الروائي السعودي هاني نقشبندي للواء: "إن استطاعت رواياتي أن تقدم رأيًا أو تكشف عيبًا أو تطرح حلاً، فهذا جيد."

حاورته: "ضحى عبدالرؤوف المل"

تستمد الرواية السعودية قوتها من المواضيع التي تسلط الضوء على القضايا الاجتماعية تحديدًا، لأن الرواية السعودية المعاصرة تخطت السرد واندمجت بمعالجة القضايا المستجدة، خاصة تلك التي بدأنا نقرأ عنها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، من تويتر أو بوح على صفحات مدونات خاصة. ورواية "اختلاس" للروائي هاني نقشبندي هي مشهد من مشهديات تؤلف رأيًا تضمن مشكلة من مشكلات وضعها في قالب روائي امتد إلى رواياته الأخرى أيضًا. ومع الروائي هاني نقشبندي أجرينا هذا الحوار:

- الأدب الروائي لا يطرح المشكلة فقط، إنما يقدم الحلول. أين الحلول التي قدمتها روائيًا؟

الروائي يشبه الطبيب. أهم ما يقوم به الطبيب عندما يأتيه مريض هو تحديد سبب المرض، أي تشخيصه. وهذا ما يقوم به الروائي؛ إنه يشخص العلة. بدون معرفة السبب، لا يأتي الحل. أما بالنسبة لهذا الحل، فهو ليس مهمة الروائي، وإن أعطى رأيًا، بل هي مهمة جماعية. أنا تحدثت عن معاناة امرأة. أقول إن المرأة إن كانت ضعيفة، فهو بسببها. مشكلة المرأة السعودية أو العربية، أو حتى العالمية، أنها تشكو ضعفها إلى من هو سبب هذا الضعف، وأعني به الرجل. لماذا هي ترتضي الظلم إذًا؟ الظلم نفسه فعل اختياري، من ارتضى به استحقه. أنا أدعو المرأة إلى الثورة على ذاتها، لا الثورة على الرجل أو المجتمع. إن كانت لديها حقوق أقرها الشرع والقانون، فلماذا هي مستسلمة؟ أقول إن بعض النساء يستلذذن الضعف، وهذا شأنهن. لكن ماذا عن الأخريات؟ لماذا يكتفين بالشكوى دون أن يقمن بما يزيح الظلم عنهن؟ لست أنا من يجيب، بل كروائي.. أنا هنا أسأل. وكثيرًا ما كان السؤال هو نصف الجواب.

- لماذا هذا النقد المجتمعي والمجتمعات كافة تغرق بالسلبيات؟

أنا لا علاقة لي بالمجتمعات الأخرى. علاقتي هي بمجتمعي أنا، وبالمرأة الساكنة بيننا. لا أقول إن نساء العالم هن في وضع أفضل، لكن ذلك شأنهن. أنا معني بأن يكون وضع نسائنا أفضل، بصرف النظر عن العالم الآخر، البعيد منا أو القريب.

نحن كرجال ننتظر الكثير من المرأة. ننتظر منهن مشاركة أكثر فعالية. حتى المتسلطين من الرجال يحتاجون إلى امرأة قوية لا ضعيفة. مؤمن أنا، بل شديد الإيمان، بأن المرأة المكسورة لن تنجب أبناء أقوياء، بل نساء منكسرات مثلها، ورجال متسلطين. هل هذا ما نريد؟

- المرأة السعودية تبعًا للكثير من الإحصاءات، أكثر دلالًا من المرأة البريطانية نفسها؟

لا أعرف إحصاءات كهذه، لكني في الوقت ذاته لا أنكرها. ربما تكون المرأة السعودية مدللة ماديًا، لكن إنسانيًا لا تزال الكثير من القوانين تحول دون تحقيق حضور قوي لها. مؤخرًا فقط، نالت المرأة السعودية شيئًا من استقلاليتها من تبعية الرجل، قولي أمر له وحده الحق في أن تتوظف أو تسافر أو حتى تتنقل. لكن هل هذا كل شيء؟ هل حقوق المرأة تنتهي عند حقها في السفر فقط؟ بالتأكيد إن دورها أكبر من ذلك. نحن ننتظر منها أن تشارك في صناعة القرار المجتمعي أيضًا. وأعتقد أن الانفتاح السعودي الأخير يشير إلى هذا الاتجاه، سيما وأن بعض النساء بدأن بتقلد مناصب رفيعة في بعض المؤسسات الحكومية. ومرة أخرى أقول يجب أن لا نقارن أنفسنا بنساء بريطانيا أو نساء التيبت، بل نقارن أنفسنا بما نحن عليه وما نريد أن نكون عليه.

