الاعلامية غادة عيد: "جديدي هو كتابة سيناريو لفيلم سينمائي عن قصة حقيقية ومأساوية من ضمن ملفاتي"
حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل
تتمتع الاعلامية غادة عيد بالإصرار على امتلاك مفاتيح القوانين إعلاميًا، للكشف عن أدق المواضيع حساسية، منها الاجتماعي والإنساني والسياسي أحيانًا، وحتى تلك التي تعيد الحقوق لأصحابها. رغم كل التحديات التي واجهتها، ما زالت صامدة في وجه مهنتها التي اختارتها، لتكون من ضمن النساء اللواتي جعلن من قضية الحقوق والواجبات الطريق الوعرة التي تسلكها المرأة وتفرض عليها التواجد ضمن المرأة القادرة على الحفاظ على الذات والآخرين من خلال الإرادة الإعلامية التي تمتلكها، وقبل ذلك الإنسانية. وقد يتبادر إلى الذهن: لماذا تختار المرأة خوض الصعوبات الإعلامية تحديدًا وهي قادرة على الظهور الإعلامي بصور مختلفة وأكثر سهولة من الوقوع في قضايا قد تقضي عليها وتنهي وجودها الإعلامي؟ فالاعلامية غادة عيد أكملت طريقها وكتبت سيناريو "كواليس المدينة" وجديدها كتابة سيناريو فيلم "مكتوم" لتجسد تطلعاتها الإعلامية، وتصبح المحاكاة الدرامية نوعًا من استكمال للطريق الذي بدأت به، ومعها أجرينا هذا الحوار...
- من كواليس المدينة إلى الفساد وبالعكس، هل تعتبره من التناقض أم من معالجة اجتماعية؟ ولماذا هذا التصويب؟
بدأت حياتي المهنية في الصحافة المكتوبة كصحفية، وتخصصت في قضايا الناس، ومن ثم انتقلت من الصحافة المكتوبة إلى الشاشة من خلال برنامج الفساد منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. وبعد عدد كبير من كشف قضايا وملفات تحتوي على معالجات قضايا إنسانية واجتماعية، وتختص بإدارة الحكم من الناحية القانونية، مرت معي الكثير من قضايا المعاناة الإنسانية، وهي التي تقف أمامها ولا نصدق أنها حدثت. هذه المعاناة جعلتني أفكر بالدراما وأتساءل: لو شاهدنا هذه الأحداث الحقيقية عبر الدراما، كحالة إنسان ظلم من قاضٍ وتم الحكم عليه لسنين قبل أن تظهر براءته، هل يمكن تصديقها؟ وهكذا بدأت "كواليس المدينة"، فهذا الإنسان المظلوم رفض أن يعطي شهادة حية عبر برنامجي "الفساد" في وقتها. سيناريو وحوار "كواليس المدينة" هو مجموعة من الأمور التي حدثت في فترة من فترات زمنية معينة، وهو تعبير عن الظلم وسوء الإدارة ومعاناة اجتماعية وإنسانية. وأعتبر أن البرنامج المباشر "الفساد" و"كواليس المدينة" هما تكملة لبعضهما البعض، وهما وسيلتان مختلفتان بالشكل، ولكن بالمضمون متقاربتان للتعبير عن كشف الحقائق المهمة إعلاميًا، ويحرصان على إظهارها وتصحيحها.
- إلى أي مدى تبلغ صعوبة تناول المواضيع الاجتماعية القاسية إعلاميًا على المرأة تحديدًا؟
ربما المرأة هي أكثر حنكة من الرجل في تناول هذه المواضيع القاسية، وأحيانًا هي أكثر اضطلاعًا وإحساسًا بهذه المواضيع. إن لم نشعر بها ونعيشها، لا يمكن نقلها بصدق، والمرأة تمتلك الحس المرهف بهذه الأمور. كما أن المرأة بطبيعتها تعاني في مجتمعاتنا العربية، ومن الممكن أن تدرك هذه المواضيع وتتلقفها وتشعر بها أكثر من الرجل بشكل متقن أكثر، لهذا لا أجد صعوبة في هذا أبداً.
- ما هي أبرز الصعوبات الإعلامية التي واجهتها غادة عيد وكيف ذللتها على صعيد وجودها الاجتماعي؟
واجهت صعوبات كثيرة على أصعدة مختلفة، مثل الضغط العائلي الشديد كخوف عائلتي المستمر. لقد واجهت مذكرات توقيف بحقي ونجحت بالانتصار عليها، لأنها لم تكن محقة، وبمراحل كثيرة واجهت الكثير من التحديات لأنني كنت أخوض المصاعب والتحديات، وذللتها بالكشف عنها. طبعًا، واجهت صعوبات ذللتها بإيمان وإصرار على بذل المزيد من كشف الحقيقة وصعوبة كشفها بسهولة، وهذا فرض نوعًا من الهيبة على عملي ضمن عدة مستويات. وزادت الصعوبات كامرأة استطاعت مواجهة الصعاب بالمزيد من الكشف عن الحقائق الصعبة. ذللتها على الصعيد الاجتماعي بإثبات الوجود وبإثبات الشخصية وبالمعرفة المهمة والنزاهة والمثابرة وبالتعالي فوق الأمور الصغيرة. أحب المعرفة وصقلها أكثر بالتخصص بالقانون لأن التخصص القانوني مهم جدًا للمواجهة. لهذا أعتبر أنني استطعت تذليل الصعوبات.
