الروائي فكري داوود لـ «اللواء»: انحسار التلاقي بين الأدباء العرب نتيجة لأزمة ثقافية حقيقية
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
بدأ الروائي والقاص والباحث «فكري داوود» بفن قصصي متأثر بالغربة، وبخلطة تألق بها أسلوبه المتعدد التقنيات من حيث الرؤية والمشهد الاجتماعي المضمخ بتفاصيل هي من الأسس الفنية، ومقومات البنية في قصصه ورواياته، سواء القصص التي تترابط من حيث تناوله للموضوعات الحياتية المختلفة أو من حيث القيمة الأسلوبية. فيما قدمه حتى الآن من أعمال روائية وقصصية هي بمثابة هويته الأدبية الخاصة. مع الروائي والقاص والباحث «فكري داوود» أجرينا هذا الحوار:
- ما هي أزمة القصة اليوم، ولماذا برأيك هذا التقهقر لها في دور النشر؟
أزمة القصة تكمن في أنها فن مراوغ يحتاج إلى كاتب يمتلك خبرة كبيرة وصاحب معرفة تامة بأشراطها القديمة والحديثة، علاوة على الموهبة والمقدرة على كتابتها. فالمعرفة النظرية وحدها لا تكفي، إذ لابد من الإحاطة بتقنيات كتابة القصة، وفي ذات الوقت القدرة على استخدام تلك التقنيات. فقوة القانون تكمن في القدرة على تطبيقه تطبيقًا صحيحًا، لا القدرة على مجرد حفظه وترديده. وتزداد الأزمة مع استسهال الكثيرين الجاهلين بالتعريفات والتقنيات، أو الحافظين لها دون قدرة على الممارسة الصحيحة. وربما ساعد على تلك الأزمة اتجاه الكثيرين من الكتاب والناشرين إلى الرواية، معتقدين أن أي سرد للتاريخ الذاتي للكاتب يمكن اعتباره رواية، غير واعين بأن مجرد السرد المجرد من الرؤية لا يمكن أن يصنع رواية أو فنًا.
- الكاتب فكري داوود بين القصة والرواية، أين يستريح ومتى يقف عند حدود مقالة ما؟
ربما تأسرني مقولة تُستخدم كثيرًا وهي «الرواية ديوان العرب». وقد أنجزت روايات خمس هي: (المتعاقدون – دار أخبار اليوم - سلسلة كتاب اليوم - 2009/عام جبلي جديد - مطبعة الإسراء - 2006/وقائع جبلية - هيئة قصور الثقافة - 2007/طيف صغير مراوغ - هيئة الكتاب - 2009/الشوك والياسمين - دار الهلال - روايات الهلال - 2018)، وتحت الطبع: (خلخلة الجذور/دروب الفضفضة). كما حصلت أخيرًا على منحة التفرغ لاستكمال مشروعي الروائي حول عوالم القرية المصرية وتأثرها بالأحداث الداخلية والخارجية في العقود الأخيرة، وهذه المنحة من وزارة الثقافة المصرية، والمجلس الأعلى للثقافة.
ومع ذلك فقد بدأت كاتبًا للقصة القصيرة وأنجزت فيها ست مجموعات، منها اثنتان للأطفال: (الحاجز البشري - 2006/صغير في شبك الغنم - 2001/العزومة - 2013/دهس الطين - 2016/سمر والشمس - 2004/الاختيار الصحيح - 2009)، كما أن لي تحت الطبع: (رحيق الجميز/صعود المداخن).
- الانحسار الثقافي في الوطن العربي تبعه انحسار التلاقي بين الأدباء في الوطن العربي. هل هي أزمة اقتصادية مادية أم أزمة ثقافية حقيقية؟
للأسف، هذا الانحسار الثقافي، الذي تبعه انحسار التلاقي بين الأدباء في الوطن العربي، جاء نتيجة أزمة ثقافية حقيقية. فقد اختلفت المفاهيم المتداولة للثقافة، حيث بات الوسط الثقافي بشكل عام يعج بالصوت العالي، والسعي الحثيث للانتشار عبر الميديا أيضًا، وهذا ليس دليلاً على التميز. ومن هنا أستطيع القول إن المشكلة تكمن في عدم وجود التلاقي النوعي، لا الكمي. كما أنه لا توجد مؤسسات رسمية تعتني بتأصيل المفاهيم الصحيحة والتعريف برواد الحركة الثقافية العربية، أو على الأقل بالمؤثرين فيها، ناهيك عن التشرذم والشللية داخل القطر الواحد، أو بين مجموعات محدودة في بعض الأقطار، مما أدى إلى مزيد من الانحسار. هذا ولا أستبعد أيضًا الأزمة المادية ومعاناة الاقتصاد في معظم البلدان العربية، ولا سيما التي تعاني من صراعات عسكرية وطائفية، أو مشكلات مع التطرف والإرهاب، وتقهقر الاهتمام بالثقافة في خرائط المسؤولين إلى ذيل القائمة.