"-اختلاس" قدمت نافذة على أحاسيس المرأة وإشكالية علاقتها مع زوج من خلال زوجة أو متزوجة، وهذا عام وليس خاصًا بالمجتمع السعودي؟

الأنثى هي ذاتها سواء كانت في السعودية أو خارجها. نعم، دائمًا ما أقول وأكرر بأن هناك فرقًا بين المرأة المتزوجة والمرأة الزوجة. فليست كل متزوجة هي زوجة بالضرورة. كثيرًا ما كانت مجرد قطعة داخل المنزل، شيء لا بد منه، لا أكثر. حسنًا، من جعل منها هكذا؟ هل هي سطوة الرجل؟ ربما. لكن حتى لو كانت تلك السطوة هي السبب، لماذا هي ترضى وتستسلم لتكون مجرد قطعة لا كائن صاحب رأي وقرار وحضور؟ معظم مشاكل النساء، لنقل العربيات تحديدًا، أنهن يخضعن لسطوة الرجل وكأن الأمر هو قانون سماوي لا يقبل الجدل. ربما التربية الأسرية هي من يخلق هذا النوع من الخضوع الأنثوي. لكن اليوم ما عاد كالأمس. لست أحرض المرأة كي تثور على الرجل، أو تخرج عليه وتصبح هي المسيطرة، وتأخذ دورًا ليس لها، بل أدعو أن تكون مساوية وموازية في خط الحياة المشترك بينها وبين الرجل. أن أقول لها حان الوقت كي تنتفضي على ضعفك، وتقيمي وضعك، وتعرفي أنك لست المسكينة المكسورة. انظري إلى القوة في داخلك، واظهريها ليس عنفًا، بل حبًا وبناءً.

- ماذا تريد من عالم الرواية؟

هو عالم ساحر بالنسبة لي. أنا لست مصلحًا اجتماعيًا، ولا أدعي ولا أريد أن أكون. أنا كاتب يعشق صنع الأشياء والأحداث. إن استطاعت رواياتي أن تقدم رأيًا أو تكشف عيبًا أو تطرح حلاً، فهذا جيد. لكن إن أتت خالية من أية رسالة، فذاك لأني روائي ولست أخصائيًا اجتماعيًا.

- كلمة للمرأة العربية تكتبها بالخط العريض؟

سأقول ما قال نزار لبيروت: "قومي من تحت الردم."

Doha El Mol

من خلال الحوار يبدو أن الروائي هاني نقشبندي يتمتع بقدرة واضحة على طرح قضايا اجتماعية هامة من خلال أعماله الأدبية. يظهر في حديثه انطباعٌ قوي على التزامه بمعالجة القضايا المتعلقة بالمرأة والمجتمع، وهو يقدّم نفسه كصوت ناقد ولكن بنية إيجابية، حيث يسعى إلى تسليط الضوء على الإشكاليات دون تقديم الحلول الجاهزة. يظهر تأكيده على أن الروائي ليس ملزمًا بتقديم حلول مباشرة، بل يتعين عليه تشخيص المشكلة وتوجيه النقاش حولها.

يركز هاني نقشبندي على قضايا اجتماعية محددة، مثل وضع المرأة في المجتمع السعودي والعربي. يتناول النقاش مسألة ضعف المرأة وكيفية التعامل معه، ويشير إلى أن المشكلة قد تكون ناتجة عن اختيارات فردية وتربية أسرية أكثر من كونها مسألة قوانين أو نظام اجتماعي فقط. يتحدث عن حاجة المرأة إلى اتخاذ دور نشط في تحسين وضعها بدلاً من الاعتماد فقط على التغيير الخارجي. كما يبرز النقاش حول إحصاءات حول دلال المرأة السعودية مقارنة بنظيراتها في الدول الأخرى، مشيرًا إلى أن الرفاهية المادية لا تعني بالضرورة تحقيق حقوق متساوية.

يعكس حديث هاني نقشبندي فهمًا عميقًا للمشاكل النفسية المرتبطة بالمرأة واندماجها في المجتمع. يلمس جوانب من ضعف الثقة بالنفس وعدم القدرة على اتخاذ القرارات بشكل مستقل، والتي قد تنشأ من التربية الأسرية أو التأثيرات الاجتماعية. يبدو أن الروائي يحاول من خلال أعماله أن يساهم في تغيير هذه العقلية عبر إثارة الأسئلة وتحفيز التفكير النقدي، مما قد يساعد الأفراد على تجاوز الإحساس بالضعف أو الخضوع وتحفيزهم على البحث عن القوة الداخلية وإظهارها بشكل إيجابي.

إعلاميًا، يتبنى هاني نقشبندي موقفًا يتماشى مع الاتجاهات الحالية في الإعلام العربي التي تدعو إلى التغيير الاجتماعي وتفعيل دور المرأة. من خلال التحدث بصراحة عن قضايا اجتماعية حساسة، يساهم في فتح المجال للنقاش العام حول قضايا قد تكون محظورة أو حساسة في المجتمع. كما يعكس حديثه قدرة على التعامل مع مواضيع معقدة بطريقة قد تجذب اهتمام وسائل الإعلام والجمهور، مما يعزز من دوره كأديب وناقد اجتماعي. باستخدام الرواية كأداة لاستفزاز النقاش وتوجيه الضوء نحو المشكلات، يساهم في تعزيز فهم أعمق وتقديم رؤى جديدة حول القضايا الاجتماعية.

الروائي هاني نقشبندي يقدم نفسه كصوت ناقد يهتم بمعالجة القضايا الاجتماعية من خلال الأدب. تحليله يتسم بالعمق ويدعو إلى إعادة النظر في قضايا المرأة ودورها في المجتمع، مما يعكس تأثيرًا ملحوظًا في الفكر العام. من خلال أسلوبه في النقاش والطرح، يعزز من أهمية الرواية كوسيلة للتغيير الاجتماعي والتحفيز على التفكير النقدي، وهو ما يجعله شخصية ذات تأثير في المشهد الأدبي والإعلامي.

dohamol67@gmail.com