- من هي غادة عيد وكيف بدأت وإلى أين تريد أن تصل وماذا بعد؟
بدأت منذ صغري أحب الكتابة وأتلمس معاناة الناس من حولي، وكان إصراري الركض نحو المعاناة أو المشكلة بحد ذاتها لأتحدث عنها، وخاصة أنني كنت أفكر بالأشخاص أصحاب الظروف الصعبة، وأشعر كأنني أتولى التعبير عنهم. من هنا بدأت رغبتي بأن أكون صحفية في عمر مبكر. كما أنني تزوجت في عمر مبكر ودرست الماجستير فيما بعد، وعدت للتخصص بالقانون الإداري. لم أختار المواضيع السياسية، بل بدأت بمواضيع اجتماعية وإنسانية وقانونية. لا أعرف حاليًا إلى أين سأصل، ولكنني أحمل الهدف الإصلاحي لتصحيح حقوق الناس ورفع الظلم عنهم سواء عبر الإعلام والبرامج التلفزيونية والكتابات والمقالات وكل وسائل التعبير، أو من أي مكان آخر. طموحي هو هذا الهدف: رفع الظلم عن الناس.
- برزت المرأة بقوة في كتابة السيناريو، ماذا تخبرينا عن هذه التجربة؟ وهل من جديد؟
أنا أحب الكتابة أكثر مما أحب أن أكون معدة ومقدمة لبرنامج تلفزيوني، وأنا اشتغلت بالكتابة فترة طويلة قبل الانتقال إلى الشاشة. كتابة السيناريو تميزت بالسهولة لأني اشتغلت في المجال القضائي وكنت أكتب محاكمات تجري أمامي بالمجالس العدلية، وهي بحد ذاتها سيناريو وقصص. غالبًا أكتب مباشرة أكثر من ستين صفحة، خاصة الحوار بين القاضي والمتهمين ومحامي الدفاع، وكنت أدونهم بشكل سيناريو خاص، والجلسة طويلة جدًا، وهذا جعلني أتمرس. تتميز كتابة السيناريو بالأفق الأوسع بالتعبير باختيار الكلمات لشرح المعاناة بطريقة تلامس القلب والعقل والوجدان والضمير، ونخاطب كل شرائح الناس من خلال السيناريو، ونستطيع دغدغة المشاعر والعواطف بالسيناريو. وأن نستنفِر همم الناس وكل شجاعتهم ونزاهتهم وإنسانيتهم الدفينة من خلال كتابة السيناريو. جديدي هو كتابة سيناريو لفيلم سينمائي عن قصة حقيقية ومأساوية من ضمن ملفاتي، وهي عدم قدرة المرأة على منح الجنسية لولدها أو ابنتها، وممكن عنوانه "مكتوم" عن مكتومي القيد، وهو الشخص الذي ينتمي لأم من لبنان والأب من جنسية أخرى وحدث طلاق مثلًا. وهذه أول مرة أتحدث عن هذا الفيلم لمرايا.
- ما الهدف من هذا النضال الإعلامي ولماذا هذا الاختيار الإعلامي الصعب؟
هذا النضال الإعلامي بدأ من صغري. الاختيار الإعلامي الصعب لا نختاره بل يولد معنا وينضج معنا ويقوى معنا ويكبر معنا. بالتحدي، أحيانًا أشعر أنني ولدت لأكون إعلامية تسعى إلى كشف معاناة الناس، ولأكون معهم. وأحيانًا أشعر بالإحباط أو أريد العزلة أو أن أنكفئ، ومن ثم أتراجع، فيحدث شيئًا ما يدخلني إلى هذا النضال وأكمل بعد أن تشتعل إرادتي لأكون ضمن هذا النضال الإعلامي من جديد.