- أين كتاب القصة والسيناريو من كتابة السيناريو؟ ولماذا هذا الاستخفاف الدرامي بالأدباء؟
بداية أقول: إنه لم يعد بيننا للأسف نجيب محفوظ أو عبد الرحمن الشرقاوي أو طه حسين، وغيرهم ممن كانوا يجيدون كتابة السيناريو بنفس إجادتهم لكتابة أعمالهم الإبداعية، وهذا سبب من الأسباب. وثمة سبب آخر يتعلق بما ذكرته آنفًا، أن بعض الكتاب يستسهلون الكتابة دون وعي أو رؤية، فباتوا غير قادرين على كتابة السيناريو، مما نتج عنه الاستخفاف الدرامي بهم. وهناك من الكتاب أنفسهم من يكتبون دون الوضع في الاعتبار إمكانية تحويل هذه الأعمال إلى أعمال درامية.
- ما الذي يستوقفك اليوم في مسيرتك الأدبية وما أبرز الصعوبات فيها؟
يستوقفني تمامًا هذا التغير الحاد في بنية المجتمعات العربية، وهذه التغيرات التي تجتاح العالم سلبًا وإيجابًا. ويستوقفني هذا التطرف بدعوى الدين أو العرق أو القبيلة، كما يستوقفني هذا الكم الهائل من العبث والفوضى، مما يجعلني أقف حائرًا، سائلاً نفسي: كيف يمكن لي ككاتب أن أعيد ترتيب الدنيا؟ كما يستوقفني سؤال ذاتي: وماذا بعد كل هذه الكتابات ومئات الدراسات حولها، وكم الجوائز والتكريمات والبرامج والمؤتمرات؟ لم يعد كافيًا أن أكتب أية قصة والسلام، أو أية رواية، لابد من كتابة أعمال فارقة، فكلنا زائلون لا محالة، والخلود سيظل للكلمة.
Doha El Mol
يبدو أن فكري داوود يسعى دائمًا إلى استكشاف وتعميق فهم القضايا الإنسانية والاجتماعية عبر كتاباته. تتسم أعماله بروح من التفكر العميق والتأمل في التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية. يظهر داوود اهتمامًا كبيرًا بالأبعاد الثقافية والاجتماعية التي تؤثر على الفرد والمجتمع، مما يجعل من أعماله مرآة للتغيرات والتحديات التي يواجهها العالم العربي. إن انشغاله بالأزمات الثقافية والانحسار الأدبي يشير إلى حساسية عميقة لقضايا الهوية والتمثيل الثقافي.
من خلال تصريحاته وأعماله، يتضح أن داوود يعالج موضوعات تتعلق بالتقنيات الأدبية والفنية، وعلاقة الأدب بالواقع الاجتماعي. يظهر اهتمامه بتحليل عناصر القصة والرواية بوضوح، مع إشارة إلى الأزمات التي تواجه الأدب العربي اليوم. يتمثل موقفه الموضوعي في أهمية التفاعل العميق مع تقنيات الكتابة وفهمها بشكل جيد، وليس الاكتفاء بالتقليد السطحي. كما يظهر انتقاده للاتجاهات السائدة التي تستسهل الكتابة وتدعي الإبداع دون تقديم قيمة أدبية حقيقية. يتناول أيضًا الأزمات الثقافية والفكرية التي تعاني منها الأمة العربية، مما يعكس رؤيته الشاملة لمشهد الأدب والثقافة.
يمكن فهم توجهات داوود من خلال استكشاف دوافعه العميقة وراء اهتمامه بالكتابة والمشكلات الثقافية. يبدو أن هناك نوعًا من القلق الوجودي والتأمل العميق في تحولات العصر وتأثيراتها على الفرد والمجتمع. إن تأكيده على أن "الخلود سيظل للكلمة" يعكس إيمانًا قويًا بقوة الأدب كوسيلة لفهم الإنسان والعالم من حوله. شعوره بالحيرة تجاه الفوضى والعبث في العالم قد يكون مصدر إلهام له، مما يدفعه للبحث عن حلول وتفسيرات من خلال كتاباته. يظهر أيضًا تقديرًا عميقًا للأدب كوسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار التي قد تكون صعبة التعبير عنها بطرق أخرى.
فكري داوودفي الحوار يعبر عن فلسفة أدبية تقوم على ضرورة دمج المعرفة التقنية مع الموهبة الأصيلة. يشدد على أهمية الفهم العميق للأدوات الأدبية وتقنيات الكتابة كجزء من العملية الإبداعية. كما يعبر عن إيمان عميق بأن الأدب يجب أن يكون أكثر من مجرد سرد للقصص، بل يجب أن يحمل رؤية عميقة ومؤثرة. من خلال دعوته لتجاوز التلاقي الكمي والتركيز على الجودة والعمق، يظهر داوود فلسفة قائمة على الالتزام بالقيم الأدبية الأصيلة والبحث عن المعنى الحقيقي في الكتابة.
تُظهر فلسفة فكري داوود تزامنًا بين التحليل النقدي العميق والاهتمام الشخصي بالتجارب الإنسانية. إن انخراطه في معالجة قضايا الأدب والثقافة يعكس فلسفة أدبية متجذرة في فهم عميق للأزمات والفرص التي تواجهها المجتمعات العربية، مما يجعل من أعماله تعبيرًا عن سعيه لفهم وتوثيق التحولات الفكرية والاجتماعية التي تحدث من حوله.
dohamol67@gmail.com