ تحمل صفة ثقافية عامة غالبًا. لا بد لمقدم البرامج الصباحية أن يمتلك القبول لدى الناس والقدرة على خلق الابتسامة، لأنه يظهر في فترة صباحية دقيقة. لهذا، يجب أن يبتسم، مع التوازن بين الجدية والروح المرحة التي لا تتخطى الحدود والأطر الطبيعية لها. أيضًا، يجب أن يمتلك مهارة التواصل الجيد مع الضيوف، وبالتالي يجب أن نخلق هذه المساحة المشتركة بيننا وبين الضيف. مهارات تشبه كل المهارات الإعلامية مثل القدرة على التواصل من خلال الأطر الاجتماعية الجديدة. وأهم شيء احترام الضيف لأنه يدخل إلى بيوت المشاهدين، بمعنى مهارات لها علاقة بالاحترام.

Doha El Mol

من خلال الحوار نكتشف أن جو لحود يظهر التزامًا واضحًا بالمهنية من خلال تركيزه على تقديم محتوى إعلامي هادف ورفيع المستوى. يظهر حُسن استخدامه لمهاراته في التواصل مع الجمهور والضيوف، مما يعكس وعيه العميق بأهمية التواصل الفعّال في الإعلام. يشعر الضيف في برنامجه بالراحة ويجد في جو لحود مستمعًا حقيقيًا، وهذا يعزز من مصداقية البرنامج ويجعل المشاهدين يشعرون بالارتباط الوثيق بالمحتوى.

تأكيد جو لحود على تجنب النمطية والرتابة في تقديم برنامجه يعكس فكرًا إبداعيًا يتجه نحو كسر القوالب التقليدية. هذا ينم عن رغبة في تقديم تجربة مشاهدة جديدة وممتعة، ويعزز من جاذبية برنامجه للمشاهدين الذين يبحثون عن التنوع والحيوية في المحتوى الإعلامي.

جو لحود يعترف بصعوبة البرامج الصباحية المباشرة والتحديات المرتبطة بها، مثل الحاجة إلى سرعة البديهة. هذا يدل على إدراكه العميق لمتطلبات العمل الإعلامي وتقديره لأهمية التحضير والمرونة في مواجهة المواقف غير المتوقعة. نضوج خبرته يمكنه من إدارة المواقف بشكل فعّال، مما يعزز من قدرته على تقديم محتوى جذاب ومؤثر. كما يُظهر توازنًا بين الجدية وروح الدعابة، وهو عنصر أساسي في تقديم برامج صباحية ناجحة. هذا التوازن يساعد في خلق بيئة مريحة للضيوف ويجعل المشاهدين يشعرون بالانخراط والاستمتاع بالمحتوى.

يبرز في تقديم نفسه بطريقة بسيطة ومتواضعة، وهو ما يعزز من قبول الضيوف والمشاهدين له. هذه البساطة لا تأتي على حساب العمق الفكري؛ بل يتمتع بقدرة على تقديم المواضيع المعقدة بأسلوب سهل الفهم، مما يعكس توازنه بين الأصول الأكاديمية والقدرة على التواصل الجماهيري.

رغبته في صقل مهاراته وتحديث معرفته بشكل دائم تعكس دافعيته للتطور والتعلم. يعتبر ذلك مؤشراً على الطموح والتفاني في العمل، ويعزز من قدرته على تقديم محتوى ملائم ومتجدد يتماشى مع تطورات الإعلام.

جو لحود يعبر عن وعيه بالأزمات التي يمر بها الإعلام اللبناني، ويعكس ذلك اهتمامه بالتحليل النقدي للواقع الإعلامي ومخاوفه من التأثيرات السلبية للأزمات الاقتصادية على جودة المحتوى الإعلامي. هذا الوعي يعزز من مصداقيته كإعلامي ويظهر اهتمامه بتحسين وتطوير المشهد الإعلامي.

عند الحديث عن الأخطاء على الهواء مباشرة، يظهر جو لحود إدراكه لأهمية الاعتراف بالخطأ وتصحيحه بشكل فوري. هذه الميزة تعزز من مصداقيته وتظهر نضجه كإعلامي قادر على التعامل مع المواقف الصعبة بكفاءة.

في النهاية تشعر أنه يُظهر من خلال فكره وأسلوبه الإعلامي توازنًا بين البساطة والعمق، التواضع والاحترافية، والتجدد والابتكار. هذا التوازن يعكس شخصية إعلامية متكاملة تسعى إلى تقديم تجربة مشاهدة مميزة ومؤثرة، وتستجيب للتحديات والأزمات بمرونة ووعي. قدرته على التكيف مع المتغيرات وتحديث مهاراته تساهم في استمرار نجاحه كمقدم برامج صباحية تلامس اهتمامات الجمهور وتواكب تطورات الإعلام.

dohamol67@gmail.com