- المرأة تمتلك حساسية مرهفة ولا يمكن إنكارها حتى اجتماعيًا وقد تطال عائلتها، ألم يشكل لك ذلك المزيد من المخاوف؟
طبعًا، المرأة تمتلك حساسية مرهفة، وهي قد تكون قائدة جيدة. لأن القائد أو الرئيس أو المدير المسؤول، إن لم يستطع إدارة شؤون البلد بالعقل والعاطفة والإحساس، يفتقد إلى النجاح. المرأة تمتلك حساسية مرهفة، وهذا سر نجاحها إن أرادت، لا يمكن إنكارها اجتماعيًا حتى بموضوع هذه الحساسية. المرأة هي التي تبني وتربي وتكبر الأجيال من خلال المرأة، وتنجب الرجل وتكون له الأم الصالحة والزوجة الوفية والأخت المساندة. فهل يتصور الرجل حياته دون امرأة؟ من المؤكد أن المخاوف تكبر عندما تكون للمرأة عائلة تخاف عليها، ولكن هناك الكثير من القدرات الدفينة عند المرأة في الكثير من الأحيان وتكون أقوى من أي شيء حتى أقوى من نفسها وأقوى من كل شيء حولها. وأنا شخصيًا تخطيت الكثير من المخاوف بالإيمان.
- كلمة للمرأة من الإعلامية غادة عيد؟
أقول للمرأة: لا تطالبي بحقوقك، بل إثبتي وجودك دون المطالبة من أحد بإعطائك حقك. على المرأة أن تثابر للوصول إلى حقوقها وحقوق الرجل معًا. أنا من خلال تجربتي أقول إن التمييز العنصري عند النساء يبدأ من بعض النساء. وأقول للمرأة: أنتِ أقوى من أن تكوني مميزة. أنتِ المميزة، وأنتِ أقوى من المطالبة بحقوقك فقط، بل بالمطالبة للحصول على حقوق عائلتك ومجتمعك.
Doha El Mol
من خلال الحوار تكتشف أن غادة عيد تبدو ملتزمة بقضايا اجتماعية وإنسانية عبر مسيرتها الإعلامية، حيث تنقلت من الصحافة المكتوبة إلى التلفزيون، ثم إلى كتابة السيناريوهات. تجربتها تمتاز بالتنوع والعمق، حيث شملت معالجة مواضيع الفساد، المظلوميات الإنسانية، وكتابة السيناريوهات الدرامية. استخدام هذه الأبعاد يُظهر قدرتها على التعامل مع قضايا متعددة ومعقدة.
أعمالها تشمل برامج مثل "الفساد" و"كواليس المدينة"، بالإضافة إلى كتابة سيناريوهات مثل "مكتوم". تركز أعمالها على الكشف عن الحقائق وتناول قضايا حقوق الإنسان، مما يعكس التزامها بالقضايا الاجتماعية والإنسانية.
غادة عيد تعبر عن دافع عميق نحو كشف المعاناة والظلم. هذا يبدو نابعًا من تجربة شخصية أو إحساس عميق بالعدالة، والذي يتجلى في اختيارها لمواضيع تتعلق بالحقوق والإنسانية. الدافع الداخلي لزيادة الوعي وتحقيق التغيير الاجتماعي يعكس رغبتها في التأثير الإيجابي في المجتمع. كما تواجه عيد تحديات كبيرة، بما في ذلك الصعوبات العائلية والضغوط القانونية، ولكنها تتغلب عليها بالإيمان والإصرار. هذه الاستجابة لتحديات حياتية وصراعات قانونية تشير إلى مرونة نفسية وقوة شخصية عالية.
غادة عيد تتبنى أسلوبًا شفافًا وجريئًا في تناول المواضيع القاسية. استخدام أساليب الإعلام التفاعلي، مثل البرامج الوثائقية والتقارير التحقيقية، يسمح لها بكشف الحقائق وتحقيق تأثير مباشر على الجمهور.
من خلال برامجها وسيناريوهاتها، تسعى عيد إلى إثارة النقاش العام حول قضايا مهمة. هذا التأثير الإعلامي يعزز من قدرتها على التأثير في الرأي العام وتوجيه النقاش نحو قضايا حقوق الإنسان والإصلاح الاجتماعي. كما تستخدم مهاراتها الفنية في كتابة السيناريو للتعبير عن المعاناة والظلم بطريقة تلامس المشاعر والعقول. اهتمامها بالتفاصيل وتقديم القصص الإنسانية يعكس فهماً عميقاً للتقنيات الدرامية وأهمية تجسيد الواقع بشكل مؤثر.
تجمع عيد بين الإعلام والدراما بشكل فني بديع، حيث تعكس قصصها في السيناريوهات تجارب حقيقية وتستخدمها كوسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية. هذا التكامل يسمح لها بتقديم رسائل قوية عبر منصات متعددة ويزيد من تأثيرها كصوت إعلامي ودرامي. إذ تجمع بين الالتزام الاجتماعي والإبداع الفني بشكل متكامل، مما يساهم في تعزيز قضايا حقوق الإنسان وإثارة الوعي الاجتماعي. تبرز قدرتها على دمج الخبرات الإعلامية والدرامية بشكل يعكس إصرارها العميق على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع. التزامها وكفاءتها في معالجة المواضيع المعقدة يعكس تميزها كإعلامية وكاتبة سيناريو، ويعزز من دورها في الساحة الإعلامية والفنية.
dohamol67@gmail.com