الدكتور الناقد لطيف زيتوني للواء: "البلاد العربية اليوم تشهد حالة معكوسة وغير مسبوقة، حيث جيل الآباء أكثر معرفة، وأوسع أفقًا، وأشد انفتاحًا من جيل الأبناء."

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

يفكك دكتور "لطيف زيتوني" في كتابه "الرواية والقيم" الصادر عن "دار الفارابي" العلاقة الأخلاقية في الرواية مع الأدب ويوضحها، بل ويكشف عن الحقول الإنسانية المتسعة التي تكشف عن قراءات أخلاقية من منظور القراءة الواعية للحقيقة الأدبية في الفن الروائي. ومعه أجرينا هذا الحوار..

- تثير في كتابك "الرواية والقيم" أزمة ثقافة الشباب، وهي أزمة أزلية في ظني، ما هي أبرز النقاط في علاجها؟

المجتمعات المنغلقة لا تعرف الأزمات، لأن التقاليد تتحكم بكل شؤونها، وأقصى ما يمكن أن يحدث هو صراع أجيال بين من يملك الخبرة ومن لا يملكها. وفي هذا الصراع تنتصر دائمًا الخبرة التي تراكمها السنين. أما المجتمعات المنفتحة فتشهد تحولات، إذ تصطدم فيها خبرة الآباء بالمعلومات الجديدة التي يوفرها العلم والانفتاح، ويصبح جيل الأبناء أكثر معرفة وأوسع أفقًا من جيل الآباء. ما أطرحه في كتابي حول أزمة ثقافة الشباب هو أمر مختلف وخطير. فالبلاد العربية اليوم تشهد حالة معكوسة وغير مسبوقة، حيث جيل الآباء أكثر معرفة، وأوسع أفقًا، وأشد انفتاحًا من جيل الأبناء. لذلك حين نطرح أزمة ثقافة الشباب فإننا نطرح أزمة المستقبل، أزمة الثقافة العربية بعد جيل من الآن.

- ما الرابط المشترك بين المفاهيم الجمالية الروائية والمفاهيم الأخلاقية التي تتكسر ببطء اليوم؟

هناك مفهومان للأخلاق: الأول يعرّف الأخلاق بأنها منظومة القيم والمبادئ التي تسمح بالتمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والمقبول والمرفوض، والتي ينبغي على الفرد أن يتبناها ويستهدي بها. وقد طورت الشعوب عبر الزمن منظومات مختلفة من القيم والمبادئ وطبّقتها في حياتها، ثم تبدّلت هذه القيم مع التطور. لهذا نطلق على هذه المنظومات اسم الأخلاقيات لتعددها واختلافها. أما المفهوم الثاني فيعرّف الأخلاق بأنها التفكير الذي يمارسه الفرد قبل تطبيق قيمه على الواقع، أي مساءلة القيم والمبادئ الأخلاقية عن مدى ملاءمتها للزمن الحاضر وللواقع. وبديهي القول إنّ المفهوم الثاني هو الذي يعتمده أهل الثقافة وهو الذي يتحدث عنه الكتاب. غير أن الرواية تتسع لكلا المفهومين، وإن كان الأول غالبًا في روايات الأولاد والروايات الشعبية، والثاني سائداً في الروايات الأدبية الراقية. أما التكسّر الذي نشهده اليوم في القيم فهو ناتج عن اصطدام المنظومات الأخلاقية بالواقع نتيجة الازدواجية بين القول والفعل في حياة الناس، أو بين منظومة أخلاقية قديمة نأبى تطويرها وواقع متحرك لا يتوقف عن التطور. الرواية تعكس عمومًا هذا الاصطدام، في المجتمع والسياسة وسلوك القادة والأفراد، ولكنها تكتفي بتصويره وتفحّصه وتحليل تأثيره.

- النصوص الأخلاقية في الروايات الحديثة أصبحت تثير قضية مركزية في الدراسات الأدبية، ما رأيك؟

الرواية جزء مقتطع من حياة شخصياتها. وهذا التشابه بين عالمها وبين حياة البشر يسمح لها بأن تختزن هموم الناس وأزماتهم وسلوكياتهم وما يؤمنون به. ولهذا شكّلت مرجعًا للكثير من المنظّرين في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة، وفي فلسفة الأخلاق التي تحتل صدارة اهتمام الفلسفة الأميركية اليوم. فالرواية أصدق من التاريخ لأنها لا تقدم الحوادث والشخصيات من الخارج، وأكثر تعبيرًا من الفلسفة لأنها لا تعتمد على الإقناع المنطقي بل على عيش تجربة الشخصيات. وهي اليوم تتصدر اهتمام الأدباء والنقاد والقراء على السواء نظرًا إلى إمكانياتها التي لا تتوفر في أي نوع أدبي آخر. ليس في الرواية نصوص أخلاقية، بل هي كلها نصّ أخلاقي ما دامت تعرض تجربةً واقعية نتفاعل معها كأننا نحن من يعيش هذه التجربة.

- من يحدد محتوى القيم الأخلاقية في صميم الأدب الروائي، ونحن نشهد ثورة عليها؟

الواقع هو مختبر القيم، هو الذي يميّز بين القيم الصالحة وتلك التي تجاوزها الزمن، أو التي نشأت نتيجة ظرف تاريخي ما عاد قائمًا. الرواية هي الواقع، ولو كان متخيلاً. إنها المكان الذي تختبر فيه الشخصيات قيمَها ومبادئها الأخلاقية وتحكم على صلاحيتها. الثورة على القيم اليوم تتطلع إلى تنقية الأخلاق مما لا يتماشى مع الزمن الحاضر. لا أحد يثور على القيم الإنسانية، تلك التي تتوخى خير الإنسان من دون تمييز. وبعد كل ما جرى ويجري في العالم، صرنا نخشى على مستقبل الإنسان على هذه الأرض. فكم سبّبت القيم السلبية من حروب ودمار ومجازر وتشريد.

- دكتور لطيف زيتوني والرواية التي يعيد قراءتها أكثر من مرة، ما هي؟

كقارئ، لا أعود إلى الرواية التي انتهيتُ منها، ولكنني كباحث اضطر أحيانًا إلى إعادة قراءة بعض الروايات، جزئيًا أو كليًا، بحثًا عن مثل، أو دعمًا لفكرة، أو توضيحًا لطرح نظري جديد. أما إذا كان السؤال عن الرواية التي حرّكت أفكاري أو هزّت مشاعري وجعلتني أحنّ إلى قراءتها من وقت إلى آخر، فإن طبيعة تخصصي، وهو نقد الرواية، يضطرني إلى قراءة الكثير من الروايات الجيّدة بحيث يصعب أن تُمسك واحدة منها بذاكرتي مدة طويلة.

Doha El Mol

نكتشف من الحوار مع لطيف زيتوني أنه يتسم بالعمق والنقد الاجتماعي الحاد. يقدم زيتوني رؤية شاملة لمشكلة أزمة ثقافة الشباب في العالم العربي، معترفًا بأن هذه الأزمة ليست مجرد مسألة أجيال، بل تتعلق بتحولات جوهرية في القيم والمفاهيم. الانطباع العام هو أنه يطرح قضية ملحة وحساسة، ويستخدم مصطلحات قوية مثل "حالة معكوسة وغير مسبوقة" و"أزمة المستقبل" لإبراز أهمية الموضوع وتأثيره.

يقدم زيتوني نقدًا ثقافيًا دقيقًا يرتكز على مقارنة بين الأجيال والتطورات الاجتماعية. يعبر عن قلقه من التناقض بين الأجيال، مشيرًا إلى أن جيل الآباء يتفوق على جيل الأبناء في المعرفة والانفتاح، وهو عكس ما هو متوقع في المجتمعات التي تتطور بشكل طبيعي. يبرز زيتوني أهمية الرواية كأداة لتحليل القيم الأخلاقية وكيفية تأثرها بالتطورات الاجتماعية، مما يعكس قلقه من التغيرات السريعة وتأثيرها على القيم الثابتة.

يعكس الحوار مع د. زيتوني قلقًا عميقًا بشأن هوية الثقافة ومستقبلها. هناك شعور بالتهديد من التغيرات التي تحدث بسرعة في المجتمع، مما يؤدي إلى مشاعر عدم الاستقرار والخوف من فقدان القيم الأساسية. يعكس هذا القلق محاولة للعثور على أرضية ثابتة ، مع تأكيد على أهمية الرواية كمرآة تعكس القيم وتساعد في فهمها بشكل أعمق. النقد الاجتماعي الموجه يعكس محاولات زيتوني لفهم كيفية تأثير هذه التغيرات على النفس البشرية وكيفية التعامل معها.

لطيف زيتوني، كما يتضح من الحوار، يتناول الأدب من منظور نقدي يجمع بين التحليل الثقافي والأخلاقي. يركز على كيف تعكس الرواية القيم الأخلاقية وتتعامل مع تحولات المجتمع. يعكس فكره النقدي انشغاله بالعلاقة بين الأدب والواقع الاجتماعي، حيث يرى الرواية كمصدر هام لفهم التغيرات الثقافية والأخلاقية.

يرى زيتوني أن الرواية تعكس بشكل دقيق التغيرات الاجتماعية والأخلاقية. ويهتم بكيفية تأثير القيم الأخلاقية على تطور الشخصيات والأحداث الروائية. كما يعبر عن قلقه من التناقضات بين الأجيال والتغيرات السريعة التي تؤثر على القيم الثقافية. يظهر أن نقد زيتوني يتميز بتركيز دقيق على العلاقة بين الأدب والمجتمع، ويعكس عمق اهتمامه بمشاكل القيم وتغيرات المجتمع من منظور أدبي وثقافي

dohamol67@gmail.com